مولاة أبي لهب. قال ابن سيد الناس: أسلمت ثويبة ولم تهاجر ومن الناس من ينكر إسلامها، وقد ألف في إسلامها علاء الدين مغلطاي جزءًا ثم ذكر في سيرته: أن ابن حبان صحح حديثًا دل على إسلامها، وقد أثبت ابن منده إسلامها. وذكر في "الخصائص" أنه لم ترضعه ﷺ مرضعة إلا أسلمت، وكان إرضاعها له ﷺ بلبن ابن لها اسمه مسروح وقال جماعة بإسلامه، وقيل مات على الكفر، وقيل: قبل النبوة، وكانت أرضعت قبل النبي ﷺ أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهو ابن عم النبي ﷺ وكان أبو سفيان يألف النبي ﷺ قبل النبوة وعاداه بعدها وهجره وهجاه، ثم أسلم وعاد إلى مودته، ووقف مع النبي ﷺ المواقف العظيمة، ولما عاد أبو سفيان منهزمًا يوم بدر لقيه عمه أبو لهب وقال له: ما وراءك؟ قال: البلايا والرزايا، ما هو إلا أن لقينا القوم حتى منحناهم أكتافنا يأسرون ويقتلون كما شاءوا ولما أسلم أبو سفيان قربه النبي ﷺ وأدناه لأنه ابن عمه، ولما توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، رثاه أبو سفيان ابن الحرث فقال:
أرقتُ فباتَ ليلي لا يزولُ وليلُ أخي المصيبةِ فيه طولُ
وأسعدني البكاءُ وذاكَ فيما أصيبَ المسلمونَ بهِ قليلُ
لقد عظمت مصيبتنا وجلّت عشيّة قيلَ قد قبضَ الرسولُ
وأضحت أرضنا ما عراها تكادُ بنا جوانبها تميلُ
فقدنا الوحي والتنزيلَ فينا يروحُ به ويغدو جبرائيلُ
وذاكَ أحقُّ ما سالت عليهِ نفوسُ النّاسِ أو كادت تسيلُ
نبيٌّ كانَ يجلو الشّكَّ عنّا بما يوحى إليه وما يقولُ
ويهدينا فلا يخشى علينا ضلالًا، والرسولُ لنا دليلُ
أفاطمُ إن جزعتِ فذاكَ عذرٌ وإن لم تجزعي ذاك السّبيلُ
فقبرُ أبيكِ سيّدُ كلِّ قبرٍ وفيه سيّدُ النّاسِ الرسولُ
وتوفي أبو سفيان ﵁ سنة عشرين وكان أخا رسول الله ﷺ من الرضاع، وكان أولا صديقًا لرسول الله ثم عاداه، وهجاه، فأجابه حسان ﵁، بقوله:
ألا بلّغ أبا سفيانَ عنّي مغلغلةً فقد برحَ الجفاءُ
[ ٣٧ ]
هجوتَ محمدًا فأجبت عنهُ وعندَ الله في ذاكَ الجزاءُ
وكان قد قدم أبو سفيان ومعه ولده جعفر وعبد الله ابن عمته وهو أخو أم سلمة ﵂، في غزوة الفتح إلى عند النبي ﷺ فأعرض عنهم فقالت أم سلمة، ﵂: يا رسول الله لا يكون ابن عمك وأخو ابن عمك أشقى الناس بك، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: أما ابن عمي فهو الذي هجاني، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال يعني قوله تعالى (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) ثم قدما مسلمين فقبل إسلامهما ورضي عنهما، وشهدا معه الفتح وحنين والطائف، ويروى أن أبا سفيان ما رفع رأسه إلى النبي حياء منه. ويروى عنه ﷺ أنه قال: "أبو سفيان من شباب أهل الجنة أو سيد فتيان الجنة" ويروى أن أبا سفيان حفر قبر نفسه قبل موته بثلاثة أيام وسبب موته أنه حج فلما حلق قطع الحلاق ثألولًا كان في رأسه، وتمرض ومات وصلى عليه عمر ودفن في دار عقيل، وكان ﷺ يقول فيه: "إني لأرجو أن يكون خلفًا من حمزة" وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: "أبو سفيان خير أهلي، أو من خير أهلي" ويروى أن رسول الله ﷺ قال لعائشة ﵂: "هلمي فانظري إلى ابن عمتي الذي كان يهجو أول من يدخل المسجد وآخر من يخرج منه" وكانت ثويبة أرضعت قبل النبي ﷺ أبا سفيان والحمزة ﵁ عم النبي ﷺ وكان أسن من النبي بسنتين أو بأربعة.
ولما ولد سارت ثويبة إلى مولاها أبي لهب، وبشرته بولادة النبي المنتخب فأعتقها، وقد ذكرنا سابقا أن مما لا يجوز القول به لمخالفته القرآن من قال إنه يخفف العذاب عن أبي لهب كل يوم اثنين أو ليلته وأما الرؤيا التي ذكرت عن العباس أنه رأى فيها أبا لهب بالمنام فسأله عن حاله فقال له يخفف عني العذاب كل ليلة اثنين وأمص من بين أصابعي ماء مثل هذا وأشار إلى نقرة إبهامه وأن ذلك بإعتاقي لثويبة حين بشرتني بولادة محمد ﷺ ابن أخي وبإرضاعها له فهذا لا يقبل ومردود عليه لمخالفته ما جاء في قوله تعالى عن الكفار في النار (فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) سورة البقرة.
وذكر في "شرح ذات الشفاء" أنه إنما أعتقها لما هاجر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة، وكانت خديجة تكرمها، وطلبت من أبي لهب ابتياعها فأبى، فلما هاجر ﷺ أعتقها وكان ﷺ يبعث لها بصلة وكسوة، وهي بمكة. وجاء خبر موتها مرجعه من خيبر، سنة سبع من الهجرة، والله أعلم.
[١٨]