حكمه ومواعظه
رزق الله الإمام «الباقر» مع كريم سجاياه حسن الموعظة والحكمة التي قال الله تعالى فيها: ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (^١).
وقد نقل عنه العلماء العدول المشهود لهم بالصلاح والتقى شذرات من الحكم والمواعظ نتحفك ببعضها:
قال محمد بن علي «الباقر» ﵁: «عالم ينتفع بعلمه أفضل من ألف عابد وقال أيضا رواية الحديث وبثه في الناس أفضل من عبادة ألف عابد» (^٢)، وقال: «لكل شيء آفة وآفة العلم النسيان» (^٣).
وقال جابر: قال لي محمد بن علي: «يا جابر، إني لمحزون وإني لمشتغل القلب قلت: وما حزنك وشغل قلبك؟ قال: يا جابر، إنه من دخل قلبه صافي دين الله ﷿ شغله عما سواه، يا جابر، ما الدنيا وما عسى أن تكون هل هي إلا مركبًا ركبته أو ثوبًا لبسته أو امرأةً أصبتها، يا جابر، إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم ولم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة ولم
_________________
(١) البقرة (٢٦٩).
(٢) مفتاح دار السعادة لابن قيم الجوزية (١/ ١٧٨).
(٣) البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٣٣٩).
[ ٢٨٦ ]
يعمهم عن نور الله ما رأوا بأعينهم من الزينة، ففازوا بثواب الأبرار، إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ذكروك وإن ذكرت أعانوك قوالين بحق الله قوامين بأمر الله قطعوا لمحبة ربهم ﷿ ونظروا إلى الله وإلى محبته بقلوبهم وتوحشوا من الدنيا لطاعة محبوبهم وعلموا أن ذلك من أمر خالقهم، فأنزلوا الدنيا حيث أنزلها مليكهم كمنزل نزلوه ثم ارتحلوا عنه وتركوه، وكما أصبته في منامك فلما استيقظت إذا ليس في يدك منه شيء، فاحفظ الله فيما استرعاك من دينه وحكمته» (^١).
وسُئل «الباقر» ﵁: من أشد الناس زهدًا؟ قال: «من لا يبالي الدنيا في يد من كانت، فقيل له: من أخسر الناس صفقة؟ قال: من باع الباقي بالفاني، فقيل له: من أعظم الناس قدرا؟ قال: من لا يرى الدنيا لنفسه قدرا» (^٢).
وعن جعفر بن محمد «الصادق» عن أبيه «الباقر» قال: «جاءه رجل فقال أوصني قال هيئ جهازك وقدم زادك وكن وصي نفسك» (^٣).
ويروى أنّ ابنا لأبي جعفر «الباقر» ﵁ مرض، وجزع «الباقر» عليه جزعًا شديدًا حتى خشي عليه الناس، فلما توفي ابنه خرج «الباقر» فصار مع الناس
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٣٣٩).
(٢) البيان والتبيين للجاحظ (٣/ ١٦١).
(٣) تاريخ دمشق لابن عساكر (٥٤/ ٢٩٢).
[ ٢٨٧ ]
فقال له قائل: «خشينا عليك، فأجابه «الباقر» بقوله: إنا ندعو الله فيما نحب، فإذا وقع ما نكره لم نخالف الله فيما يحب» (^١).
وقال ﵁: «الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكل أوطناه» (^٢).
وروي عن «الباقر» ﵁ أنه قال: «ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج، وما من شيء أحب إلى الله من أن يسأل، وما يدفع القضاء إلا الدعاء، وإنّ أسرع الخير ثوابًا البر، وإنّ أسرع الشر عقوبةً البغي، وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع التحول عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه» (^٣).
ومن أقواله: «الصواعق تصيب المؤمن وغير المؤمن ولا تصيب الذاكر» (^٤).
وقال ﵁: «أشد الأعمال ثلاثة: ذكر الله على كل حال وإنصافك من نفسك ومواساة الأخ في المال» (^٥).
_________________
(١) تاريخ دمشق (٥٤/ ٢٩٤).
(٢) البداية والنهاية (٩/ ٣٤٠).
(٣) تاريخ دمشق (٥٤/ ٢٩٣).
(٤) البداية والنهاية (٩/ ٣٣٩).
(٥) البداية والنهاية (٩/ ٣٣٩).
[ ٢٨٨ ]
وقال جعفر بن محمد ﵁: «ذهبت بغلة أبي فقال: لئن ردها الله عليّ لأحمدنَّه بمحامد يرضاها، فما كان بأسرع من أن أُتي بها بسرجها لم يفقد منها شيء فقام فركبها، فلما استوى عليها وجمع إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال: الحمد لله، لم يزد على ذلك، فقيل له في ذلك، فقال: فهل تركت أو أبقيت شيئًا؟ جعلت الحمد كله لله ﷿» (^١).
وروي عنه أنه قال: «اعرف مودة أخيك لك بما له في قلبك من المودة، فإنّ القلوب تتكافأ» (^٢).
ومن أقواله: «كفى بالمرء عيبًا أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع أن يفعله، وينهى الناس بما لا يستطيع أن يتحول عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه» (^٣).
وقال أيضا: «سلاح اللئام قبيح الكلام» (^٤).
وروي عنه قوله لابنه: «إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل خبيثة إنك إذا كسلت لم تؤد حقًا وإن ضجرت لم تصبر على حق» (^٥).
_________________
(١) البداية والنهاية (٩/ ٣٤٠).
(٢) البداية والنهاية (٩/ ٣٤٠).
(٣) البداية والنهاية (٩/ ٣٤٠).
(٤) البداية والنهاية (٩/ ٣٣٩).
(٥) البداية والنهاية (٩/ ٣٣٩).
[ ٢٨٩ ]
وقال أيضًا: «الإيمان ثابت في القلب واليقين خطرات فيمر اليقين بالقلب فيصير كأنه زبر الحديد ويخرج منه فيصير كأنه خرقة بالية وما دخل قلب عبد شيء من الكبر إلا نقص من عقله بقدره أو أكثر منه» (^١).
وقال أيضًا: «من أعطى الخلق والرفق فقد أعطي الخير كله والراحة وحسن حاله في دنياه» (^٢).
وقال: «إياكم والخصومة فإنها تفسد القلب وتورث النفاق»
وقال: «الذين يخوضون في آيات الله هم أصحاب الخصومات» (^٣).
وأورد الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» نُصح الإمام زين العابدين لابنه ﵄ وقوله له: «يا بني، اصبر على النوائب ولا تتعرض للحقوق ولا تخيب أخًا لك إلَّا في الأمر الذي مضرته عليك أكثر من منفعته» (^٤).
_________________
(١) البداية والنهاية (٩/ ٣٣٩).
(٢) حلية الأولياء (٣/ ١٨٦).
(٣) البداية والنهاية (٩/ ٣٤٠).
(٤) البداية والنهاية (٩/ ٣٤٣).
[ ٢٩٠ ]