كان من دعائه ﵁ في التهجد: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، ويميت ويحيي وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم لك الحمد يا رب أنت نور السموات والأرض فلك الحمد وأنت قوام السموات والأرض فلك الحمد، وأنت جمال السموات والأرض فلك الحمد وأنت زين السموات والأرض فلك الحمد، وأنت صريخ المستصرخين فلك الحمد، وأنت غيَّاث المستغيثين فلك الحمد، وأنت مجيب دعوة المضطرين فلك الحمد وأنت أرحم الراحمين الرحمن الرحيم فلك الحمد، اللهم بك تنزل كل حاجة فلك الحمد، وبك يا إلهي أنزلت حوائجي الليلة فاقضها يا قاضي حوائج السائلين، اللهم أنت الحق وقولك الحق ووعدك الحق وأنت مليك الحق أشهد أن لقاءك حق وأن الجنة حق والنار حق والساعة حق آتية لا ريب فيها وأنك تبعث من في القبور، اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت الحي لا إله إلا أنت» (^١).
فتأمَّل عزيزي القارئ هذا الدعاء المبارك بما فيه من التضرع للخالق ﷿ وطلب قضاء الحوائج من الله تعالى وحده لا سواه، وقارن بين ذلك وبين من يدَّعي
_________________
(١) مصباح المتهجد للطوسي ص (١٦٤).
[ ٢٣٨ ]
اتِّباع وحبّ آل البيت ويطلب حاجاته من غير الله، أين هو من فعل أئمَّة آل البيت؟ ولماذا لا يقتدي بهم في دعائه ورجائه؟ ولماذا يشرك مع الله غيره في الدعاء؟
ولقد كان من دعائه ﵁: «اللهم إني أسألك يا حليم ذو أناة غفور ودود أن تتجاوز عن سيئاتي، وما عندي بحسن ما عندك، وأن تعطيني من عطائك ما يسعني وتلهمني فيما أعطيتني العمل فيه بطاعتك وطاعة رسولك، وأن تعطيني عن عفوك ما أستوجب به كرامتك، اللهم أعطني ما أنت أهله، ولا تفعل بي ما أنا أهله فإنما أنا بك ولم أصب خيرًا قط إلا منك، يا أبصر الابصرين، ويا أسمع السامعين، ويا أحكم الحاكمين ويا جار المستجيرين، ويا مجيب دعوة المضطرين، صل على محمد وآل محمد» (^١).
سبحان الله، شتَّان بين فعل آل البيت وبين فعل بعض الناس في زماننا هذا، فآل البيت ﵃ يدعون الله ويعلمون أنه جار المستجيرين وأنَّه مجيب دعوة المضطرين، وبعض من يدَّعي أنَّه متبعٌ للرسول ﵌ ولهم يدعو غير الله ويستجير بغير الله ولم نرَ «الباقر» يستجير بمحمد ﵌ ولم نره يستجير بأحد الأنبياء أو الصالحين، ولم نره يستجير بعلي أو فاطمة أو الحسن والحسين ﵃ وأرضاهم وهم أفضل منه وأجلُّ مكانةً منه عند الله تعالى بل نراه يطلب من الله ويسأل الله ويلجأ إليه مخلصًا له الدين، وقد ورد عنه قوله رضي الله
_________________
(١) بحار الأنوار للمجلسي (٨٨/ ١٨٨).
[ ٢٣٩ ]
عنه: «اللهم من كانت له حاجة ههنا وههنا، فإنَّ حاجتي إليك وحدك لا شريك لك» (^١)، ونرى من تكون حاجته عند أبي الفضل وعند الحسن والحسين وعند غيرهم من عباد الله، فهل هؤلاء متبعون لهدي النبي ﵌؟ وهل هؤلاء متبعون لهدي «الباقر» ﵁؟
واقرأ معي قول الله ﵎: ﴿لهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إلى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلَالٍ﴾ (^٢)، ثم اقرأ تفسير «الباقر» ﵁ لهذه الآية:
«﴿لهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ فإنه يدعى فيستجيب، ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي يدعوهم المشركون ﴿بِشَيْءٍ﴾ من الطلبات، ﴿إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ أي إلا استجابة كاستجابة من بسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه يطلب منه أن يبلغه من بعيد أو يغترف مع بسط كفيه ليشربه، ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ لأن الماء جماد لا يشعر بدعائه ولا يقدر على إجابته ولا يستقر في الكف المبسوطة، وكذلك آلهتهم.
وروى علي بن إبراهيم عن «الباقر» ﵁ أنه قال: «هذا مثل ضربه الله للذين يعبدون الأصنام، والذين يعبدون الآلهة من دون الله فلا يستجيبون لهم بشيء ولا ينفعهم إلا كباسط كفيه إلى الماء ليتناوله من بعيد، ولا يناله إلا في ضلال وبطلان»، وقد قال المجلسي «هذا المثل جار في الأصنام والآلهة المجازية فإنهم لا
_________________
(١) بحار الأنوار المجلسي (٩١/ ٢٧٠) الباب الثالث والأربعون.
(٢) الرعد (١٤).
[ ٢٤٠ ]
يقدرون على إيصال المنافع إلى غيرهم إلا بتيسير الله وتسبيبه وهو مالك الرقاب ومقلب القلوب ومسبب الأسباب وكذا قوله: ﴿أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ ظاهره في الأصنام ويجري في غيرها» (^١).
إن محمد صلوات الله وسلامه عليه وهو أحبُّ النَّاس إلى الله، وهو أكرمهم وأجلّهم منزلة عنده، لا يقدر على نفع أحد إلَّا بإذن الله ﷿، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (^٢)، وهذا جارٍ في الأصنام وفي غيرها، ولنا أن نسأل هل يقدر الولي بل وحتى النبي أن يكشف الضر من دون إذن الله ﷿؟ فإن لم يكن على ذلك بقادر أَوَلَيْسَ الأولى أن ندعو من هو قادر على ذلك؟
إن «الباقر» وعليًا والحسن والحسين وأبا بكر وعمر ما هم إلا عبادٌ لله، وهم والله غير قادرين على دفع الضُرّ عن أنفسهم حتى يدفعوه عن غيرهم، بل إنَّ من يستغيثون بالحسين وبغيره من أولياء الله يُقِرُّونَ بأنَّهم قد قُتلوا، وأنَّ الحسين ﵁ قد مات عطشانًا ﵁، فكيف تستغيثون بمن لم يقدر أن يَسقي نفسه شربة ماء؟
_________________
(١) بحار الأنوار المجلسي (٦٨/ ١١٥).
(٢) الزمر (٣٨).
[ ٢٤١ ]
ولنا في نبي الله أيوب ﵇ عظةٌ وعبره، فقد مسَّه الضر والمرض فلم يقدر على أن يدفعه عن نَّفسه إلا بدعاء الله ﷿، بل وإن خير الأنبياء محمدًا صلوات الله وسلامه عليه قد مسَّه الضر والمرض والضيق فلم يجد ملجأً وملاذًا إلَّا إلى الله ﷿، وكذا حال الأئمة «الباقر» وعلي وعمر والعباس وكل الصالحين ﵃ أجمعين.
ولا يغترن مغتر بخدعة شيطانية فحواها أنّ هؤلاء الذين يلجئون إلى الأولياء والصالحين إنما يستشفعون بهم لله لقربهم منه لا اعتقادًا لألوهيتهم فإنّه لعمري لهو عين فعل عبدة الأصنام، واقرأ معي هذه الآيات من كتاب الله وقارن بين فعل جهَّال هذا العصر وبين فعل جاهلية ما قبل الإسلام.
قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١).
قد يقول قائل أن المقصود بالشفعاء هم الأصنام فقط لا قبور الأولياء والصالحين، فأدعوه إلى قراءة قول الله ﷿: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (^٢).
_________________
(١) يونس (١٨).
(٢) فاطر (١٤).
[ ٢٤٢ ]
وتأمَّل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾، وكلنا نعلم أن الأصنام صمٌّ بكمٌ لا تعقل ولا تسمع، وأيضًا تأمَّل معي قوله تعالى: ﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ إذًا المقصود من هذه الآية من يسمع ويعقل بل من يكفر بشرك المشركين يوم القيامة وهم الأولياء والصالحون، الذين يتبرؤون من كلِّ من يدعوهم ويشركهم مع الله في الرَّجاء والخوف والطَّلب، ونرى في آية أخرى تبرُّء عيسى بن مريم ﵇ ممن أشركه مع الله في الألوهية: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (^١)، وقد يقول قائل هنا أنَّ النصارى قد قالوا إنَّ المسيح إله فذلك هو المقصود ولا دخل لهذه الآية في الشفاعة والشفعاء، فأقول إنَّ النصارى لم يقولوا أبدًا أن مريم إله ولاأنَّها ابنة إله، بل هم يعترفون أنَّها بشر وأنَّها من نسل آدم ﵇ ولكنهم يستشفعون بها عند الله، وقد اعتبر الله جلَّ وعلا هذه الشفاعة شركًا وبأنَّها تأليه لمريم وإشراكها مع الله في الطلب فلنتنبه جميعًا، ولا يغرَّنا فعل الآباء والأجداد، فالحقُّ أحق أن يُتَّبع والنبي ﵌ وصحابته وآل بيته هم من نقلوا إلينا هذا الدين وبفعلهم نقتدي، وفعلهم هو المُنجي من عذاب الله يوم القيامة، ويجب علينا أن لا ننخدع بقول بعض المتغافلين ممن يدَّعون العلم والفقه، فهذا لا يغني عنَّا يوم القيامة
_________________
(١) المائدة (١١٦).
[ ٢٤٣ ]
من الله شيئا، فقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ (^١)،
وهذه هي حجَّتنا نحن أيضًا إن أطعنا الضّالين المضلين، فعندما يسألنا ربُّ العزة ويقول: يا عبادي لما أشركتم معي غيري وسألتم غيري ممن لا ينفعكم ولا يضركم؟ ألم تعلموا بأنِّي قاضي الحاجات ومفرج الكربات؟ وألم تعلموا أنَّ من تستغيثون بهم هم عبادٌ لي ولا يقدرون على فعل شيءٍ إلا بإذني؟
وروي عن «الباقر» انَّه قال لابنه جعفر «الصادق» ﵄: «يا بني من كتم بلاءً ابتلي به من الناس، وشكى إلى الله ﷿ كان حقًا على الله أن يعافيه من ذلك» (^٢).
وفي هذه الرواية ينصح «الباقر» ﵁ ابنه بكتم البلاء عن النَّاس والشكوى إلى الله، فأين هذا ممن يلجأ إلى القبور ويتضرع لأصحابها طالبًا منهم الشفاء أو الرزق أو تفريج الكُرب؟.
وروي أنّ «الباقر» ﵁ كان يقول في ركوعه: «اللهم لك ركعت ولك خشعت وبك آمنت، ولك أسلمت وعليك توكلت وأنت ربي، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعصبي وعظامي وما أقلته قدماي لله رب العالمين» (^٣).
_________________
(١) الأحزاب (٦٧) ..
(٢) بحار الأنوار للمجلسي (٩٠/ ٢٩٦) باب (ما سلك واديا فذكر الله).
(٣) بحار الأنوار للمجلسي (٨٢/ ١١٠) باب (استحباب الذكر والدعاء في الركوع).
[ ٢٤٤ ]
ويأتي من يدعي اتِّباعه فيقول خشعت للولي فلان وذللت للولي فلان، أين هو من فعل «الباقر» ﵁؟