كان «الباقر» ﵁ حريصا على السنّة مجانبا للبدعة وأهلها حتى في لحظات عمره الأخيرة.
وقد روى الكليني في «الكافي» بسنده عن جعفر بن محمد ﵄ أنه قال: «إنّ أبي (ع) استودعني ما هناك، فلما حضرته الوفاة قال: ادع لي شهودًا فدعوت له أربعة من قريش، فيهم نافع مولى عبد الله بن عمر فقال: اكتب، هذا ما أوصى به يعقوب بنيه ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ وأوصى محمد بن علي إلى جعفر بن محمد وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه الجمعة، وأن يعممه بعمامته، وأن يربع قبره ويرفعه أربعة أصابع وأن يحل عنه أطماره عند دفنه، ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت له: يا أبت - بعد ما انصرفوا - ما كان في هذا بأن تشهد عليه فقال: يا بني كرهت أن تغلب وأن يقال: إنه لم يوص إليه، فأردت أن تكون لك الحجة» (^٣).
_________________
(١) المائدة (٨).
(٢) الأنعام (١٥٢).
(٣) الكافي للكليني (١/ ٣٠٧) باب (الإشارة والنص على أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق) حديث رقم (٨).
[ ٤١ ]
وفي هذه الوصية فوائد عظيمة منها:
١ - الاقتداء بالأنبياء والصالحين وبأفعالهم، فوصية «الباقر» ﵁ كانت هي وصية يعقوب ﵇ لأبنائه كما ورد في التنزيل.
٢ - الاقتداء بالنبي ﵌، في النهي عن رفع القبر ما فوق أربعة أصابع، ومن هنا يتبين أن الأضرحة وتجصيصها، وجعلها مزارات تعبد من دون الله، يُطاف ويُستغاث بها ويُطلب المدد والعون من أصحابها، وتقديم القرابين وأكاليل الزهور لها، وما إلى ذلك من البدع المنكرة، لم تكن بأمر أئمة الهدى من أهل البيت، ولم يرضوا بها (^١)، وهم بذلك متبعون لنهج النبي ﵌ الذي قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (^٢)، وقوله ﵌ الذي رواه عنه الإمام علي بن أبي طالب ﵁: «لاتتخذوا قبري عيدًا، ولاتتخذوا قبوركم مساجدكم ولابيوتكم قبورا» (^٣).
_________________
(١) انظر مشكورًا كتاب «عقيدة آل البيت» لعبد الله بن جوران الخضير.
(٢) الموطأ رواية يحيى الليثي كتاب النداء للصلاة باب (جامع الصلاة) حديث رقم (٣٧٦)، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة (١/ ٤١٠).
(٣) مستدرك الوسائل (٢/ ٣٧٩).
[ ٤٢ ]
ولعل من أبرز مظاهر التزامه بسنة النبي ﵌ نهيه عن الجزع والنياحة واللطم فهو القائل: «ما من مؤمن يصاب بمصيبة في الدنيا فيسترجع عند مصيبته إلا غفر الله له ما مضى من ذنوبه» (^١).
وقال: «أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل ولطم الوجه والصدر وجز الشعر من النواصي ومن أقام النواحة فقد ترك الصبر وأخذ في غير طريقه ومن صبر واسترجع وحمد الله ﷿ فقد رضي بما صنع الله ووقع أجره على الله ومن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء وهو ذميم وأحبط الله تعالى أجره» (^٢).
كل ذلك اقتداء بالنبي ﵌ الذي فقد ابنه ابراهيم ﵇ فلم يقم عليه مأتما ولا أمر بالنياحة عليه بل قال: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى ربنا والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون» (^٣)، وروى عنه النوري الطبرسي في الوسائل قوله ﵊: «ما كان من حزن في القلب أو في العين فإنما هو رحمة، وما كان من حزن باللسان وباليد فهو من الشيطان» (^٤).
_________________
(١) بحار الأنوار للمجلسي (٧٩/ ١٣٢) باب (ثواب الاسترجاع).
(٢) الكافي للكليني (٣/ ٢٢٢) باب الصبر والجزع والاسترجاع حديث رقم (١).
(٣) صحيح مسلم كتاب (الفضائل) باب (رحمته ﵌ الصبيان والعيال) حديث رقم (٤٢٧٩).
(٤) مستدرك الوسائل (٢/ ٤٦٣).
[ ٤٣ ]
وأوصى ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها قبل موته بالتزام سنته واجتناب فعل أهل الجاهلية فقد روى الكليني في «الكافي» أن النبي ﵌ قبل موته أوصى ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها بقوله: «إذا أنا مت فلا تخمشي علي وجها ولا تنشري علي شعرًا ولا تنادي بالويل ولا تقيمي علي نائحة» (^١).
_________________
(١) الكافي الكليني (٥/ ٥٢٧) باب (صفة مبايعة النبي صلى الله عليه وآله النساء) حديث رقم (٤).
[ ٤٤ ]