اعتمد المؤلّف -﵀- كغيره من المؤرّخين -منهج التاريخ الحَوْلي، أي سرد الحوادث والأخبار حسب متجدّداتها على الأيام والشهور والسنين على تتابُعها، وبعد الِانتهاء من عرض الحوادث، يذكر المتوفّين أثناء السنة التي يؤرّخ لها، مرتّبًا الوَفَيات على الحروف من الألِف إلى الياء، ولكن دون الالتزام الصارم بترتيب أسماء الآباء والأجداد. وهو في أحيان كثيرة يترجم لبعض الأعلام أو الأشخاص أثناء سرد الحوادث، ويستطرد من ترجمة أحدهم إلى ترجمة أبيه أو ابنه أو ابن عمّه، أو غيره ممن تأخّرت وفاته إلى ما بعد سنة ٨٧٤ هـ. وهي السنة التي ينتهي فيها الكتاب، ولا يقتصر الاستطراد لديه على التراجم فحسْب، بل هو يستطرد أيضًا في أثناء التاريخ للوقائع ويأتي بشواهد لحوادث مشابهة وقعت في سنوات لاحقة.
فهو يذكر خبر سبيل جامع ابن طولون أثناء ترجمة "أبي أُمامة محمد بن عبد الرحمن بن النقّاش الدُّكالي" سنة ٨٤٥ هـ.، والسبيل قد أُنشئ في عام ٨٨٧، ومات خازنه "رَيحان الزنجي الحلبي" في العام المذكور ٨٨٧ هـ (^١). ثم يستطرد إلى ترجمة زوج بنت "الدُكالي": "عمران بن غازي المغربي"، المولود سنة ٨٤٥، وكان لا يزال حيًا عند تأليف الكتاب. وفي أثناء ترجمة "عمران" هذا يذكر أنه لازَم الشيخ "حمزة العربي" الذي تأتي ترجمته في سنة سبع وسبعين وثمانماية (^٢)! والكتاب الذي بين أيدينا ينتهي عند سنة ٨٧٤ هـ!!
ولما تحدّث عن قطع الطرقات عام ٨٤٦ هـ. تناول مثل ذلك ما حدث في سنوات ٨٨٣ و٨٨٤ و٨٨٥ هـ. (^٣)!!
ولما تحدّث عن ثورة الجُلبان عام ٨٤٦ هـ. استطرد إلى ما جرى عامي ٨٨٧ و٨٨٨ هـ.!! فهو يُظهر التشابه بين ثورة الجُلبان على الظاهر خُشقدم، وما جرى
_________________
(١) الروض الباسم، ١/ ٥٨ أ، رقم ٤٤.
(٢) الروض الباسم، ١/ ٥٩ أ، رقم ٤٦.
(٣) الروض الباسم، ١/ ٦٣ ب.
[ ١ / ١١٧ ]
من فتنة أيام الأشرف قايتباي، في أثناء تسطيره لهذا الكتاب، وما جرى من فتنة سنة ٨٨٨ هـ، وهي قضية "برسباي قرا" رأس نَوبة النُوَب (^١).
وفي آخر ترجمة "محمد بن عمر بن أحمد الواسطي الغمري" المتوفَّى سنة ٨٤٩ هـ.، أتْبَعَها بترجمة لابنه "أبي العباس محمد أو أحمد" الذي زاد في جامع أبيه بسوق أمير الجيوش المعروف بسوق مرجوش. ولم يذكر وفاته مما يدلّ على أنه كان لا يزال حيًا (^٢).
وهو يترجم لصنْطَباي خليل الشيخي، خازندار والده في وفيات سنة ٨٤٩ هـ. مع أنه توفي سنة ٨٤٧ هـ (^٣).
وبعد أن ترجم لمحمد بن يحيى بن أحمد بن زُهرة الحِبراصي الطرابلسي، المتوفَّى ٨٤٨ هـ. استطرد فترجم لابنه "عبد الوهّاب" المتوفَّى سنة ٨٩٥ هـ (^٤).
وهو بعد أن ذكر خبر عودة "بُرْدُبك" (^٥) من قبرس في أول سنة ٨٦٥ هـ.
أتْبعه بترجمته ولم يؤرّخ وفاته، فقد كان حيّا عند تأليف الكتاب. وهو ذكره في "المجمع المفنَّن" ولم يؤرّخ لوفاته حيث قال: "وهو على ذلك إلى يومنا هذا" (^٦).
وعند تناوله لمقدَّميّة الألوف بمصر استطرد إلى ترجمة "يشبُك البجاسي" (^٧)، وهو توفي سنة ٨٩٠ هـ.
وفي ترجمته لابن قاضي عجلون "عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزُرَعي" ذكر أنه ترك ولديه: محمد، الآتي في سنة وفاته وهي سنة ٨٧٦، وابنه أبا بكر تقيّ الدين (^٨)، الموجود في عصره. وهو توفي سنة ٩٢٨ هـ. أي بعد وفاة المؤلّف بثماني سنين!
ولما ذكر خبر تسلّم "محمد بن عبد الوهاب القوصوني" رياسة الطب في مصر (^٩) أفرد له ترجمة زاد فيها على ترجمة "السخاوي"، ولم يذكر الإثنان وفاته، ما يعني أنه بقي حيًّا إلى ما بعد سنة ٩٠٠ هـ.
وفي ذكره إخراج "أُزبك" خاصكي السلطان منفيًّا إلى الشام (^١٠) يذكر له
_________________
(١) الروض الباسم، ١/ ٦٥ أ.
(٢) الروض الباسم، ١/ ٤١ أ، رقم ١٠٠ و١٠١.
(٣) الروض الباسم، ١/ ٣٨ ب، رقم ٨٨.
(٤) الروض الباسم، ١/ ١٣٠ أ، ب، رقم ٧٦ و٧٧.
(٥) الروض الباسم، ٢/ ٢ أ.
(٦) المجمع المفنّن ٢/ رقم ٩٣٠.
(٧) الروض الباسم، ٥٢ ب/ رقم ١١٣.
(٨) الروض الباسم، ٢/ ٣٠ أ رقم ١٣٨ و١٣٩.
(٩) الروض الباسم، ٢/ ٣٦ أ، رقم ١٥٥.
(١٠) الروض الباسم، ٢/ ٧٣ ب.
[ ١ / ١١٨ ]
ترجمة قصيرة، ويقول إنه مقيم بطرابلس (الشام) الآن. وهذه المعلومة لم يذكرها غيره. وهو تأخّرت وفاته إلى سنة ٩٠٤ هـ.
وبعد ذكره تعيين "مُغلباي الساقي الأشرفي" باشًا على الجند في مكة (^١) سنة ٨٦٨ هـ. أفرد له ترجمة في المتن والحاشية، وذكر في الترجمة كائنة جرت لخَير بك سنة ٨٨٥ هـ. وكان مُغلباي لا يزال موجودًا في سنة ٩٠٦ هـ.
ولما تحدّث عن فرار "جانِبَك حبيب العلائي" من بلاد الصعيد (^٢) سنة ٨٦٨ هـ. ترجم له مع أنه توفي سنة ٨٩٣ هـ.، وفي أثناء ترجمته استطرد إلى ترجمة "يشبُك جن"، وهذا توفي سنة ٨٩٧ هـ.
وحين يذكر خبر تعيين الطُواشي "مثقال الحبشي" في تقدمة المماليك السلطانية (^٣) سنة ٨٦٧ هـ.، ينتقل إلى ترجمته ويصل بأخباره إلى ما بعد سنة ٨٨٦ هـ. حيث يقيم بمكة، ويقول في آخرها "وستأتي غالب هذه التنقّلات وبعضٌ من أخباره كلٌّ في محلّه".
وفي أثناء ترجمة "خليل بن شيخ إبراهيم الدرْبَنْدي" (^٤) المتوفى ٨٦٩ هـ. استطرد إلى ترجمة الشيخ "محمد الدمدمكي" (^٥) وروى قصّته كما رآها في بعض تعاليق والده، وكما سمعها هو من الشيخ "عبد الحميد بن موسى بن أبي يزيد الطالبي الشرواني"، وكما أخبره بها جماعة من أهل بلاد شماخي، ثم يواصل فيذكر "شُروان شاه بن خليل الدرْبنْدي" (^٦) وذكر أنه تجهّز للحج سنة ٨٨٨ هـ.
ولما ذكر خبر تولية "محمد بن يوسف بن عبد الكريم القبطي المعروف بابن كاتب جَكَم" (^٧) في سنة ٨٧٠ هـ. استطرد إلى ترجمته، مع أنه مات متأخّرًا في سنة ٨٩٠ هـ.
ولما ذكر استقرار "شاه بُضاغ بن دُلْغادر" (^٨) في نيابة الأبُلُسْتَيْن في شهر ربيع الآخر سنة ٨٧٠ هـ. استطرد إلى حروب شاه سِوار سنة ٨٧٧ هـ، ثم سَجْنه بدمشق سنة ٨٨٥ هـ. وتأخّرت وفاته إلى سنة ٩٠٣ هـ. وقال عنه إنه من أصحابنا وبيننا مَوَدّة لما كان مقيمًا بالقاهرة في فترات سوار بعد إخراجه من المملكة.
_________________
(١) الروض الباسم، ٢/ ٧٤ أ رقم ٢٠٦.
(٢) الروض الباسم، ٢/ ٧٤ ب رقم ٢٠٨.
(٣) الروض الباسم، ٢/ ٥٥ أ رقم ١٧٨.
(٤) الروض الباسم، ٣/ ١٠٢ ب رقم ٢٦٦.
(٥) الروض الباسم، ٣/ رقم ٢٦٧.
(٦) الروض الباسم، ٣/ ١٠٢ ب رقم ٢٦٨.
(٧) الروض الباسم، ٣/ ١٠٨ ب، رقم ٢٨٦.
(٨) الروض الباسم، ٣/ ١١١ أ، ب.
[ ١ / ١١٩ ]
ولما ذكر قتل "أصلان بن دُلغادر" (^١) في شهر ربيع الآخر سنة ٨٧٠ هـ. ترجَمَ له. وترجَمَ لشاه بُضاغ كما تقدّم.
وبعد ذِكره تولّي "قاسم شُغَيتة" (^٢) الوزارة في شهر جمادى الآخرة ٨٧٠ هـ. ترجَمَ له مع أنه تأخّر إلى ما بعد سنة ٩٠٠ هـ. إذ لم يؤرّخ "السخاوي" لوفاته.
وعندما ترجَمَ لإبراهيم بن ناصر الباعوني (^٣) في وَفَيَات ٨٧٥ هـ. أتى على ترجمة أبيه المتوفَّى سنة ٨١٦ هـ.
ولما ذكر خبر تولية "محيي الدين ابن بَقيّ" تدريس المالكية بالخانقاه الشيخونية في شهر شعبان سنة ٨٧٣ هـ. أفرد له ترجمة (^٤)، وذكر تولّيه القضاء في سنة ٨٨٦ هـ. وهو مات في سنة ٨٩٥ هـ. وكان من أعظم أحباب المؤلّف وله عليه الأيادي وقد سمع الكثير من فوائده وأبحاثه لا سيما في دروس الكافِيَجي. ثم ذكر أباه (^٥)، ثم أخاه "عبد الغني" (^٦) وترجَمَ له، مع أنه توفي سنة ٩٠٧ هـ.
ولما ذكر تولية "سراج الدين عمر بن أبي بكر بن محمد، المعروف بابن حُرَيز" (^٧) قضاء المالكية بمصر سنة ٨٧٣ هـ. ترجَمَ له مع أنه مات سنة ٨٩٢ هـ. ثم ترجَمَ لابنه الأكبر "محمد" قاضي سيوط (^٨). وهنا أضاف المؤلّف -﵀- بخطه على الحاشية أن السراج ابن حُرَيز مات في يوم الإثنين ١٣ جمادى الأولى سنة ٨٩٢ وقال: "وسنذكره في تراجم السنة". وهذا يدلّ أنه كان يأمل في متابعة تاريخه.
والأمثلة على استطرادات المؤلّف كثيرة في الكتاب ذكرنا بعضها، وفي هذه الاستطرادات فوائد كثيرة لا تخفى على الباحثين، فهي أغنت معلوماتنا بأعلام تُوفّوا بعد سنة ٨٧٤ هـ. ومنهم جماعة تأخّرت وفَياتهم إلى القرن العاشر الهجري فلم يذكرهم "السخاوي" في موسوعته "الضوء اللامع"، وهذه إحدى مميّزات "الروض الباسم".
ومن مميّزات هذا الكتاب أيضًا أنه يحتوي على تراجم لم يذكرها المؤلّف - ﵀- في كتابيه الآخَرَين: "نَيل الأمل" و"المجمع المفنّن".
وتمشّيًا مع أسلوبه في عرض مادّة كتابه من أنه لا يتوانى عن الترجمة للأعلام أثناء سرد الأحداث، فقد أفرد ترجمة حافلة للسلطان "الأشرف قايتباي" (^٩) بعد
_________________
(١) الروض الباسم، ٣/ ١١١ أ.
(٢) الروض الباسم، ٣/ ١١٤ ب، رقم ٢٨٨.
(٣) الروض الباسم، ٣/ رقم ٢٩٠.
(٤) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٤٥.
(٥) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٤٦.
(٦) الروض الباسم، ٣/ رقم ٤٤٧.
(٧) الروض الباسم، ٤/ ٢١٧ أ رقم ٤٤٨.
(٨) الروض الباسم، ٤/ ٢١٧ ب، رقم ٤٤٩.
(٩) الروض الباسم، ٣/ ١٧٠ ب - ١٧٤ أ/ رقم ٣٧٣.
[ ١ / ١٢٠ ]
تولّيه السلطنة في شهر رجب سنة ٨٧٢ هـ. مع أنه توفي أواخر سنة ٩٠١ هـ. فقد ظهر لنا أنّ مؤرّخنا "عبد الباسط" -﵀- ما إنْ يذكر أحدهم أثناء "متجدّدات الحوادث" حتى يُظْهِر سعة اطّلاعه، وضخامة المخزون المتجمّع لديه عن ذلك الشخص، مهما كانت وظيفته أو وضعه، فينقضّ كالباشق على فريسته، ويعرّف القارئ به بترجمة مفيدة، وإن كانت في غير موضعها، وكأنه يسابق القدر، ويريد أن يُفرِغ ما في جُعبته من معلومات قبل أن يُعاجله الموت، أو يفقد ذاكرته، أو يضيّع ما علّقه في أوراقه. فهو -كما مرّ في سيرته- صاحب عِلَل وأسقام، يعتريه المرض من حين لآخر، وهو انْتَابَتْه نزعةٌ إلى التصوّف، وزهد في الكتابة، وغسل كُتُبه وأوراقه وتعاليقه، وضيّع الكثير منها، ولما عاد إلى كتابة التواريخ بعد نحو عشرين عامًا لم يكن لديه سوى الاعتماد على ذاكرته، فلم تُسعِفه إلّا بالقليل، ولولا ذلك لأَتْحَفَنا وأتْحف المكتبة بمعلومات غنيّة تفوق ما وصَلَنَا من نتاجه وعطائه.
وبما أنه كان يتقن التركية، بحكم ولادته في مدينة مَلَطْية التركية، ونشأته هناك، فقد أراد أن يُظْهر معرفته بهذه اللغة وامتلاكه لناصيتها عن طريق التعريف بأسماء الأعلام من الأتراك، والمعنى المرادف لها باللغة العربية، مثل مَن اسمه: "تَنِبَك" أو "جانَم" أو "طَيْبُغا" وغيره.
وكان له رأيه في مُجْريات الأحداث في أيامه، مُعْتَدًّا بنفسه، فهو يعلّق، ويحلّل، ويناقش، وينقُد، ويستشرف قادمات الأمور، ويتوقّعها بحَدْسه، ولا يُخْفي موقفه من بيان تغيّر أحوال بعض من كان وضيعًا لا وزْن له في المجتمع، وكيف صاروا من الأكابر ويؤخذ برأيهم وهم ليسوا أهلًا لذلك. بل يحرّكه الأمر لتفيض قريحته بأبيات من الشعر (^١) تعبيرًا عن إحساسه بسوء الأوضاع الاجتماعية.
وهو لا يتحرّج من القول إنه لا يعرف تاريخ مولد فلان، أو أيّ شيء من أحواله، وإذا نقل معلومة عن أحدهم يصرّح باسمه، ومن ذلك قوله عندما ذكر "أحمد بن أحمد العمري المكّي": إن "السخاوي" ذكره بنحو ما ذكرناه وبه اقتدينا، ولم أقف على شيء من أحواله لأذكره (^٢). وعندما ذكر القاضي "محمد البُصرَوي" قال: لم أقف على تاريخ مولده ولم يذكره أحد لأذكره (^٣). ولما ذكر ترجمة "محمد بن أحمد القاهري" في وَفَيات سنة ٨٦٨ هـ. قال: لا علم عندي بشيء من حاله غير ما ذكرت (^٤).
_________________
(١) الروض الباسم، ١/ ٢٥ ب.
(٢) الروض الباسم، ١/ ٥٠ أ.
(٣) الروض الباسم، ١/ ٦٢ ب.
(٤) الروض الباسم، ٢/ ٧١ ب.
[ ١ / ١٢١ ]
وكان يُبدي حَيْرته عندما يسمع بتعيين أحدهم في موقع، ولا يعرف شيئًا عنه، فهو بعد أن أورد ترجمة "جانِبَك التاجي المؤيَّدي" (^١) الذي وُلّي بيروت قال: إنه بقي متحيّرًا لا يعرف من هو كي يصل إلى هذا المنصب الجليل نيابة حلب، ولم يعرف هل وقع اسمه على مُسمّاه، مع معرفته بكثير من الأتراك وتفتيشه على تراجمهم كبارًا وصغارًا، وما عرفه في الصغار وهذا دليل على وضاعة قدْره قبل ذلك (^٢).
وعندما ذكر قضيّة "القُطب العراقي" وحضوره من مصر إلى تونس وما جرى بينه وبين السيد الشريف البغدادي في شهر ربيع الآخر سنة ٨٦٦ هـ. ذكر عنه خبرًا حصل في سنة ٨٨٨ هـ. وفي آخره كتب يقول إنه ذكر القضية هنا "وهي وقعت في أزمنة مختلفة وتواريخ عدّة لتكون قصّته منتظمة مع بعضها، ولْيَحذر الناس منه -أي القُطب العراقي -لأنه كان لا يزال موجودًا" (^٣).
وقد أشاد بعهد السلطان "الأشرف بَرْسْباي" إشادةً بالغة ووصفه بأنه كان أضخم مَن مَلَكَ من الجراكسة وأجلّ الملوك، وأيّامه كانت من غُرَر الأيام "على ما حُكي لنا ورأينا في التواريخ". ولما دخل الإسكندرية قبل رحلته المغربية رأى فيها "العزيز يوسف بن برسباي" فامتدحه وأشاد بكرمه وشهامته، وقال عنه: "إنه باستطاعته أن يُنشد ما يُتصوّر من المواليا مدّة ثلاثة أيام وأكثر" (^٤).
وفي مقابل هذا كتب ينتقد السلطان "خُشقدم" في طمعه وجشعه، فهو بعد ذِكره خبر تقرير نيابة الكرَك، وحجوبيّة الحجّاب بدمشق ودواداريّة السلطان بها، وأتابكية طرابلس وتقدمة بها، في شهر محرّم سنة ٨٦٩ هـ. كتب يقول: "ذكر بعض المؤرّخين أن جملة ما حصل للسلطان من المال في هذه التنقّلات نحو الخمسة وثلاثين ألف دينار. فلا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم، ما شاء الله كان. انظر إلى شَرَه هذا السلطان ولا عليه من كسْر الناموس، فقَلّ إنصافه وكثُر طمعه وجَمْعُه للمال من أيّ وجهٍ كان، وبالله المستعان، ومع ذلك فقد بُكي بعده على زمانه، وأقول كما قيل:
قالت الضِفدع قولًا … فهِمَتْه الحكماء
في فمي ماء وهل ينـ … ــــــــــطق من في فيه ماء؟ (^٥)
وفي ثنايا الأخبار يمرّر بعض الحقائق ذات المدلولات التاريخية المهمّة، فهو
_________________
(١) الروض الباسم، ٢/ رقم ٢٢٠.
(٢) الروض الباسم، ٢/ ٨٣ ب.
(٣) الروض الباسم، ٢/ ٤٨ ب - ٥١ أ، رقم ١٧٦.
(٤) الروض الباسم، ٢/ ٩٠ ب، رقم ٢٥١.
(٥) الروض الباسم، ٣/ ٩٢ ب.
[ ١ / ١٢٢ ]
يؤكّد على أن عملية إعدام المجرمين وإجراء القَصاص بهم كانت تُوكَل إلى شخص يهوديّ ليقوم بقطع رأس المحكوم عليه بالساطور، وهذا ما حصل مع سارق الدجاجة في المركب الذي كان على متنه المؤلّف، بين رودس وتونس سنة ٨٦٦ هـ. بموجب أمرٍ من القُبطان الفرنجي، وما حصل مع العبد والأَمَة اللذَين قتلا امرأة في طرابلس الغرب بغير حق، مشيرًا إلى أن ما يجري في المغرب هو "بخلاف ما يجري على يد مَن يُسمَّى بالمشاعلي في مصر" (^١).
وحين ذكر خبر استقرار "أحمد بن العَيني" في مقدَّمية الألوف بمصر، في شهر رمضان سنة ٨٦٩ هـ. قال: هو أول ولدِ فِقْه يُقدَّم في مصر، وعدّ ذلك من النوادر، بل أول من تخلّق بأخلاق الفقهاء تقدّم بمصر، أو من الصوفية، فإنه كان من صوفية الأشرفيّة البَرسْبائيّة، وبيده غير ذلك من وظائف الفقهاء. وأضاف إنه وُلّي الأميراخورية الكبرى، ثم إمرة مجلس، بل وترسّخ لإمرة سلاح، بل وللسلطنة بعد موت خُشقدم (^٢).
ويتابع المؤلّف -﵀- أسلوبه في النقد اللاذع، ولا يوفّر السلاطين إذا أخطأوا، ويتجلّى ذلك واضحًا في ترجمة "محمد بن عبد الله البَبَائي القاهري" (^٣) الذي لا يُعرف له أب، وكان صبيًّا لبعض الطبّاخين، وصار وزيرًا، فقال ما نصُّه: "وهو أول زَفُوري وُلّي الوزارة فيما نعلم، وعُدّت ولايته من قبائح أفعال الظاهر خُشقدم، لرفعه مثل هذا الخسيس الوضيع إلى مثل هذا المنصب السامي الموضع، وإن كان قد بُهدل من أوائل هذا القرن، أعني الثامن، لكنْ بهدلة بحيث تصل إلى هذا الحدّ في القبح والشناعة وقلّة الحياء والمروءة، فلا. ولقد عمّت المصيبة بعد البَبَائي هذا بولاية من هو أخسّ منه وأدوَن وضاعة فلا حول ولا قوّة إلّا بالله".
وحين أورد خبر نيابة "قانباي الحَسَني" بطرابلسَ الشام في شهر ذي القعدة سنة ٨٧٠ هـ. وكان أحد الأمراء الطبلخاناه بالقاهرة، ونُقل إلى منصب نيابة طرابلس دفعة واحدة من غير تقدّم ولا ترشّح ولا أهليّة، وعُدّ ذلك من النوادر، علّق المؤلف -﵀- على ذلك بقوله: "وأُعيب على الظاهر خُشقَدم هذه الفعلة لعِظَم جلالة هذه الوظيفة، لأنه لم يُعهَد قطّ في دولة من الدول أنْ وُلّي طرابُلُسَ إلّا مقدّمين (كذا) الألوف بمصر، مع الوظائف الجليلة كالأتابكية، كما في طرابلس، ووُلّيها أيضًا من وُلّي إمرة مجلس، ومن وُلّي الأميراخورية الكبرى، ومن وُلّي
_________________
(١) الروض الباسم، ٢/ ٥٥ أ.
(٢) الروض الباسم، ٣/ ٩٧ ب.
(٣) الروض الباسم، ٣/ ١٠٦ ب، ١٠٧ أ، رقم ٢٨١.
[ ١ / ١٢٣ ]
الرأس نَوبيّة الكبرى". ويا ليت مع هذا كان قانباي هذا ممن له أهليّة من جهة أخرى، لفضيلة أو معرفة أو ذِكرٍ حسن بصيتٍ وسُمعة، أو غير ذلك مما يكون مندوحة، واستشهد المؤلّف بالحديث الشريف "إذا وُسِّد الأمر لغير أهله فانتظِروا الساعة"، معلّقًا بأسلوبه الحادّ: "على أن هذه الطائفة كلها غير أهله، لكنّ النحس في هذا أظهر وأكثر وأكبر" (^١).
ولم يَسْلَم السلطان "قايتباي" من انتقاد المؤلّف له، وهو سلطان عصره، ومن ذلك أنه نبّه نائب حلب في شهر جمادى الأولى سنة ٨٧١ هـ. بأن لا يمكّن أحدًا من تجار المماليك أن يدخل أراضي دولته بغرض بَيع أحدٍ من المماليك، وإذا دخل بهم عليه أن يردّه من حيث جاء، وفرح المسلمون بذلك. ولكنّ هذا التنبيه لم يُعمل به إلّا لوقت قصير، حيث دخل أحد التجار ومعه ٦٠٠ من المماليك الجُلبان، واشتراهم منه السلطان نفسه (^٢)!.
ومن منهجه اللافت في عرض الحوادث الإطالة في التحليل الشخصي لقضيّة من القضايا، وكذلك التطويل في ذكر بعض الوقائع. وفي حال عدم معرفة تاريخ مولد أحدهم أو تاريخ وفاته، أو بعض المعلومات التي ندّت عنه يترك مكانها بياضًا، مقدار كلمة أو أكثر، وربّما سطر أو عدّة أسطر.
_________________
(١) الروض الباسم، ٣/ ١١٨ أ.
(٢) الروض الباسم، ٣/ ١٣٢ أ.
[ ١ / ١٢٤ ]