رجل تطعمه الزمان فجاءه طرفين في الإحلاء والإمرار
رفيع المجد، وري الزند، ماضي الحد، سني المجد، عالي المقام بعيد المرام، واضح الرسم، غريب النظم. ثابت الأصول، فائق الفصول، طيب النشر، بديع النثر. فسيح الرحاب، شامخ
_________________
(١) ترجم له صاحب منهل الاولياء ١/ ٢٥٢ فقال عنه: مصطفى الغلامى المفتي النجمي نسبة الى قبيلة بني نجمة من زيد .. كان اماما مبرزا في فقه الشافعية واصول مذهبهم. وحواشيه تدل على كمال فطنته ورسوخ قدمه فيها. فلذلك كان فقيههم وامامهم، وكان له معرفة تامة بباقي العلوم قرأ في الموصل على شيوخها ورحل في طلب العلم فحصل منه كل نادرة. وعاشر الملوك. وكان ظريف المناقشة، لطيف المحاضرة يحكى عنه النوادر الكثيرة. وسافر الى الروم. وحظي عند ملوك الموصل. وكان من خلص اصحاب عبد الباقي العمري وبينهما مراسلات ومداعبات. وهو من أقران الشيخ عبد الله (الربتكي المدرس) ورفقائه في الطلب ولم اقف على وفاته ومولده واظنه مات في سنة نيف وثلاثين ومائة والف والله اعلم. ثم ذكر له ستة ابيات من القصيدة العينية التي ذكرها المؤلف وترجم له ولده في شمامة العنبر (ص ٩٧ - ١٠٤) فقال عنه ما خلاصته: بحر عذب المنهل يتموج لفظته بلاد العرب فغرب الى الروم فتلقفته اكابر علماء تلك البلاد. ودخل القسطنطينية واقام بها مدة ومدح اكابرها ثم عاد الى الموصل ولم يزل فيها نديما كريما لاعيانها وامرائها بل جليسا انيسا لحكامها ووزرائها. ثم رحل الى القسطنطينية ومات هناك. وكان له ديوان شعر فتلف هناك مع ما تلف من المتروكات. وجاء عنه في العلم السامى الشيخ مصطفى الغلامي بن الشيخ علي الغلامي ابو المكارم قرأ في صباه على شيوخ الموصل. ثم سافر الى بلاد الروم في طلب العلم، وبعد رجوعه الى الموصل، ولي الافتاء على مذهب الامام الشافعي وعهد اليه التدريس في مدرسة نبي الله يونس. ثم سافر الى القسطنطينية وتوفي هناك سنة ١١٤٠ هـ. وله نظم جميل رقيق. واورد عثمان الحيائي في كتابه «الحجة فيمن زاد على ابن حجة» (ص ١٠٢ - ١٠٥) قصيدة للغلامي يصف فيها حاله في ادرنه وحالة دواوين الدولة، وما هي عليه من الفوضى وسوء الحال. ذكر بعضها صاحب الشمامة (ص ١٠١ - ١٠٣).
[ ١ / ٤١١ ]
الهضاب. الطالع من كل ثنية، والواصل بكل أمنية. ذو الفضل الوارف، والكمال والمعارف. عماد الإفتاء، التي باهت به الجوزاء.
سباق الغايات، الناصب للكمالات رايات. فكم قد أبرى للفضائل أعواد، وأورى للمكارم زناد. فهو الأديب المعظم، والأريب المقدم. المتميز بين اترابه، والمتفوق على أقرانه وأريابه.
وهو المنيع الذرى، البعيد عن أن يلاحظ أو يرى. قضى عمره في تعاطي أنواع التدريس، وأفتى على مذهب الإمام ابن إدريس.
فركب في ذلك صعاب المسائل فذللها، ورقى هام الثريا فانتعلها.
فحاز أنواع المحامد والمجد، والآداب الراقية التي لا تحد. فلم يحتمل قال وقيل، ولم يأت له الدهر بمثيل.
بآرائه البيض ارتقى درج العلى وحل ذرى العليا براياته الخضر
كانت صحبته مع الوالد والعم اكيدة، والمحبة بينهم في الغاية سديدة. فكنت أراه وهو في مجلس الوالد، قد جمع لأنواع المحاسن والمحامد. وأنا إذ ذاك صغير، أتطلع لاستنشاق ذاك الرند والعبير. وهو في صدر المجلس قد نصب للفضل لواء، وألقى على أقمار المجلس بهجة وضياء. وقد أثبت للأدب إجلالا، وشيد للمكارم معارف وأفضالا. ينطق ببيان، وينظم لجواهر الألفاظ معان. والوالد ينسر بسبقه، ولا ينكر لمقدم حقه، ويحبه الحب الشديد، الذي ما عليه من مزيد.
[ ١ / ٤١٢ ]
وقد اتفق له مع العم عبد الباقي (١) رسائل أدب، تهزأ بالشهد والضرب. فهي الشموس، التي ترتاح بسماعها الأرواح والنفوس.
بل هي سمر الأحباب، التي لم يرد مثلها في هذا الباب. قد نظم درا، وحلى نحرا
تخال أزاهير الرياض خلالها مصابيح ليل ما لهن فتائل
فمن أقحوان ثغره متبسم وورد على أكنافه الطل حائل
فمما أرسله إلى العم قوله:
أفديه إذ بالقد والأطراف ألقى الرماح وسطوة الأسياف
ريم اللواحظ بالجمال موشح طاوي الحشاء مرخم الأعطاف
سهران لا عن ترك نوم جفونه سكران لا من حسو كأس سلاف
من فوق طرته الشعور كأنها قرص الغزالة تحت جنح غداف (٢)
إن جاء يا للاعتدال بقده أوسار يا للموت بالأرداف
ظبي من الأعراب إن ناسبته يعزى بإسناد لعبد مناف
بدر إذا ما رمت تنظر وجهه يغشيك نور جماله الشفاف
حاوي الدلال جميعه فوصاله حسد يضيع وقلة الإنصاف
تصغي السماع لقوله فكأنه يتلو لها ضربا من الأوصاف
أوصاف عبد الباقي الحبر الذي أنجى المجير واقرأ الأضياف (٣)
الجاعل العلياء ثوبي لبسه ما دام ثوب ندى وثوب عفاف
الساعي في كسب الثناء فشأنه مغني الالوف وموهب الآلاف
_________________
(١) ترجم له المؤلف في ص ٥١
(٢) في الاصول غذاف. والغداف غراب القيظ
(٣) في هذا البيت سناد والتجوز في اللغة ظاهر فيه
[ ١ / ٤١٣ ]
ما أقشعت ديم الندى في أرضنا إلا كفاها بسيله الوكاف (١)
يجد المقل إذا ألم بربعه فكأن أرسل للأنام مكافي
شرفت بك الحدباء يا عمري كما شرف الثرى بأصولك الأشراف
دم باقيا وأمشي على جيد العدى تفنى الزمان وتحصى الأحقاف (٢)
وله ﵀ فيه:
ولقد لممت بربع باق ضالعا فأزال عن هام الهموم صعاصعا (٣)
وبه لقيت الاستقامة بعد ما ولدتني أيام احتياجي اكتعا (٤)
وأباحني ثدي النوال وطالما غذى المقل به وأرضى طامعا
يا باقيًا جعل العطاء بما له دينا ندى عبد وسهما شايعا
ما للغمام وراحتيك تماثلا إذ عد وابلها أنالت أصوعا
فيه رائحة من قول رشيد الدين الوطواط (٥):
ما نوال الغمام يوم ربيع كنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بدرة عين ونوال الغمام قطرة ماء
وفي البيت من أنواع البديع التفريق، وهو إيقاع تباين بين أمرين من نوع في المدح أو غيره كقول بعضهم فيه:
_________________
(١) في ب: ديم النداء بارضنا.
(٢) في هذا البيت الاقواء.
(٣) الصعاصع جمع صعصع وهو المتفرق وطائر ابرش يأخذ الجنادب (القاموس)
(٤) الاكتع: من رجعت اصابعه الى كفه وظهرت رواجبه.
(٥) هو رشيد الدين محمد بن محمد العمري، الوطواط كاتب من الادباء له شعر دون نثره كان كاتبا للسلطان خوارزم شاه الهندي. وله آثار كثيرة منها: مطلوب كل طالب من كلام علي بن ابي طالب. وتحفة الصديق من كلام ابي بكر الصديق. وفصل الخطاب من كلام عمر بن الخطاب وانس اللهفان من كلام عثمان بن عفان. وديوان رسائله، وديوان شعره. توفي سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة معجم الادباء ١٩/ ٢٩ وبغية الوعاة ١/ ٢٢٦ ومعاهد التنصيص ١/ ٢٤٤ وروضات الجنات ٧٧ والكنى والالقاب ٢/ ٢٤٧ والذريعة ٩/ ١٢٧.
[ ١ / ٤١٤ ]
حسبت جماله بدرًا منيرًا وأين البدر من ذاك الجمال
وقول الآخر:
قاسوك بالغصن في التثني قياس جهل بلا انتصاف
هذاك غصن الخلاف يدعى وأنت غصن بلا خلاف
وقد تلاعب الشعراء في معني أبيات الوطواط. فللوأواء الدمشقي (١):
من قاس جدواك بالغمام فما أنصف بالحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحكا أبدًا وهو إذا جاد دامع العين
ولبعضهم فيه:
من قاس جدواك يوما بالحسب أخطأ مدحك
السحب تعطي وتبكي وأنت تعطي وتضحك
ولأبي الفتح البستي (٢):
يا سيد الأمراء يا من جوده أوفى على الغيث المطير إذا همى
الغيث يعطي بالحيا متجهما ونراك تعطي ناظرا متبسما
_________________
(١) هو ابو الفرج محمد احمد الغساني الملقب بالوأواء الدمشقي. كان مناديا بدار البطيخ بدمشق ينادي على الفواكه. وما زال يشعر حتى جاد شعره وسار كلامه واصبح من شعراء سيف الدولة توفي حوالي سنة تسعين وثلاثمائة وله ديوان حققه المرحوم سامي الدهان ويرجح ان وفاته كانت سنة سبعين وثلاثمائة. يتيمة الدهر ١/ ٢٧٢ وفوات الوفيات ٢/ ٣٠٤ والكنى والالقاب ٣/ ٢٤٢ والشريشي ١/ ٥٥ والذريعة ٩/ ٧٩ واعيان الشيعة ٣/ ٢٥٦ وبروكلمان ٢/ ٧٨ ومطالع البدور ١/ ٥٧ والاعلام ٦/ ٢٠٤ وفيه مصادر اخرى.
(٢) هو علي بن محمد بن الحسين بن يوسف بن محمد بن عبد العزيز البستي، ابو الفتح: شاعر عصره وكاتبه ولد في بست (قرب سجستان) واليها نسبه وكان من كتاب الدولة السامانية في خراسان وتوفي سنة اربعمائة. وله ديوان شعر صغير مطبوع. وفيات الاعيان ٢/ ٥٨ ويتيمة الدهر ٤/ ٣٠٢. وشذرات الذهب ٣/ ١٥٨ والمنتظم ٧/ ٧٢ ومفتاح السعادة ١/ ٢٢٩ والكنى والالقاب ٢/ ٧٤ وهدية العارفين ١/ ٦٨٥ والبداية والنهاية ١١/ ٢٧٨ والاعلام ٥/ ١٤٤ وفيه مصادر أخرى
[ ١ / ٤١٥ ]
وقول الأديب يعقوب النيسابوري (١) في أبي الفضل الميكالي (٢)
رأيت عبيد الله يضحك معطيا ويبكي أخوه الغيث عند عطائه
وكم بين ضحاك يجود بماله وآخر بكاء يجود بمائه
وما أبدع قول البديع الهمداني (٣) مع زيادة في المعنى ومبالغة في الغلو.
وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وقول ابن بابك (٤) يمدح نظام الملك:
يقولون أن المزن يحكيك صوبه محاكمة فيها شهدت وغابا
وكم عزمة عم البرية بؤسها فهل ناب عنها عن يديك منابا
همت صيبا فيها يداك عليهم وضلت يداه ان ترش ذهابا
_________________
(١) هو ابو يوسف يعقوب بن احمد النيسابوري ترجم له الباخرزي في دمية القصر مرتين وروى عنه اخبار بعض شعرائها. ويظهر انه كان صديقا للباخرزي ويظهر مما قاله عنه انه عربي من بني عامر توفي سنة اربع وسبعين واربعمائة. من آثاره كتاب البلغة، وجونة الند. دمية القصر ١٩٠، ٢٩٩ وبغية الوعاة ٢/ ٣٤٧ وفيه انه كردي وكشف الظنون ٢٥٣، هدية العارفين ٢/ ٥٤٤.
(٢) هو ابو الفضل عبيد الله بن احمد الميكالى المتوفى سنة ٤٣٦ سبقت ترجمته في حاشية ص
(٣) انظر ترجمته في حاشية ص ١٤٨
(٤) هو ابو القاسم عبد الصمد بن منصور بن الحسن بن بابك، شاعر بغدادي، مكثر مجيد. قال ابن خلكان رأيت ديوانه في ثلاث مجلدات وله اسلوب رائق طوف في البلاد وقصد الرؤساء ومدحهم ونال منهم اسنى الصلات. ولما قدم على الصاحب بن عباد قال له: انت ابن بابك. قال: انا ابن بابك، فاستحسن جوابه واجزل صلته. توفي ببغداد سنة عشر واربعمائة يتيمة الدهر ٣/ ٣٧٧ ووفيات الاعيان ٢/ ٣٦٨ والنجوم الزاهرة ٤/ ٢٤٥ وشذرات الذهب ٣/ ١٩١ والكنى والالقاب ١/ ٢١٦ وكشف الظنون ٧٦٤ ومعاهد التنصيص ١/ ٢٤
[ ١ / ٤١٦ ]
وقول ابن اللبانة (١) في المعتمد بن عباد (٢):
سألت أخاه البدر عنه فقال لي شقيقي إلا أنه البارد العذب
لنا ديمتا ماء ومال وديمتي تماسك أحيانا وديمته سكب
إذا أنشأت تبرية فله الندى وإن أنشأت بحرية فله العجب
ومن تتمة القصيدة المترجمة:
أم أين للعضب اليماني نسبة ويكون عزمك في المواقع أقطعا
سالت أناملك النوال فكاد من فرط التدفق دهرنا أن يكرعا
آلت يمينك لم تزل عن بذلها حتى ترى المعتر فيها قانعا
أغدقت يا غيم الجوائز منة وأبيت عن أرض الرجا أن تقشعا
أتعبت نفسك في اكتساب ثنائنا فلنصنعن الحمد ذاك مصانعا
مالي ولا أثني عليك وأنت لي عضب به ألقى الحمام الناقعا
أبقيت ربح مديحتي أو كيف لم تربح وقد زرعت شباط أبدعا
دم باقيا في الدهر صدرًا ماجدا نلقاك ما دمت الأعز النافعا
فأرسل إليه العم عبد الباقي هذه الأبيات:
يا خبيرًا بكل معنى بليغ وبصيرًا بكل نظم ونثر
فلقد ضاع شعركم وطفقنا نسأل الركب هل سمعتم بشعر
_________________
(١) في الاصول ابن اللبابة وهو خطأ وصوابه ابن اللبانة وهو ابو محمد بكر بن عيسى بن محمد اللخمي الاندلسي الداني المشهور بابن اللبانة كان من شعراء المعتمد بن عباد وله مؤلفات وتوفي سنة سبع وخمسمائة، فوات الوفيات ٢/ ٥١٤ وشذرات الذهب ٤/ ٢٠ والمغرب في حلى المغرب ٢/ ٤٠٩ والعبر في خبر من غبر ٤/ ١٥ وهدية العارفين ٢/ ٨٣ والمعجب في تلخيص اخبار المغرب ٢١١ وقلائد العقيان ٢٥٦.
(٢) ابو القاسم المعتمد بن عباد صاحب اشبيلية وقرطبة وهو آخر ملوك الدولة العبادية توفي سنة ٤٨٨ هـ
[ ١ / ٤١٧ ]
فأرسلوا نظمكم لكي نتداوى به حقًا فلا برحت كبدر
لا تقل إنه عليم بهذا لست اعرفه لا ولا به أدري
إنما نحن بالقريض كواو «ألحقت بالهجاء ظلمًا بعمرو» (١)
وأنا باقي على العهد دوما بصفاء الوداد ما دام دهري
فأجابه المذكور بقوله:
يا كبيرًا على الكبار مجيدًا يا أميرًا لكل عبد وحر
إن ترم قول أبكم مستحيل هل زمين على الحدادة تجري (٢)
شرف العبد في الخطاب بادعو وبياء النداء قد زيد قدري
أنت للشعر فاء أما فأما هل تلقى بغيرها يا لعمري
إن تكن باقيا على العهد دوما فأنا مصطفى لمدحك عمري
فراجعه العم بقوله:
شرف المشرف الكريم فخلنا لؤلؤًا في العقود أو سلك در
يا له من نظام سمط بديع فاق سحبان والعلاء المعري (٣)
لو رأى سحر لفظه المتنبي آل ما دام لا يفوه بشعر (٤)
خمر العقل في معانيه حتى ظن أني شربت كاسات خمر
فغدا الفكر قائلا فيه تيها ولعمري أظن هذا بسحر
دم بعز وبهجة وسرور ما شدا الأيك أو تغرد قمري
_________________
(١) الشطر الاخير تضمين لشطر بيت ابي نواس في هجاء اشجع السلمى وصدره: انما انت من سليم كواو ديوان ابي نواس ص ٥٤٥
(٢) الزمين: ذو العاهة مثل الزمن. والحدادة يريد به الحدة
(٣) في الاصل والعلائي المعري: وما اثبتناه هو الصحيح ويريد به ابا العلاء المعري
(٤) في الاصول لم يفوه بشعرى. وآل يريد به آلي أي اقسم
[ ١ / ٤١٨ ]
وأرسل إليه العم هذه الأبيات:
أيا من له في كل فن نتايج وأضغرها أعيت لمن هو صادح
ومن عجزت عنه المذاود أن ترى فخارًا وكادت أن تنوء المدايح (١)
ومن ليس في ذا العصر ضد مضادد لبعض الذي يأتيه والجد فاتح
ومن قد غدت منذ استطابت باسمه تفيد سعودًا في البوادي البوارح
إليك أتت تقرى المسائل في العلى وحثت باجواز الفلاة المنائح (٢)
فلو علم العافون أن مقامكم بديع لما كان البيان يجانح
فإن أطنبت في مدحه لم تكن تفي بمعشار ما فيه العلوم الصوادح
لقد أسمع الصادي الفؤاد أو ان ما تفارق منكم سائل المحن قادح
وقد كان في تجهيز ما هو قائل بإرساله في الأمس والعلم فايح
فأوحيت ما فيه ولكن ظننته خلافا فارسالى إليكم تسامح
_________________
(١) المذاود جمع مذود كمنبر وهو اللسان
(٢) المنائح جمع منيحة وهي الناقة تمنح اي يعطى للرجل وبرها ولبنها وولدها ويريد بها هنا الناقة عامة.
[ ١ / ٤١٩ ]
وذلك بيتان وظني فيهما سؤال لأرباب الجهالة فاضح
لنا ابل ما روعتها الصفائح ولا نفرتها بالصياح الصوائح
إذا سمعت أضيافنا من رعاتها أتين سراعا يتبدرن الذبائح
فما الوجه في رفع الذبائح فيهما ووجه وجوب النصب فيهن لائح (١)
فأرسل جوابًا عن سؤالي وأن يكن وضيح لديكم لا يليه الجوامح
وما قلته من بعد هذا فإنني لمرسله ما دام صفو وصالح
وكن مرسلا لي ما يكون جوابه شديدًا فاني باقي الود كادح
فأجاب صاحب الترجمة بقوله:
أزال ستار الصمت بالنطق فابتدت فوائد بحر لم تنلها السوابح
وأسجع من فرط البلاغة منطقا فحزت شحارير الكلام الصوادح
وأبدع تصوير المعاني فصاحة فزالت بها حسنا عقول رواجح
_________________
(١) في الاصول في دفع الذبائح.
[ ١ / ٤٢٠ ]
وكاد سنا برق النظام لحسنه يضيء مدادًا مذ حوته الصفائح
فشق سماع القوم ثوب صماخه إليها وتاهت في تلاها الجوارح
واعتبقت منها النفوس لطافة وفاحت الى التنشيق منها نفائح
ألا وهو الخلم الحسيب ومن به لكل مغاث قد تجلت طوائح (١)
فشرفنا منه السؤال وقد درى بنا وبما جادته منا القرايح
فدم باقيًا لا زلت في العهد إنني مصيطف ود للأحبة مادح
فراجعه العم بقوله أيضا:
ألا يا بديع الفضل في كل ما نحت إلى نحوه أهل البيان من الغض
ومن هو في هذا الزمان بفعله لفاعل نصب المنتمين من القرض
لأنت وحق الله بين أولى النهي لبرهان حق لا يدنس بالنقض (٢)
_________________
(١) الخلم بالكسر: الصديق والصاحب. والطوائح القواذف
(٢) في الاصل: أولى النها
[ ١ / ٤٢١ ]
وكاشف عن حجب الدقائق بالحجا ومغلق أبواب النقائص والخفض
لك الله من صدر كأن ذكاءه سناء ذكا أو جذوة في لظى الرمض (١)
كأن إذا ما أجرضته عنودة من الوحي أمضاها بصارمة المحض
كأن له ما بين ضحضاح علمه لغمر إذا ما جف حول بالنض
كأن إذا ما شاء تقرير لفظه تكاد له صم الصياخد أن تغضي
كأن إذا ما كان ينظم غائصا إلى اليم يستملي اللآلي ويسترضي
كأن الصحاح الجوهري في لغاته وقاموس بحر في الخضم من البرض (٢)
كأن قوافي الشعر تحت لسانه جواد فيلويه لما شاء بالركض
كأن يرى في فكره إن أجاله سنا البرق أو أسنى سناء من الرمض
كأن مقالي هو وقس كباقل لديه ولكن غيره فيه ذو رحض (٣)
_________________
(١) في الاصل: نطا الرمض.
(٢) في الاصل: الخظم. والبرض: القليل وبرض الماء خرج وهو قليل.
(٣) الرحض: الشنة والمزادة الخلق.
[ ١ / ٤٢٢ ]
كأن نظامي هل من نحو شرقه ونور قريض المستهل من البعض
كأن حديثي حيث ما كان مرسلا لديه ضعيف ليس من سنة الفرض
فيا من له دانت مسائل علمنا وكان لنا فيها سهاد من الغمض
إليك نحا سؤلي وأنت مميزًا بآية كبرى أعجزت كل ذي نبض (١)
وما هي إلا استطعما أهلها فقد ترى استطعماهم مثل ذلك مستقضي
فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر مكان ضمير فاحكه أيها المرضي
وما الوجه في هذا العدول ابنة لي فانك في ذا العصر أوحده المحض
فلا زلت طودًا شامخًا في ذرى العلى مقيمًا وباق بالسمو وبالارض (٢)
_________________
(١) كذا في الاصول وأنت مميزا وصوابه مميز.
(٢) كذا وباق وهو خطأ وصوابه باقيا ولا يستقيم الوزن بالصواب.
[ ١ / ٤٢٣ ]