اقرأ معي هذه الروايات عزيزي القارئ وتأمَّل وتفكَّر هل يمكن أن تصدر هذه التأويلات عن إمامٍ جليلٍ مثل «الباقر» رضي الله تعالى عنه، وهل هذه التأويلات توافق ما أنزله تعالى في كتابه؟ وهل توافق هذه التأويلات العقل السليم؟.
١ - روى ابن بابويه القمي في معاني الأخبار ما نصه: حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، قال: حضرت عند جعفر بن محمد «الباقر» ﵉ فدخل عليه رجل فسأله عن ﴿كهيعص﴾ فقال ﵇: «كاف»، كاف لشيعتنا، «ها» هادي لهم، «يا» ولي لهم، «عين» عالم بأهل طاعتنا، «صاد» صادق لهم وعدهم حتى يبلغ بهم المنزلة التي وعدها إياهم في بطن القرآن (^١).
وفي رواية أخرى طويلة يسأل أحد الأشخاص الإمام فيقول: فأخبرني يا ابن رسول الله عن تأويل ﴿كهيعص﴾ قال: هذه الحروف من أنباء الغيب، أطلع الله عليها عبده زكريا، ثم قصها على محمد صلى الله عليه وآله وذلك أنّ زكريا سأل ربه أن يعلمه أسماء الخمسة فأهبط عليه جبرئيل فعلمه إياها، فكان زكريا إذا ذكر محمدًا وعليا وفاطمة والحسن والحسين سري عنه همه، وانجلى كربه، وإذا ذكر الحسين خنقته العبرة، ووقعت عليه البهرة، فقال ذات يوم: يا إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعة منهم تسليت بأسمائهم من همومي، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي؟
_________________
(١) معاني الأخبار ص (٢٨).
[ ٧٤ ]
فأنبأه الله تعالى عن قصته، وقال: ﴿كهيعص﴾، «فالكاف» اسم كربلاء، و«الهاء» هلاك العترة، و«الياء» يزيد، وهو ظالم الحسين ﵉، و«العين» عطشه، و«الصاد» صبره (^١).
أقول: أيُّ منهج اتَّبعه هؤلاء المتقولون في التفسير؟ ولنا أن نسألهم إن أتانا شخصٌّ وفسَّر الآيات كالتَّالي:
كاف: كعب الأحبار، هاء: هند بنت عتبه، ياء: يزيد بن أبي سفيان، عين: عبد الله بن عثمان، صاد: صدقوا ولهم الجنة.
٢ - واقرأ هذه الرواية: قال «الباقر» ﵇: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال: كرهوا عليّا، وكان أمر الله بولايته يوم بدر ويوم حنين وببطن النخلة ويوم التروية ويوم عرفة نزلت فيه خمس عشرة آية في الحجة التى صدعها رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن المسجد الحرام وبالجحفة وبخم (^٢).
انظر كيف يحصر رضوان الله جل وعلا بولاية علي ويتهم أصحاب النبي أنهم كرهوا رضوان الله، ثم أنظر كيف يكذب بقوله: «نزلت فيه خمسة عشرة آية»، لنا أن نسأل أين هذه الآيات الخمسة عشر؟
ثم إن صاحب هذه الرواية يُكذِّب الله ﷿، والعياذ بالله منه ومن كذبه فقد شهد الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم يبتغون رضوانه
_________________
(١) كمال الدين وتمام النعمة لابن بابويه القمي الملقب بـ «الصدوق» ص (٤٦١).
(٢) روضة الواعظين الفتال النيسابوري ص (١٠٦).
[ ٧٥ ]
فاقرأ معي قول الله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^١).
إذًا هم يبتغون من الله الرضوان، ثم إنَّ الله سبحانه قد لبَّى طلبهم فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^٢).
فكيف بعد أن رضي الله عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وعلى رأسهم أبي بكر وعمر، ينسب هذا المُبْطِل إلى «الباقر» أنه يذمُّ أصحاب النبيّ وأنَّهم كرهوا عليا.
٣ - روى الحر العاملي في الوسائل بسنده عن «الباقر» و«الصادق» رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾، قال: هي لنا خاصة، إيَّانا عنى (^٣).
_________________
(١) الفتح (٢٩).
(٢) التوبة (١٠٠).
(٣) وسائل الشيعة باب (عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن) حديث رقم (٣٣٥٩٠).
[ ٧٦ ]
قلت: إن إكمال الآية كافٍ في دحض هذا الافتراء، إذ يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (^١).
لنا أن نسأل، من هو الظالم لنفسه من بين أئمة أهل البيت؟، لا أظن أن من هؤلاء الغلاة يملك على هذا التساؤل المنطقي إجابة.
٤ - روى القاضي النعماني بسنده عن جابر بن عبد الله عن «الباقر» ﵁: كنا جلوسًا معه فتلا رجل هذه الآية «كل نفس»، فقال رجل: ومن أصحاب اليمين؟ قال ﵇: شيعة علي بن أبي طالب ﵇ (^٢).
نسأل هنا، لو أن الانتساب لعلي بن أبي طالب ﵁ يجعل الإنسان من أصحاب اليمين ويكون نصيبه الجنَّة، أليس من باب أولى أنَّ المنتسب إلى رسول الله ﵌ كحال أصحاب النبي رضوان الله عليه هو أيضا من أصحاب اليمين؟ فكيف ينسب هؤلاء الكفر والردة إلى أصحاب النبي؟، أم أنَّ الانتساب إلى علي هو أكرم من الانتساب إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟ لا أظنُّ أنَّنا سنجد جوابًا أيضًا.
_________________
(١) فاطر (٣٢).
(٢) شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي (٣/ ٥٧٦).
[ ٧٧ ]
إنّ الذين ينسبون مثل هذه التأويلات المكذوبة الباطنية لآل بيت النبي ﵌، هم أيضًا من ينسبون اليهم الأحاديث التي تطعن بأصحاب النبي وأمهات المؤمنين.
٥ - واقرأ عزيزي القارئ هذه الرواية: «عن أبي جعفر «الباقر» ﵇ في قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال: رسول الله «﵌» المنذر، وعلى الهادي، أما والله ما ذهبت منا وما زالت فينا إلى الساعة» (^١).
أقول: تكرَّم المُبطل صاحب هذه الرواية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يسلبه صفة الإنذار كما سلبه صفة الهداية، ولنتمعَّن في الآية الكريمة ونتأمَّل كيف يكذب هؤلاء على أهل البيت، وكيف يتجرؤون على أن يُحرفوا آيات الله عن موضعها.
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (^٢).
إذًا الخطاب في الآية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعلى أي أساس وبأي منطق، أُشرك غيره في الخطاب؟، ثمَّ ألا يعي من يقول بهذا القول أنه يُشرك عليّا في النبوة؟، سبحان الله كيف يُضل الهوى أصحابه.
_________________
(١) كتاب الغيبة محمد بن ابراهيم النعماني ص (١١١).
(٢) الرعد (٧).
[ ٧٨ ]
نعم نحن نقول أن عليّ بن أبي طالب ﵁ إمام هدى، ولكن لا نغلو فيه فنشركه مع النبي في الدرجة والمنزلة.
٦ - عن أسيد بن ثعلبة، عن أم هانئ قالت: «لقيت أبا جعفر محمد بن علي «الباقر» ﵉ فسألته عن هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، فقال: الخنس إمام يخنس نفسه في زمانه عند انقطاع من علمه عند الناس سنة ستين ومائتين، ثم يبدو كالشهاب الواقد في ظلمة الليل، فإذا أدركت ذلك قرت عينك» (^١).
الإمام «الباقر» توفي سنة «١١٤» هـ على الراجح من قول أهل العلم، ومع هذا يُدّعى أنه يعلم ما يحدث عام مئتين وستين!.
وكل من له دراية ولو بسيطة في لغة العرب يعلم يقينًا أن الله تعالى في هذه الآية قد أقسم بالكواكب، فكيف تحولت الكواكب إلى رجال؟، ثم لو قال قائل: إن المقصود هو عيسى ﵇، والخنس هو صعوده إلى السماء، ثم رجوعه إلى الدنيا، كيف يُنقض هذا التأويل؟، سبحان الله كيف يتلاعب هؤلاء المُبطلون بكتاب الله.
٧ - عن جابر بن يزيد الجعفي عن «الباقر» في قوله ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ الآية قال: شهورها اثنا عشر وهو أمير المؤمنين وعدد الأئمة بعده (^٢).
_________________
(١) كتاب الغيبة ص (١٥١).
(٢) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب (١/ ٢٤٤).
[ ٧٩ ]
وفي أخرى قال «الباقر»: والتين الحسن والزيتون الحسين وطور سينين أمير المؤمنين وهذا البلد الأمين ذاك رسول الله لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، قال حين أخذ الله ميثاقه لمحمد وأوصيائه بالولاية (^١).
التين هو الحسن!، والزيتون الحسين!، والشهور هم الأئمّة؟.
هل بعد هذا الظلم من ظلم؟، هل يقول هذا الكلام محبٌّ لآل البيت؟ ثم هل يخاطبنا ربنا بلغة لا تُفهم وبألغاز تحتاج إلى تفكيك؟ أليس هو جلّ في علاه من قال: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (^٢) أترك الجواب للقارئ الحصيف.
٨ - يقول أحد المفترين «وما أكثرهم»: «وجدت في كتاب المنزل عن «الباقر»: بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في علي، وعنه في قوله: وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم في علي؟ قالوا أساطير الأولين، وعنه والذين كفروا بولاية علي بن أبي طالب أولياؤهم الطاغوت قال: نزل جبرئيل بهذه الآية كذا، وعنه في قوله: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات في علي بن أبي طالب، قال نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا» (^٣).
_________________
(١) مناقب آل أبي طالب (١/ ٢٥٩).
(٢) الزمر (٢٨).
(٣) مناقب آل أبي طالب ابن شهر آشوب (٢/ ٣٠٢).
[ ٨٠ ]
انظر كيف بلغ بهم الغلو واتباع الهوى، إلى أن وصلوا إلى القول بأن كتاب الله قد حُرِّف وأنقصت منه آيات فيها اسم علي بن أبي طالب ﵁ مع أنّ الله تعالى تكفل بحفظه، ثم ينسبون هذا الكفر إلى أئمة أهل البيت.
٩ - وفي «مناقب آل أبي طالب»: سأل عبد الله بن عطاء المكي «الباقر» عن قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ لولاية أمير المؤمنين، وقال أبو جعفر: نزلت هذه الآية على النبيّ صلى الله عليه وآله هكذا ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ آل محمد حقهم ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ وعلي هو العذاب ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ فيقولون نرد فنتولى عليا قال الله ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ يعني أرواحهم تعرض على النار ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ﴾ إلى علي ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بآل محمد ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إلا إن الظالمين لآل محمد حقهم في عذاب اليم (^١).
انظر كيف نسبوا النقص والتحريف لكتاب الله، وكيف كذَّبوا الله تعالى الذي قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^٢).
أيُّ حفظٍ لكتابٍ محرف؟ أعود فأقول من الأصدق آلله أم أولئك المبطلون؟
ثم انظر كيف يؤولون العذاب بعلي بن أبي طالب ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ وعلي هو العذاب!، هل بعد هذا الطعن من طعن؟ عندما أراد الله جلَّ وعلا أن يمدح رسول
_________________
(١) مناقب آل أبي طالب (٣/ ١٧).
(٢) الحجر (٩).
[ ٨١ ]
الله ﵌ قال فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (^١)، فالمدح كان بوصف رسولنا بأنه رحمة ومن المعلوم أنّ وصف شخص بالعذاب هو منقصة لا منقبة ولكن لا حلَّ مع أصحاب العقول المعكوسة والقلوب المنكوسة.
١٠ - وإليك هذه الرواية: قيل لـ «الباقر» ﵇: فإنّ بعض من ينتحل موالاتكم يزعم أنّ البعوضة علي وأن ما فوقها وهو الذباب محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال «الباقر» ﵇: سمع هؤلاء شيئًا لم يضعوه على وجهه، إنما كان رسول الله صلى الله عليه وآله قاعدًا ذات يوم وعلي إذ سمع قائلا يقول: ما شاء الله وشاء محمد وسمع آخر يقول: ما شاء الله وشاء علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقرنوا محمدا ولا عليا بالله ﷿ ولكن قولوا: ما شاء الله ثم ما شاء محمد ما شاء الله ثم ما شاء علي إن مشية الله هي القاهرة التي لا تساوى ولا تكافئ ولا تدانى وما محمد رسول الله صلى الله عليه وآله في دين الله وفي قدرته إلا كذبابة تطير في هذه الممالك الواسعة، وما علي في دين الله وفي قدرته إلا كبعوضة في جملة هذه الممالك مع أن فضل الله تعالى على محمد وعلي الفضل الذي لا يفي به فضله على جميع خلقه من أول الدهر إلى آخره، هذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله في ذكر الذباب والبعوضة في هذا المكان فلا يدخل في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً﴾ (^٢).
_________________
(١) الأنبياء (١٠٧).
(٢) بحار الأنوار (٢٤/ ٣٩٢) باب (جوامع تأويل ما نزل فيهم ﵈).
[ ٨٢ ]
وأسألك بالله عزيزي القارئ، إن أتاك أحد وقال لك محمد كالذبابة، وعلي كالبعوضة، هل تقبل هذا القول على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى علي ﵁؟، هل يقول هذا من يحبُّ النبي؟ بل هل يقول هذا مسلم؟، وهل ترضى أن ينسب مثل هذا القول إلى «الباقر» ﵁؟
١١ - واقرأ معي ما نسب إلى «الباقر» و«الصادق» رضوان الله عليهما في تأويل الآية التالية: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (^١).
روى حمزة عن «الباقر»، وضريس الكناسي عن «الصادق» في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، قال: نحن الوجه الذي يؤتى الله منه (^٢).
وضلال هذا التأويل بيّن ولا يحتاج إلى توضيح، ومع ذلك فسأبين ضلاله لتعلم مدى خطورة ما يدعون إليه.
عندما نقرأ هذه الآية نفهم منها أن الله سبحانه حَصَر البقاء بذاته جل وعلا، وأن كل ما دونه - ما لم يُستثنَ بنص آخر- مصيره إلى الهلاك والزوال، فعندما نقول إن الوجه يعنى به الأئمة من أهل البيت، فيلزم من هذا القول عدم فناء الأئمة وعدم موتهم، فهل هذا واقع؟، ويلزم من هذا أيضًا عدم تفرّد الله سبحانه بالبقاء والخلود
_________________
(١) القصص (٨٨).
(٢) مناقب آل أبي طالب ابن شهر آشوب (٣/ ٣٤٣).
[ ٨٣ ]
ويلزم اشتراكهم مع الله في صفتين خاصَّتين به، وهي كون الله سبحانه هو الحيّ وأيضًا كونه هو الآخر، فأشركوا مع الله غيره والعياذ بالله من هذا القول.
ثم لنقرأ آية أخرى فيها صفة الوجه، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (^١).
في قول الله سبحانه: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وقد أتت «ذو» مرفوعة وهي عائدة على الوجه، فإن تأولنا الوجه بالإمام فهذا يعني أن الإمام هو ذو الجلال والإكرام!، أي أنه هو الله والعياذ بالله من ذلك.
فإن زعموا أنّ الوجه في هذه الآية لا يعني الإمام، فنقول ما الضابط الذي يمكِّنكم من تأويل الوجه مرة في الإمام، ومرّةً في غيره؟.
إنه المنهج الباطني الدخيل على الإسلام الذي جاء ليفسر الدابة والبئر والبعوضة بعلي ﵁!، والبقرة والعنكبوت بعائشة ﵂! وفرعون وهامان بأبي بكر وعمر ﵄!، والوتر بالإمام!، والتين بالحسن ﵁! والزيتون بالحسين ﵁
_________________
(١) الرحمن (٢٧).
[ ٨٤ ]