ان كتاب «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» يمثل حلقة من
[ ١ / ١٨ ]
سلسلة المصنفات التي عنيت بتراجم الشعراء المعاصرين وتسجيل أشعارهم على مدى العصور ابتداء بيتيمة الدهر في شعراء أهل العصر لأبي منصور الثعالبي، وقلائد العقيان للفتح بن خاقان عن شعراء المغرب.
وخريدة القصر وجريدة العصر للعماد الكاتب الاصبهاني. ودمية القصر للباخرزي. ووشاح الدمية والذخيرة لابن بسام وعقود الجمان في شعراء هذا الزمان لابي البركات مبارك بن ابي بكر الشعار الموصلي.
وريحانة الالبا وزهرة الحياة الدنيا لشهاب الدين الخفاجي، ونفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة للمحبي. وسلافة العصر في محاسن الشعراء في كل مصر لابن معصوم المدني.
غير ان صاحب الروض لم يتناول في كتابه أدباء الأقطار العربية جميعا وانما اقتصر فيه على ترجمة مائة وثلاثة وعشرين أديبا من أعلام الأدباء في القرن الثاني عشر الهجري، منهم مائة واربعة عشر من أدباء العراق وتسعة من أدباء الروم.
ويذكر المؤلف في مقدمته طريقته في تأليف الكتاب فيقول: إنه «قد أولع بالادب منذ صغره، وكان قد ادخر من نفائس الكنوز
من مسودات ومناظرات ومحاورات ومفاخرات، من كل رسالة فائقة ومحاورة رائقة، ومجالس أنيسة، ومباحث نفيسة. فنسخ تلك الأوراق ورتبها وأضاف اليها ترجمة المعاصرين من الأدباء وانه حذا فيه حذو الريحانة وقلائد العقيان».
وهذه المقدمة تتفق في معناها وغرضها وطريقة عرضها مع مقدمة النفحة، ومقدمة السلافة. فمقدمات هذه الكتب قد كتبت على
[ ١ / ١٩ ]
غرار واحد لا اختلاف بينها الا في الفاظها.
وهو مثل صاحب الريحانة، حين يترجم لأدبائه لا يذكر سني ولادتهم ووفاتهم بل لا يكاد يذكر شيئا عن أحداث حياتهم. وانما يصف فضلهم وأدبهم وشعرهم بنثر مسجوع تتساوق فيه أغلب أوصاف المترجم لهم في المعنى والتعبير. ثم يورد شيئا من شعرهم ونثرهم في أغلب الأحوال، وقد يورد أشعار من سبق المترجم له الى ذلك المعنى ويرد المعاني الى مبتكريها، وقد يستطرد فيورد فيه كثيرا من الفوائد الأدبية. ويظهر أنه اعتمد في ذلك على أصحاب كتب البديع مثل ابن حجة الحموي والصلاح الصفدي وكتب تراجم الشعراء ينقل النص منها نقلا او يختصره اختصارا. وهو يذكر المصادر في أحيان قليلة ويغفل ذكرها في أغلب الاحيان، وكل ذلك يدل على اطلاع المؤلف على اشعار القدماء وثقافته الأدبية الواسعة.
والكتاب في جملته سجل لشعر عدد كبير من الشعراء والادباء في العراق ونثرهم في القرن الثاني عشر الهجري. وهو مصدر مهم من مصادر الأدب في هذه الفترة الغامضة في تاريخ العراق الأدبي.
لقد صرح المؤلف في ترجمة محمد امين باشا الجليلي أن «سنة تحرير هذا المؤلف، هو سنة سبعين ومائة والف، من هجرة الرسول ﷺ.
وتختلف نسخ الكتاب فيمن قدم المؤلف كتابه اليه. ففي مقدمة نسخة مكتبة الأوقاف المرقمة (٩٢٨) يقول المؤلف في مقدمة الكتاب: «وقد خدمت به الساحة العلياء، والدوحة العظماء والراحة
[ ١ / ٢٠ ]
الرحباء، ساحة الحضرة العظمى، والسدة الأسمى، وشمس سماء الوزارة، وقمر أفلاك الامارة، دوحة الوزراء، أسعد الوكلاء والمشير الاكرم الى أن يقول «زبدة وزراء آل عثمان، ونخبة أمراء هذا الزمان، الفريد الكامل، والأسد الباسل. إمامة سبحة الفرسان حضرة محمد امين باشا، نجل الوزير الغيور، والهزبر الجسور حضرة الحاج حسين باشا، أبقاهما الله ويسرهما لما يحب ويشا، أنار الله بمصباح آرائه ليل الخطوب وأزهرها، ومحا بنور عزمه ظلم الكروب ونورها، بمحمد وآله وأصحابه، السالكين لطرقه وشعابه، ما لاح فجر، وضاء مصباح، وغرد قمري الأنامل على الأقلام وناح، وهو ولي الإجابة فيما دعوت، وهو العون القوي لي فيما نحوت. فعليه اتكالي، وبه عزيمتى واحتفالي».
كما انه يقول في ترجمة محمد امين باشا الجليلي «ألفنا الكتاب بجنابه. وعنونا الدفاتر بسامي ألقابه».
ولكنا نجده في نسخة مكتبة الاوقاف المرقمة ٥٨٩٤ يصرح انه خدم به الصدر الأعظم محمد راغب باشا فقد جاء في المقدمة التي أشرنا اليها من قبل بعد قوله زبدة وزراء آل عثمان: «الذي ماله في الفضائل ثان، ولا في المجد والهمم مدان، سلسبيل ماء الكرم نمو اعضاء شجرة العطاء والنعم، واحد العلم والادب. ومنتهى الآمال والطلب. قبلة الطالب، مجمع المناقب، واحد المآرب، صاحب المحامد والمواهب، أحد رجال هذا الكتاب، الصدر الاعظم محمد راغب، أنار الله بمصباح آرائه ليل الخطوب وأزهرها.
[ ١ / ٢١ ]
الى آخر المقدمة.
ونجد العبارة التي وردت في ترجمة محمد امين باشا الجليلي قد أصبحت «الفينا الكتائب بجنابه. وعنونا الدفاتر بسامي ألقابه».
فلمن قدم المؤلف كتابه؟ .
اننا اميل الى الظن انه قدم كتابه أول الامر حين انتهى من تاليفه سنة ١١٧٠ هـ الى امين باشا الجليلي، اذ انه كان لا يزال متصلا به حينذاك كما صرح في ترجمته له.
حتى اذا ما انفصل عنه وقاده طموحه الى استانبول اراد ان يتقرب به الى الصدر محمد راغب باشا فبدل الاسم كما بدل جملة «الفنا الكتاب بجنابه» بجملة «الفينا الكتائب بجنابه».
وقد يبدو لاول وهلة ان جملة «الفينا الكتائب» تحريف من الناسخ لجملة «الفنا الكتاب» اذ ان معناها لا يستقيم استقامة «الفنا الكتاب»، ولكنا نجد في سجعات المؤلف كثيرا من امثالها.
ولذلك فنحن اميل الى أنها من تغيير المؤلف ليزيل امام الصدر كل اثر لتقديمه الكتاب الى محمد امين باشا الجليلي من قبل. والذي يقوي هذا الرأي انه لم يذكر في ترجمة محمد راغب ما يشير الى انه الف الكتاب باسمه ولعل ذيوع هذه النسخة المقدمة الى الصدر الاعظم هو الذي حمل كلا من صاحب غاية المرام وصاحب منهل الاولياء على القول «أنه جعله باسم الوزير الاعظم محمد راغب باشا وتحفة له».
***
[ ١ / ٢٢ ]
وتوجد من مخطوطات الكتاب
١ - نسختان في مكتبة الاوقاف العامة ببغداد سنأتي على ذكرهما
٢ - نسخة في المتحف البريطاني برقم ١١١٠
٣ - نسخة في خزانة برلين (فهرست آلورد برقم ٧٤٣٠) ومخطوطات برلين محفوظة اليوم في خزانة جامعة توينجن. وعن نسخة برلين هذه صور معهد المخطوطات العربية نسخة ذكرها فؤاد السيد «فهرس المخطوطات المصورة» الجزء الثاني («التاريخ» القسم الثالث. الرقم ١٠٨٠) وقد كتب الاصل في القرن الثاني عشر للهجرة.
٤ - نسخة في خزانة السيد حسن الصدر في الكاظمية تاريخها ١١٧١ هـ؟؟ ذكرها الدكتور حسين علي محفوظ في «مجلة معهد المخطوطات العربية» (٤ «١٩٥٨» ص ٢٤٢ الرقم ٤٢).
٥ - نسخة في خزانة الاستاذ عباس العزاوي
٦ - نسخة كانت لدى الشيخ ابراهيم الدروبي بخطه لا يعرف مصيرها
٧ - نسخة في خزانة المرحوم احمد ناظم العمري في الموصل. يقال انها بخط المؤلف وقد حاولنا الوقوف عليها فلم يتيسر لنا ذلك ثم اخبرني بعض الاصدقاء الذين وقفوا عليها انها ليست بخط المؤلف.
*** وقد اعتمدنا في تحقيق الكتاب على نسختي مكتبة الاوقاف العامة ببغداد.
[ ١ / ٢٣ ]
والنسخة الاولى برقم ٩٢٨، حجمها ٢٤* ١٥ سم، وعدد اوراقها ٣٦٩ ورقة وليس فيها ما يدل على تاريخ كتابتها ولا اسم كاتبها وهي مكتوبة بخط نسخي جميل.
وقد كتب في أعلى الصفحة الاولى التي تحتوي الفهرس «تاريخ التأليف سنة ١١٧٠ محرر في ورقة ١٥٣.
وفي اعلى الصفحة الثالثة ختم مدور فيه «هذا الكتاب وقف المرحوم الحاج محمد امين افندي الكهيا في بغداد سابقا على كتبخانة جامعه الواقع في محلة دكان شناوة.
ونجد نفس هذا الختم في هامش الورقة ١٨٣ - ب كما نجده في هامش الورقة ٣٦٧ - ب أيضا.
وفي منتصف الصفحة الثالثة مكتوب بخط جميل «هذا الكتاب وقف المفتي محمد امين الكهيا (انظر الختم في الورقة ١٨٣/ ب)».
*** والنسخة الثانية رقمها ٥٨٩٤، وحجمها ٢٦* ١٩ سم. وعدد اوراقها ٣٧٢ ورقة. وهي مكتوبة بخط نسخي جميل أيضا. وليس في النسخة ما يدل على تاريخ كتابتها ولا اسم كاتبها. وما ذكره المرحوم الدكتور أسعد طلس في «الكشاف عن مخطوطات خزائن كتب الاوقاف» أنها كتبت ١١٧١ هـ. وهم منه. فالتاريخ المذكور ليس تاريخ كتابة النسخة وانما هو تاريخ تقريظ فتح الله الشريف المتولي للكتاب، وقد ذكرت نفس السنة في تقريظ محمد بن مصطفى بن علي بن غلام. كما
[ ١ / ٢٤ ]
ذكرت هذه السنة في تقريظ قاسم الرامي للكتاب أيضا. وهي السنة أخرج فيها المؤلف كتابه للناس. وهذه السنة نفسها مذكورة في التقاريض في النسخة الاولى المرقمة ٩٢٨.
وفي أعلى الورقة الاولى كتب «الروض النضر» وكتب اسفل منه منحرفا الى الاعلى البيتان
جاءت تفتر عن الجوهر هيفاء بمقلتها تسحر
كتب الرحمن على فمها انا اعطيناك الكوثر
وفي وسط الصفحة ختم كبير مدور كتب فيه من مواهب ذي الفيض المدرار سيد حسني بن العطار الفقه والآثار.
وتحت الختم كتب «الموال» الآتي منحرفا الى الاعلى.
هنا طيور السعد والجو صاحبنا العزما يوم صوط الذل صاحبنا
لله فضل من العوجات صاحبنا السيف يشهد لنا والماضيات الحرب
نهجم على القوم لو كانوا قبائل حرب نكسر خشوم العدا واندوس نار الحرب
وانجود بارواحنا لعيون صاحبنا
وفي الصفحات الثانية والثالثة والرابعة والخامسة فهرست الكتاب جاء في آخره عدد الرجال ١٢٣ وأسفل منه الخاتمة فيما وقع لنا من المراسلات ثم آخر الكتاب فيما وقع في التقاريض عليه.
وقد تملك هذه النسخة المرحوم نعمان الالوسي فقد كتب في هامش
[ ١ / ٢٥ ]
الصفحة الخامسة «اشتريته في اسلامبول المحمية وأنا الفقير الى رب البرية نعمان بن السيد محمود أفندي آلوسي زاده مفتى الحنفية ببغداد صانها الله عن الفساد سنه ١٢٩٥»
وتحت ذلك «لمحرره على آلوسي زاده في مدح هذا الكتاب.
ان تبتغي منتزها يا ذا الفؤاد المنحصر
بادر الى منتزه يدعونه الروض النضر
سنة ٢٩٧ (كذا)
وقد جاء في الورقة التي بعدها ما يلي: لمحرره الفقير السيد علي الالوسي زاده سنة ٩٩.
وغزال نرجسي العين اضحت عينه النجلاء يا لله رمدا
فلحاني عاذلي منذ رآها قلت دعني قد غدا النرجس وردا
وله عفي عنه:
وقائلة ما بال دمعك أحمرا فقلت لها قد جفف الحب مدمعي
وذي كبدي ذابت أسى فتصاعدت لعيني فسالت فوق خدي كأدمعي
وله غفر له:
قلت للخال بصحن ال خد اذ لاح محبر
انت يا اسود عبد قال لا بل أنا عنبر
وله أيضا:
اذا فئة العذال يوما تجمعوا وراموا سلوي عن حبيب يواسيني
تحصنت عنهم بالصبابة والهوى وعوذت نفسي من لقاهم بياسين
[ ١ / ٢٦ ]
وله ايضا في الزمان:
إن الزمان لئيم ولؤمه في خباثه
يحب خفض الأعالي برفع أهل الدياثه
وله ارتجالا:
قالوا طلبناك حينا ولم تك قط تحضر
فقلت خلوا عتابي الاجتماع مقدر
ويوجد في الورقة الاولى من بدء الكتاب ختمان متشابهان كتب فيها وقف المكتبة النعمانية في المدرسة المرجانية ببغداد ١٣١٧.
وقد اطلقنا على هذه النسخة في الحاشية نسخة «ب» اختصارا كلما دعت الحاجة الى الاشارة اليها.
*** والمخطوطتان جيدتان، حسنتا الخط، لا اختلاف بينهما الا فيما اشرنا اليه من اهداء، والا فيما يمكن أن يجري من خطأ يرتكبه ناسخان مختلفان في الاملاء وتصحيف الكلمات. ولذلك فقد وجدنا أن الاعتماد عليهما يكفي لنشر الكتاب وتقويم نصه تقويما صحيحا. ولم نجد ما يدعو الى جمع النسخ الأخرى، فلن يعود ذلك على الكتاب بنفع، بل قد يزيد النشر عسرا، اذ يضطرنا الأمر الى أن تتضخم الحاشية بالاشارة الى الاخطاء التي لا بد أن يرتكبها النساخ حين ينسخون الكتاب.
والله نسأل أن ينفع به. وله الحمد على توفيقه
سليم النعيمي
[ ١ / ٢٧ ]