[ ٣٤ ]
جارية عبد الله والد النبي ﷺ كانت زوجة عبيد الحبشي، وولدت منه أيمن، أسلمت هي وولدها أيمن قديمًا، وزوّجها النبي بعد ممات زوجها عبيد، بعد النبوة زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وإنما رغب فيها زيد لقوله ﷺ: "من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج بأم أيمن" فجاءت منه بأسامة، فكان يقول له الحب بن الحب. وقيل: إنه ﷺ أعتقها حين تزوج بخديجة، وزوجها عبيد الحبشي، وقيل: بل تزوجها قبل ذلك، وقيل: أعتقها عبد الله بعد موته، وورث معها خمسة جمال وقطعة غنم وهي من سبي الحبشة أصحاب الفيل، ولما تمرضت في الطريق آمنة أم رسول الله ﷺ وهي راجعة من المدينة كانت معها أم أيمن بركة فلما توفيت آمنة تولت حضانته ﷺ أم أيمن وجاءت إلى جده عبد المطلب بعد خمسة أيام. وذكر في "شرح ذات الشفاء": أن أم أيمن كانت بمكة فبلغها موت آمنة بالأبواء، فقدمت إلى الأبواء فاحتملته ﷺ والمشهور الأول، ولهذا كان النبي ﷺ يقول: "أم أيمن أمي بعد أمي" ولما كبر النبي ﷺ أعتقها، وهذا على خلاف ما تقدم من أن أباه عبد المطلب أعتقها، وزوجها ﷺ بمولاه زيد بن حارثة الطائي، وكان مولى لخديجة، ﵂، فوهبته لرسول الله ﷺ فأعتقه وتبناه، وكان أول الموالي إسلامًا. وذكر في "السيرة الحلبية": ثم بعد إسلام علي، ﵁ أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ولما ظهر الإسلام وهاجر إلى المدينة، وأقام في المدينة، ﷺ أرسل زيدًا في سرية ومعه مائة راكب، وكان قد بلغه ﷺ أن أبا سفيان وصفوان معهم عير كثيرة، فبعثه ﷺ لحربهم فأصاب عيرهم، وعاد زيد بالعير والغنيمة إلى النبي ﷺ فكان خمسها عشرين ألف درهم، وكانت على رأس ثمانية وعشرين شهرًا من الهجرة، فأرسله أيضًا، النبي ﷺ في سرية أخرى في مائة وسبعين راكبًا وقد بلغه أن عيرًا لقريش أقبلت من الشام وفيها أبو العاص ابن الربيع فسار إليهم زيد، وملك العير وعاد إلى المدينة، وذلك سنة ثمان من الهجرة ثم أرسله ﷺ في سرية إلى جذام في خمسمائة راكب، فغنم وعاد إلى النبي ﷺ بالغنائم، وذكر في "شرح ذات الشفاء" أن أم أيمن كانت سوداء لأنها من سبي الحبشة فزوجها ﷺ زيدًا، وكان زيد أبيض فولدت له أسامة ﵁، فطعن المنافقون في نسب أسامة، وكان ﷺ يتشوش لذلك ودخل مجزر القايف على النبي ﷺ وزيد وأسامة تحت قطيفة وأرجلهم خارجة منها، فقال مجزر: هذه الأقدام بعضها من بعض. فانسر لذلك رسول الله ﷺ.
[ ٣٥ ]
وعن أم أيمن قالت: كنت أحضن النبي ﷺ فغفلت عنه يومًا فلم أدر إلا بعبد المطلب قائمًا على رأسي يقول: يا بركة، قلت لبيك، قال أتدرين أني وجدت النبي؟ قالت: لا أدري! قال: وجدته مع غلمان قريبًا من السدرة، لا تغفلي عن ابني، فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبي هذه الأمة، وأنا لا آمن عليه منهم، وقالت أم أيمن: ما رأيته ﷺ يشكو جوعًا ولا عطشا لا في صغره ولا في كبره، وكان يغدو إذا أصبح فيشرب من زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغذاء فقال: أنا شبعان. وقيل: إن أم أيمن هاجرت في يوم حر شديد فأصابها عطش شديد، فتدلى لها دلو من السماء برشاء أبيض فشربت منه حتى رويت، قالت: فما أصابني عطش بعدها، ولو تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر. وكان في لسانها عسرة فكانت إذا دخلت على قوم قالت: سلام لا عليكم بدل سلام الله عليكم. فرخص لها ﷺ أن تقول: سلام عليكم. وقيل: إن أم أيمن هاجرت مع رقية بنت النبي ﷺ وهي زوجة عثمان ﵁ وذكر في "السيرة الحلبية" أن أم أيمن هاجرت الهجرتين. وكان ﷺ يقول: "أم أيمن أمي بعد أمي" وكان ﷺ يزورها في بيتها، وكذلك كان يفعل الصديق ﵁ وعمر ﵁ بعده ﷺ يزورانها في بيتها تعظيمًا لها، ولما مات زوجها عبيد زوجها النبي ﷺ زيد بن حارثة. قيل: إن أناسًا من كليب قدموا إلى الحج، فرآهم زيد وعرفوه، فقال لهم: أبلغوا أهلي هذه الأبيات:
أحنُّ إلى قومٍ، وإن كنتُ نائيًا فإنّي قعيدُ البيت عندَ المشاعرِ
فكفّوا عن الوجدِ الذي قد شجاكم ولا تعملوا في الأرضِ نصَّ الأباعرِ
فإنّي بحمد الله في خير أسرةٍ كرامِ ومعدٍ كابرًا عن أكابرِ
فأعلموه أباه فقدم مع عمه إلى النبي ﷺ فسألاه فيه فقال ﷺ نخيره فإن اختاركم علي فهو لكم فخيره فاختار النبي ﷺ فقال له أبوه: ويحك يا زيد تختار العبودية على الحرية؟ فخرج ﷺ وجعل يدور به مجالس قريش ويقول: اشهدوا أن زيدًا ابني وارثًا وموروثًا، فطابت نفس أبيه ودعي زيد من حينئذ ابن محمد، إلى أن جاء الإسلام، وأنزل قوله تعالى: (أدعوهم لآبائهم) فقيل: زيد بن حارثة. ويقال أنه أول من أسلم وشهد بدرًا. وكان ﷺ يقول: "أحب الناس إلي من أنعم الله عليه وأنعمت عليه" يعني بذلك زيدًا، أنعم الله عليه بالإيمان، وأنعم عليه رسول الله ﷺ بالعتق، وقتل زيد ﵁ بأرض الشام. وقتل معه جعفر ﵁ فقال ﷺ: "أخواي ومؤنساي ومحدثاي" وعاشت أم أيمن بركة إلى خلافة عمر ﵁ سنة ثلاثة عشرة، وتوفيت أم أيمن بعد خلافة عمر ﵁ بعشرين يومًا، ودفنت بالمدينة المنورة، وتوفيت أم أيمن ﵂، على ما ذكر المؤرخون في خلافة الصديق ﵁ وذلك بعد وفاة فاطمة الزهراء ﵂. وذكر بعضهم أن أم أيمن كانت حاضنة النبي ﷺ لا مرضعته، لأنه لا يعرف لها ولد إلا أيمن وأسامة، إلا أن يقال أن لبنها در له صلى الله تعالى عليه وسلم، ويروى أن أم أيمن شربت بوله ﷺ ولم تشعر به لأنه لم يكن كالمعهود، ولما أخبرته ضحك ولم ينكر عليها. وقال لها: "أما والله لا تجعن بطنك أبدا" ويروى أن أم أيمن لما كانت غزوة أحد، وهي في المدينة، فلما هرب المسلمون ودخل المدينة طائفة منهم تلقتهم أم أيمن، وجعلت تحثو التراب في وجوههم، وتقول لبعضهم: هاك المغزل فاغزل به، وهلم سيفك، ويروى أن أم أيمن كانت في الجيش تسقي الجرحى فرماها الحبان بن عرفة بسهم فأصابها، فشق ذلك على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدفع إلى سعد سهمًا لا نصل له وقال: ارم به فوقع السهم في نحر حبان، فوقع مستلقيًا حتى بدت نواجذه ثم قال: "استقاد لها سعد أجاب الله دعوته".
[١٦]