ضرير ولكن بالفضائل بصير، فهو البصير وأي بصير، لم يقبل في الكمال نظير. أما الفضائل فهو بحرها الطامي. وأما الكمالات فهو فلكها الرفيع السامي. استقل في الأدب بالنقض والإبرام، وأوضح سبل المعارف إلى معالم الافهام. تهادته الأيام تهادي النسيم للروض البليل. وافتقرت إلى جنابه افتقار المحرور للمقيل. فانه ممن عارض الوشل بالمطر، وفاخر الليل بالقمر. وطلع في الحدباء طلوع الشمس وأحيا بأنفاسه الطيبة أموات الأدب في الرمس. فحارت بأدبه الافهام، وبعدت عن درك كماله الأوهام، فإنه شخص الأدب عيانا، وأقام على ذلك بينة وبرهانا.
وكل حيا للمجد فهو سحابه وكل رحى للفضل فهو لها قطب
ألف بأدبه الفنون الشوارد، واستملى الفواضل عن عطارد. فآثاره تفصح عن سعة باعه، وتحريراته تنبئ عن طول ذراعه. فإنها لا تعمى الأبصار وإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار. مطر واستبرق، وأثمر وأورق، فعلا (٢) جنابه، وحمد غمامه وضبابه. وعذبت
_________________
(١) لم نعثر له على ترجمة.
(٢) في ب على.
[ ١ / ٣٤٧ ]
مصادره وموارده، وعلت محاضره ومشاهده. فهو بارق عارض الادب، كريم الجد والحسب. مالك الافضال والمعالي، مستخدم الأحرار والموالي. قد بلغت معاليه السماء، وجلت مكارمه أسرة الظلماء. فطلع للكمال طلوع سهيل، وأشرق بجماله النهار والليل.
فها هو بحر أدب تشعبت أنهاره. وروض فضل تلونت أزهاره.
قد اظهر من أدبه ألوان، زين بها جيد الزمان.
وله نظم أرق من النسيم في الليل. وأروق من تقاطر الغمام والسيل ونثر كالنجوم في ضيائها، والثريا في سمائها. وقد اخذ بها مجامع القلوب وملكها، وفي سلك سمط الخدام سلكها. وقد اثبت منها ما هو كالجواهر، في أعناق الجآذر.
فمن نظمه قوله:
كفى الله أهل الموصل الشر إذ أتى عدو لهم من جانب الشرق ناهض
أجل ملوك العجم نادر اسمه ظلوم غشوم للمواثيق ناقض
سبى نسوة السكان في البيد والقرى بظلم وكل بالمهالك خائض
وساق أناعيم الرساتيق كلها فما في الضياع اليوم بكر وفارض
[ ١ / ٣٤٨ ]
فحاصرنا ستين يوما مهيجا حروبًا وفي الجمعات ماتت فرائض (١)
فحاربه الدستور والى ديارنا حسين بعون الله وهو يناهض
فألقي رعب في قلوب جنوده فبانوا وكل نحو مثواه راكض
فلما أزال الله عنا شعوبهم بتوفيقه أرخت زال الروافض
وقوله مخمسًا:
نأى الغزال الذي في القلب موضعه يا ليت شعري أي الروض مرتعه
ناديته بانكساري إذ أودعه يا راحلا وجميل الصبر يتبعه
هل من سبيل إلى لقياك يتفق نار المحبة في الأحشاء حامية
والعين كالنهر طول الدهر هامية يا من به رتبتي في العشق سامية
ما أنصفتك جفوني وهي دامية ولا وفى لك قلبي وهو يحترق
وله مصدرا ومعجزا لهذين البيتين.
يا مشتكي الهم دعه وانتظر فرجا ممن يفرج كربات المساكين
_________________
(١) في الاصول فات الفرائض وما اثبتناه من سلك الدرر ٢/ ١٠٢
[ ١ / ٣٤٩ ]
واصبر على محن الأيام ذا جلد ودار وقتك من حين إلى حين
ولا تعاند إذا أصبحت في كدر من النوائب واستقبله في اللين
هيهات هيهات أن تصفو بلا كدر فإنما أنت من ماء ومن طين
والبيتين لابن نباتة (١) وقد تبعه الصفدي (٢) في ذلك فقال:
دع الإخوان إن لم تلق منهم صفاء واستعن واستغن بالله
أليس المرء من ماء وطين وأي صفا لهاتيك الجبلّه
وفي معنى بيت ابن نباتة في انتظار الفرج، قال النبي ﷺ: افضل أعمال أمتي انتظار الفرج (٣).
قال جالينوس (٤): الهم فناء القلب (٥)، والغم مرضه. ثم قال الغم بما فات، والهم بما هو آت. ومن الغم يعرض النوم، ومن الهم يعرض السهر، لأن في الهم فكرا بما سيكون والغم لا فكر فيه.
حكى بزر جمهر، وهو من أجل حكماء الفرس، إنه لما حبسه انوشروان عند غضبه عليه في بيت ذي ظلمة وضيق،
_________________
(١) انظر حاشية ص ١١٤
(٢) انظر حاشية ص ١٠٥
(٣) وفي الترمذي، عبادات، ١١٥ افضل الاعمال انتظار الفرج
(٤) جالينوس طبيب يوناني ولد في سمرنا. وكان موطنه فرغامس بالقرب من قره. وكان جالينوس في دولة نيرون قيصر وهو السادس من القياصرة الذين ملكوا رومية. وطاف بالبلاد ودخل ومات بالفرما من اعمال مصر وهو راجع الى بلده عيون الانباء: ١١٨.
(٥) في الاصول: قباء القلوب وما أثبتناه من عيون الانباء ١/ ١٣٣ وفيه والغم مرض القلب ثم بين ذلك فقال الغم بما كان والهم بما يكون وفي موضع آخر الغم بما فات والهم بما هو آت
[ ١ / ٣٥٠ ]
وصفده بالحديد وألبسه الخشن من الصوف، وأمر أن لا يزاد على قرصين في كل يوم خبز من شعير، وكف ملح، ودورق ماء، وأن تحصى ألفاظه فتنقل إليه. فأقام بزر جمهر شهورا لا يسمع منه لفظ. فقال انوشروان: ادخلوا عليه بعض أصحابه، ليستأنس بهم، ويفاتحوه بالكلام، واسمعوا ما يجري بينهم، وعرفونيه.
فدخل عليه جماعة من المحتفين به، وقالوا: أيها الحكيم نراك في هذا الضيق والحديد والصوف والشدة التي دفعت إليها، ومع ذلك فان سجية وجهك، وصحة جسمك على حالهما لم يتغيرا. ما السبب في ذلك؟ قال: لأني عملت جوارشا من ستة أخلاط اخذ منه كل يوم شيئا، فهو الذي أبقاني على ما ترون. قالوا صفه لنا فيوشك أن نبتلى بمثل بلواك فنستعمله.
قال: الخلط الأول الثقة بالله ﷿. والخلط الثاني ان كل مقدر كائن. والخلط الثالث الصبر خير ما استعمله الممتحن.
والخلط الرابع إذا لم اصبر فأي شيء أعمل. والخلط الخامس يمكن أن أكون في شر مما أنا فيه. والخلط السادس من ساعة إلى ساعة فرج.
وعلى هذا قول بعضهم:
اصبر على حلو الزمان ومره واعلم بأن الله بالغ أمره
فالصدر من يلقى الخطوب بصدره وبصبره وبحمده وبشكره
والحر سيف والذنوب بصفوه صدأ وصيقله نوائب دهره
ليس الحوادث غير أعمال امرى يجزى به من خيره أو شره
فلئن أصبت بما أصبت فلا تقل أوذيت من زيد الزمان وعمره
[ ١ / ٣٥١ ]
واثبت فكم أمر امضك عسره ليلا فبشرك الصباح بيسره
ولكم على يأس أتى فرج الفتى من غيب سر لا يمر بفكره
فاضرع إلى الله الكريم ولا تسل بشرًا فليس سواه كاشف ضره
واعجب لنظمي والهموم شواغل يلهين عن نظم الكلام ونثره
وتبعه ابن نباتة (١) فقال:
لا تخش من غم كغيم عارض فلسوف يسفر عن إضاءة بدره
إن تمس عن عباس حالك راويًا فكأنني بك راويًا عن بشره
ولقد تمر الحادثات على الفتى وتزول حتى ما تمر بفكره
هون عليك فرب أمر هائل دفعت قواه بدافع لم تدره
ولرب ليل بالهموم كدمل صابرته حتى ظفرت بفجره
ولصاحب الترجمة مخمسا:
قد بان قلبي الذي الأشواق ديدنه بحيث لم ير بل لم يدر موطنه
لما جهلت مكانا صار يسكنه سألتها عن فؤادي أين مسكنه
لأنه ضاع مني يوم مسراها فوجهت وجهها نحوي وقد سمعت
ما قلته وعلى ما رمته اطلعت وفي جواب سؤالي رأفة شرعت
قالت لدينا قلوب جمة جمعت فأيها أنت تعني قلت أشقاها
ويقرب من معنى هذه الأبيات قول الباخرزي (٢):
_________________
(١) انظر حاشية ص ١١٤
(٢) هو ابو الحسن علي بن الحسن بن علي بن ابي الطيب الباخرزي. اشتغل في شبابه بالفقه ثم غلب عليه الادب. عمل في الكناب مع الوزير الكندري مدة. واختلف الى ديوان الرسائل قتل بباخرز في مجلس انس سنة سبع وستين واربعمائة، وذهب دمه هدرا. وهو صاحب كتاب «دمية القصر وعصرة اهل العصر» وقد طبع وهو ذيل ليتيمة الدهر للثعالبي. وله ديوان شعر في مجلد كبير ترجمته في معجم الأدباء ١٣/ ٣٣ ووفيات الاعيان ٣/ ٦٦ وشذرات الذهب ٣/ ٣٢٧.*
[ ١ / ٣٥٢ ]
قالت وقد فتشت عنها كل من لاقيته من حاضر أو بادي
أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ترني فقلت لها وأين فؤادي
ويقرب منه قول ابن سبسب (١):
هوى صاحبي ريح الشمال إذا جرت وأهوى لنفسي أن تهب جنوب
يقولون لو عربت قلبك لا رعوى فقلت وهل للعاشقين قلوب
وقريب منه أيضا قول الشهاب الخفاجي (٢):
يقولون لي لم تبق للصلح موضعا وقد هجروا من غير ذنب فمن لحا
صدقتم وأنتم للفؤاد سليتم ومالي قلب غيره يطلب الصلحا
وفيه أيضا قوله:
قد ودعوا قلبي سر الهوى خافوا من الواشي على حبي
فانتهبوا لبي ولم يقنعوا باللب حتى أخذوا قلبي
ولصاحب الترجمة في الاقتباس:
ونسوة لمنني في حب ذي كحل رشا يفوح شميم المسك من فيه
فقلت منهن للائي فتن به «فذلكن الذي لمتنني فيه» (٣)
وقوله فيه:
لست أهوى سواكم اليوم حتى أطلب الموت في هواكم حثيثا
_________________
(١) (*) والكنى والالقاب ٢/ ٥٦ والنجوم الزاهرة ٥/ ٩٩ وهدية العارفين ١/ ٦٩٢. ودائرة المعارف الاسلامية ٣/ ٢٦٢ والاعلام ٥/ ٨١. ومعجم المطبوعات العربية
(٢) كذا في الاصل ولم يتبين لنا وجه الصواب فيه.
(٣) هو أحمد بن محمد بن عمر. شهاب الدين الخفاجي المصري، قاضي القضاة وصاحب التصانيف في الادب واللغة. نسبته الى قبيلة خفاجة. ولد بمصر سنة سبع وسبعين وتسعمائة ونشأ بها. ورحل الى بلاد الروم واتصل بالسلطان مراد العثماني فولاه قضاء سلانيك ثم قضاء مصر توفي سنة تسع وستين بعد الالف ومن اشهر كتبه ريحانة الالبا ترجم به معاصريه على نسق اليتيمة. وكتب اخرى وله شعر رقيق جمع في ديوان. انظر خلاصة الاثر ١/ ٣٣١ والاعلام ١/ ٢٢٧ وفيه مصادر اخرى. ومعجم المطبوعات العربية ص ٣٨. وريحانة الالبا للمؤلف.
(٤) سورة يوسف آية ٣٢ والبيتان في شمامة العنبر ورقة ٨٢.
[ ١ / ٣٥٣ ]
ما لقومي الذين قد عنفوني «لا يكادون يفقهون حديثا» (١)
ومن نظمه قوله:
زار فؤادي عائدًا طرفه كلاهما في الدهر مضنى قديم
فقلت إذ أبصرت حاليهما مستعجبا عاد السقيم السقيم (٢)
وقد أرسل إليه الحاج خليل خداده (٣) هذين البيتين:
لا تحسبوا أن البعاد مكدر صفو الخليل عن الخليل وأنسه
لكن حوادث في الزمان تراكمت فالمرء فيها قد سها عن نفسه
فأجابه بقوله:
إنا نسلم أنه يسهو الفتى في حادثات زماننا عن نفسه
لكن نقول بدفع شر عدونا ذا اليوم خير عندنا من أمسه
وله مصدرًا ومعجزًا:
قيل لا تنظرن لوجه جميل فهو في الحشر يورث الحسرات
وامنع العين أن ترى ما اشتهته إنما ذاك يذهب الحسنات
قلت ذاك الجمال لما تبدى كثرت دهشتي وقل ثباتي
وبدت حالة هنالك حتى غفل الكاتبان عن سيئاتي
وكنت قد صدرته وعجزته في زمن الصبا:
قيل لا تنظرن لوجه جميل ذي سناء مطرز بالنبات
لا ولا ترقبن لوجه صقيل إنما ذاك يذهب الحسنات
قلت ذاك الجمال لما تبدى وغدا مشرقًا بكل الجهات
وعلا حسنه على كل حسن شغل الكاتبان عن سيئاتي
_________________
(١) سورة النساء: الآية ٧٨ وتمام الآية (فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا)
(٢) البيتان في شمامة العنبر ورقة ٨٨.
(٣) سيترجم له المؤلف برقم ٢٧٢
[ ١ / ٣٥٤ ]
وأتم منه معنى وربطا تصدير كاتب الديوان لوالي الموصل أمين باشا يونس (١):
قيل لا تنظرن لوجه جميل واستمع قول ناصح بثبات
وتجنب وقوع ذلك واعلم إنما ذاك يذهب الحسنات
قلت ذاك الجمال لما تبدى ومحا الذات باتحاد الصفات (٢)
وتجلى بوحدة الحسن حتى غفل الكاتبان عن سيئاتي
ولصاحب الترجمة مخمسًا:
لي سادات اصطفيت هواهم جعلت مهجتي فدا مصطفاهم
لا يخيب الذي يروم لقاهم يتلقون من يؤم حماهم
بوجوه من التقى نيرات تاه في عشقها ذوو العقل تيها
إنما الفوز والفلاح لديها سابقوا أيها العفاة إليها
يا لها أوجه يلوح عليها كل يوم دلائل الخيرات (٣)
وقد أرسل إليه الحاج خليل عند انقطاع الامطار وتواليها بعد ما قنطت الناس هذه الأبيات:
يا خافضا رفع الظنون وناصبا علم اليقين ولا يكون مشككا
من بعد ما قنط الورى من رحمة فانظر إلى آثار رحمة ربكا (٤)
فأجاب وأجاد:
يا من يذكر خله كرم الكريم ونعمته
هذا قديما دأبه يعفو وينشر رحمته (٥)
_________________
(١) في ب: حضرت امين باشا سلمه الله يونس هو يونس افندي كاتب الانشاء وقد ترجم له المؤلف.
(٢) في الاصول: لما تبدا، ومحى.
(٣) ذكر هذا التخميس في شمامة العنبر ايضا ورقة ٨٦.
(٤) هذا تضمين لجزء من الآية (فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها). سورة الروم آية ٥٠
(٥) هذا تضمين لآخر الآية ٢٨ من سورة الشورى، (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته)
[ ١ / ٣٥٥ ]