هو الإمام علي بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي المدني زين العابدين (^٤) ﵁، أمُّه أم ولد، اسمها سلافه بنت ملك الفرس يزدجرد، وقيل: غزالة (^٥)، وقد ذكر أبو القاسم الزمخشري في كتاب «ربيع الأبرار» أنَّ الصحابة، ﵃، لما أتوا المدينة بسبي فارس في خلافة عمر بن
_________________
(١) تاريخ الإسلام (٧/ ٤٣٦)، تهذيب التهذيب (٩/ ٣١٢).
(٢) تاريخ اليعقوبي (٢/ ٣٢٠).
(٣) وفيات الأعيان (٤/ ١٧٤).
(٤) تاريخ الإسلام (٦/ ٤٣١).
(٥) سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٨٦).
[ ٢٦ ]
الخطاب، ﵁، كان فيهم ثلاث بنات ليزدجرد، فباعوا السبايا، وأمر عمر ببيع بنات يزدجرد أيضًا، فقال له علي بن أبي طالب، ﵁: إنَّ بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن من بنات السوقة، فقال: كيف الطريق إلى العمل معهن قال: يقومن مهما بلغ ثمنهن قام به من يختارهن فقومن وأخذهن علي، ﵁، فدفع واحدة لعبد الله بن عمر وأخرى لولده الحسين وأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق، وكان ربيبه (^١)، ﵃ أجمعين، فأولد عبد الله أمته ولده سالمًا، وأولد الحسين زين العابدين، وأولد محمد ولده القاسم، فهؤلاء الثلاثة بنو خالة، وأمهاتهم بنات يزدجرد (^٢)، وكان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة فقهًا وورعًا، فرغب الناس في السراري (^٣).
وكان ﵁ وأرضاه ثقةً عابدًا زاهدًا عالمًا ورعًا، اجتمعت فيه جلُّ الفضائل وقد مَدحه خلقٌ كثير ممن عاصروه.
قال ابن سعد في ترجمته للإمام «زين العابدين» ما نصه: «وكان ثقة مأمونا كثير الحديث عاليًا رفيعًا ورعًا»، وقد نقل ابن عيينة عن الزهري قوله: «ما رأيت قرشيًّا
_________________
(١) ربيبه: أي يعوله ويرعاه، ويتكفل بنفقته، وهذا مثال واضح وظاهر على قوة العلاقة بين أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ﵄.
(٢) وفيات الأعيان (٣/ ٢٦٧).
(٣) وفيات الأعيان (٣/ ٢٦٨).
[ ٢٧ ]
أفضل من علي بن الحسين وكان مع أبيه يوم قتل وهو مريض فسلم»، وقال أيضا: «ما رأيت أحدًا كان أفقه منه ولكنَّه كان قليل الحديث»، وقال ابن وهب عن مالك: «لم يكن في أهل بيت رسول الله ﵌ مثل علي بن الحسين»، وقال حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد: «سمعت علي بن الحسين وكان أفضل هاشمي أدركته»، ويروى أن سعيد بن المسيب قال: «ما رأيت أورع منه»، وقال العجلي: «مدني تابعي ثقة»، وقال جويرية بن أسماء: «ما أكل علي بن الحسين لقرابته من رسول الله ﵌ درهمًا قط» (^١).
وقد كان الإمام علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه وأرضاه محبًّا للصالحين وعلى رأسهم خير البشر بعد الأنبياء، وهم صحابة النبيّ ﵌ فقد كان يجلُّ الشيخين أبا بكر وعمر حتى أنه قد سُئِل: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر عند رسول الله ﵌، فأشار بيده إلى القبر، ثم قال: «بمنزلتهما منه الساعة» (^٢).
وعن جعفر «الصادق» بن محمد عن أبيه قال: «جاء رجل إلى أبي فقال: أخبرني عن أبي بكر؟ قال: عن الصدِّيق تسأل؟ قال: وتسمِّيه الصدِّيق؟! قال: ثكلتك أمّك قد سمَّاه صدِّيقًا من هو خير مني، رسول الله ﵌، والمهاجرون
_________________
(١) تهذيب التهذيب (٧/ ٢٦٩).
(٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٩٥).
[ ٢٨ ]
والأنصار، فمن لم يسمه صديقًا، فلا صدق الله قولَه، اذهب فأحب أبا بكر وعمر وتولهما، فما كان من أمر ففي عنقي» (^١).
وكان ﵁ وأرضاه يقول: «والله ما قتل عثمان ﵀ على وجه الحق» (^٢).
وعُرف ﵁ بحسن الخلق ولين الجانب، فروي أنه كان بينه وبين حسن بن الحسن (^٣) أمر، فما ترك حسن شيئا إلا قاله، وعلي ساكت، فذهب حسن، فلما كان في الليل، أتاه علي، فخرج، فقال علي: «يا ابن عمي إن كنت صادقًا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا، فغفر الله لك، السلام عليك، قال: فالتزمه حسن، وبكى حتى رثى له» (^٤).
وعرف في زمانه برفعة القدر بين الناس وفاق بذلك الخلفاء، فيُروى أن هشام بن عبد الملك حج قبيل ولايته الخلافة، فكان إذا أراد استلام الحجر زوحم عليه، وإذا دنا علي بن الحسين من الحجر تفرقوا عنه إجلالًا له، فوجم لها هشام وقال: من هذا؟ فما أعرفه، فأنشأ الفرزدق يقول:
هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ والبيتُ يعرفهُ والحلُّ والحرمُ
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٩٥).
(٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٩٧).
(٣) هو الحسن «المثنى» بن الحسن «السبط» بن علي بن أبي طالب ﵃ من علماء وأفاضل أهل البيت توفي سنة «٩٧» هـ.
(٤) سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٩٧).
[ ٢٩ ]
هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللهِ كلهمُ هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العلمُ
إذا رأتهُ قريشٌ قالَ قائلُها إلى مكارمِ هذا ينتهي الكرمُ
يكادُ يمسكهُ عرفانُ راحتِهِ ركنُ الحطيمِ إذا ما جاءَ يستلمُ
يغضي حياءً ويُغْضَى من مهابتهِ فما يُكَلَّمُ إلا حين يبتسمُ
هذا ابنُ فاطمةٍ إن كنتَ جاهلهُ بجدّهِ أنبياءُ اللهِ قد خُتِموا
وهي قصيدةٌ طويلة جميلة (^١).