اختلف المؤرخون في السنة التي توفي فيها «الباقر» رضي الله تعالى عنه، فقيل مات سنة أربع عشرة بعد المئة وقيل خمس عشرة وقيل ست عشرة وقيل سبع عشرة وقال ابن سعد مات سنة ثماني عشرة ومائة (^٢)، والصحيح أنه قد توفي سنة أربع عشرة
_________________
(١) عمدة الطالب ابن عنبة ص (١٩٥)، معجم رجال الحديث للخوئي (١٥/ ٤٩)، بحار الأنوار للمجلسي (٢٩/ ٦٥١)، كشف الغمة للأربلي (٢/ ٣٧٤).
(٢) تهذيب التهذيب (٩/ ٣١٢).
[ ٣٨ ]
والله تعالى أعلم، وقد رجحه بعض المؤرخين والمحدثين (^١)، وكان نقش خاتمه «القوة لله جميعًا» (^٢).
وكانت وفاته بالحميمة (^٣)، ونقل إلى المدينة ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه أبوه وعم أبيه الحسن بن علي في القبة التي فيها قبر العباس (^٤).
ونقل ابن بابويه القمي روايات تفيد أن «الباقر» ﵁ قد مات مسمومًا وأنّ المتهم في قتله هو الخليفة الأموي، ويهدف القمي من نقل هذه الروايات:
اتهام الأمويين وتعزيز الحقد عليهم وإظهار أنَّ الدولة الأموية لم يكن لها غرض إلا تتبع أهل البيت وقتلهم، وليس المراد من الإشارة إلى هذه النقطة تبرئة الدولة الأموية من المظالم بحق معارضي الخلافة من أهل البيت ومن غيرهم (^٥)،
لكن الذي
_________________
(١) انظر الوافي في الوفيات (٤/ ٧٧)، تهذيب التهذيب (٩/ ٣١٢)، والعبر (١/ ٢٥)، الإكمال لابن ماكولا (١/ ١٧٣).
(٢) حلية الأولياء (٣/ ١٨٦).
(٣) الحميمة: قرية ببطن مر من نواحي مكة بين سروعة والبريراء فيها عين ونخل.
(٤) الوافي في الوفيات (٤/ ٧٧).
(٥) كان بعض خلفاء بني أمية حريصين على الحكم ولم يبالوا على دماء من قام حكمهم هذا، فأوذي وقُتل في سبيل هذا الكرسي عدد من علماء وأئمة المسلمين من أهل البيت ومن غيرهم ومنهم: «الصحابي الجليل أنس بن مالك ﵁، والصحابي الجليل الحسين بن علي ﵄ سيد شباب أهل الجنة، والصحابي الجليل عبد الله بن الزبير بن العوام ﵄ ابن حواري رسول الله، والإمام زيد بن علي بن الحسين، والتابعي الجليل سعيد بن جبير، وأبو البختري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومسلم بن يسار = = المدني، وغيرهم كثير» وحسبنا من قُتل من علماء المسلمين في فتنة ابن الأشعث، بل هناك من خلفاء بني أمية من قَتل إخوانه أو بني عمّه من أجل الملك كما حصل في زمان الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز ﵀ وأما من لم يعارضهم فلم يتعرض لسوء، سواء كان من أهل البيت أو من غيرهم مثل: «علي بن الحسين، وابنه الباقر، وجعفر الصادق بن محمد الباقر والحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وأبناؤه ﵃» ..
[ ٣٩ ]
نستنكره هو تضخيم هذه الأحداث التاريخية بحيث تُظهر العلاقة بين بني هاشم وبني أمية كعلاقة عداء وأحقاد متبادلة (^١).
نعم كان للدولة الأموية مثالب عديدة، ولكن كان لها محاسن كثيرة أيضًا، منها الفتوحات والتوسع فيها، ودخول عدد كبير من الخلق في الإسلام، ويجب على المسلم أن يكون منصفًا محكِّمًا لعقله متجردًا عن الهوى والتعصب مع من يكره قبل من يحب وحسبنا قول الله ﷿ في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
_________________
(١) إنّ مما يكذب هذه الدعوى كثرة المصاهرات بين بني أمية وبني هاشم والتي تربو على الثلاثين مصاهرة، نذكر منها: زواج فاطمة وسكينة ابنتي الحسين بن علي ﵃ بعبد الله وزيد ابني عمرو بن عثمان بن عفان ﵃، وانظر مشكورا غير مأمور في هذه المصاهرات وتفصيلها كتاب «النسب والمصاهرة» لعلاء الدين المدرس، وكتاب الأسماء والمصاهرات لأبي معاذ السيد أحمد بن إبراهيم وهو من إصدارات مبرة الآل والأصحاب.
[ ٤٠ ]
وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿إِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (^٢).