يهمُّنا قبل أن نشرع في الحديث عن سيرة الإمام «الباقر»، أن نعرف من هم آل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليهم، وما الواجب علينا تجاههم.
آل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليهم هم كل من التقى مع النبيِّ محمد ﵌ في هاشم (^١) ١) وهم آل العباس وآل علي، وآل جعفر وآل عقيل كما أن أزواج النبي محمد من آل بيته صلى الله وسلم عليهم أجمعين وذلك بسبب المصاهرة.
والواجب علينا حبهم جميعًا وذلك لقرابتهم من النبي ﵌ ولأنَّ النبي صلوات الله وسلامه عليه أوصانا بذلك كما في الحديث الشريف الذي رواه الإمام «مسلم» بسنده عن يزيد بن حيان قال:
«انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا رأيت رسول الله ﵌ وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﵌، قال يا ابن أخي والله لقد
_________________
(١) من أراد الإستزادة في مبحث (من هم آل البيت؟)، فإني أنصحه بالرجوع إلى كتاب «جلاء الأفهام» للعلامة ابن القيم ﵀، ومن المعاصرين كتاب (معالي الرتب لمن جمع بين شرفي الصحبة والنسب) للشيخ مساعد سالم العبد الجادر ﵀.
[ ٢٠ ]
كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﵌ فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله ﵌ يوما فينا خطيبًا بماءٍ يدعى خمًّا بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أمّا بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي فقال له حصين ومن أهل بيته؟ يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟، قال: نعم» (^١).
وقد غفل البعض عن فهم ذلك فضيَّقوا تعريف آل البيت واقتصروا على أفرادٍ معدودين منهم خصُّوهم بالحبِّ والثناء والتعظيم، وأهملوا الآخرين، بل وطعنوا في بعضهم، وغفلوا أنَّ آية الحب هي الاتِّباع، فعندما نجد من يدَّعي حب نبينا ﵌ فدليل حبِّه هو إتباع هديه وسيرته أمَّا أن يدَّعي حبه وهو أبعد ما يكون عن نهجه فليس صادقًا في ادعائه قط، وكذا من يدّعي حبَّ الصحابة وآل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليهم، يتوجب عليه أن يكون هديه
_________________
(١) صحيح مسلم كتاب (فضائل الصحابة)، باب (فضائل علي بن أبي طالب) رقم (٤٤٢٥).
[ ٢١ ]
موافقًا لهديهم فيحبَّ من أحبّوا ويؤمن بما آمنوا به، ويعمل بعملهم ونهجهم، أمَّا أن يدعي حبَّهم ويكون مخالفًا لسيرتهم ونهجهم فهذا مسكين ما فهم حقيقة المحبة وما زاده ادّعاؤُه إلا حيرةً وضلالًا، فيظنُّ أنَّه على خيرٍ بحبِّه محمدًا وآل بيته وأصحابه وهو أبعد ما يكون عن الحقِّ والله المستعان.
أما اعتقادنا كمسلمين، فإنّنا نحبّ كل آل بيت محمد صلوات الله وسلامه عليهم ونوقِّرهم وذلك لقرابتهم من النَّبي ولحبِّنا لمحمد صلوات الله وسلامه عليه وأمّا من عرف منهم بالعلم والصلاح والتقوى فنحبُّه لأمرين، أولهما: تقواه وصلاحه وعلمه، وثانيهما: قرابته من النبي ﵌.
وفي هذا البحث سأعمل جاهدًا لأبيَّن سيرة ومنهج قطبٍ من أقطاب آل البيت وهو الإمام محمد «الباقر» رضوان الله عليه، وكيف أنَّه كان ممَّن يتبعون النبي ﵌ ولا يخالفونه، فلم يكن مبتدعًا، بل كان حكم الله ورسوله هو المقدَّم دائمًا لديه رضوان الله تعالى عليه.
[ ٢٢ ]
الفصل الأول