بنت أبي ذؤيب السعدية، وزوجها الحارث وهي من بني سعد بن بكر ابن هوازن أدركت الإسلام وأسلمت هي وزوجها الحارث وبنوها: عبد الله والشيماء وأنيسة، قيل كان ﷺ جالسًا على ثوب فأقبل أبوه من الرضاعة وهو الحارث فوضع له شق ثوبه، فقعد عليه، ثم: أقبلت أمه حليمة فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر، فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاع فقام وأجلسه مكانه، وقعد قبالته، وقيل: إن الحارث أسلم بعد وفاة رسول الله ﷺ وهذا غير صحيح، لأنه لما قدم مكة قبل الهجرة فأخبرته قريش بما يقوله النبي ﷺ فدخل عليه، فقال: أي بني إن قومك يشكونك ويزعمون أنك قلت: إن الناس يبعثون بعد الموت ثم يصيرون إلى جنة أو نار فقال ﷺ: "نعم أنا أقول ذلك ولو كان ذلك اليوم فلآخذن بيدك حتى أعرفك حديثك اليوم" فأسلم الحارث وكان يقول حين أسلم: لو أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني حتى يدخلني الجنة.
[ ٣٨ ]
ووفدت حليمة ﵂ على رسول ﷺ في أيام خديجة فأعطتها خديجة ﵂ عشرين رأسًا من الغنم، وبكرات من الإبل، وفي رواية: أربعين شاة وبعيرًا. ثم وفدت على رسول الله ﷺ يوم حنين فبسط لها رداءه فجلست عليه. قال القاضي عياض: وزارت أبا بكر، ﵁ ففعل كذلك وزارت عمر ﵁ وفعل مثل ذلك، والظاهر أنها توفيت قبل خلافة الصديق، ﵁ ولما سبيت أخته ﷺ من الرضاعة الشيماء يوم هوازن، فقالت لمن سباها: أنا أخت صاحبكم. فحملوها إليه ﷺ فقالت: يا رسول الله، أنا أختك. فقال: وما علامة ذلك؟ قالت: عضة منك في ظهري. فعرفها ﷺ فقام لها وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ودمعت لها عيناه وإلى هذا أشار صاحب الهمزية بقوله:
وأتى السبيُّ فيه أختُ رضاعِ وضعَ الكفرُ قدرها والسّباءُ
بسطَ المصطفى لها من رداءٍ أي فضلٍ حواهُ ذاك الرداءُ
وذكر الأموي في مغازيه عن حليمة، قالت: خرجت مع نسوة إلى مكة نريد الرضاع ومعي أتان ضعيف وشارف لنا لا ترض علينا بقطرة، وصبي لا ينام الليل من بكائه، فلما قدمنا مكة عرض علينا ﷺ فما منا امرأة قبلته، وكان أبوه قد مات، فكرهت أن أرجع ولم آخذ شيئًا، وقد أخذت صواحباتي، فقلت لزوجي: لأرجعن إلى ذلك اليتيم فآخذه، قال قد أصبت، عسى أن يجعل الله فيه خيرًا. قالت حليمة: فانطلقت وأخذته في حجري، فدر ثديي عليه فشرب وشرب أخوه حتى رويا ثم ناما وقام زوجي من الليل إلى شارفنا فإذا قد حفلت قالت: فشرب وسقاني وقال: إني أرجو أن تكوني قد أصبت نسمة مباركة، قالت حليمة: ثم خرجنا فذهبت الأتان أمام الركب فقالوا: يا حليمة أليست الأتان التي نعرف؟ قلت بلى. فقدمنا بلادنا وهي مجدبة، فوالذي نفس حليمة بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم إذا أصبحوا ويسرح راعي غنمي، فترجع أغنامهم جياعًا وترجع غنمنا شباعًا، فما كان في أرضنا من يشرب اللبن غيرنا، وذكر في بعض السير، قالت حليمة: لما بلغ ﷺ سنتين قدمنا به إلى أمه فلما نزل بها حتى قالت: ارجعا به. وذكر أن عبد المطلب خرج يلتمس له مرضعة فعثر بحليمة فدفعه إليها. وقيل: إن أتانها كانت تنطق وتقول إن شأنًا ثم شأنًا، وتسبق الركب وكان ﷺ حين بلغ ثمانية أشهر يتكلم بحيث يسمع كلامه، وفي تسعة أشهر تكلم بالكلام الفصيح، وفي عشرة أشهر، كان يرمي مع الصبيان، وعن ابن عباس ﵁ أن أول كلام تكلم به ﷺ حين فطمته حليمة: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. وفي رواية: أنه تكلم ﷺ في بعض الليالي، وهو عند حليمة بقوله: لا إله إلا الله قدوسًا نامت العيون، والرحمن لا تأخذه سنة ولا نوم. وفي رواية: أنه كان لا يمس شيئًا إلا قال: بسم الله. قالت حليمة: كان ينزل عليه كل يوم نور كنور الشمس ثم ينجلي عنه. وكان يشم من منازل سعد نسيم المسك، حين حصل فيهم وأخصبت أراضيهم، وكانت حليمة ترقصه بقولها:
يا رب إذا أعطيتهُ فأبقهِ وأعلهِ إلى العلى ورقّهِ
وادحض أباطيلَ العدا بحقّهِ
وكانت أخته الشيماء ترقصه بقولها:
هذا أخي ولم تلدهُ أمي وليس من أبي ونسل عميّ
فديته من مخوّل معمِّ
[ ٣٩ ]
وذكر في "شرح ذات الشفاء" أنه ﷺ لما بلغ سنتين خرج مع أخيه من الرضاع عبد الله بن حليمة إلى المرعى، وقيل: يلعبان خلف البيت، وذلك بعد ما ذهبت به حليمة إلى أمه آمنة وعادت به خوفًا عليه من وباء مكة ووخمها، فرجعت به حليمة إلى منازلها، فبينما هو يلعب مع أخيه إذ جاء أخوه يشتد فقال: أدركا أخي فقد جاء رجلان فأضجعاه فشقا بطنه، قالت حليمة: فخرجنا حتى انتهينا فوجدناه قائمًا، فقلنا ما لك؟ فقال ﷺ: جاءني رجلان فشقا بطني واستخرجا قلبي قالت حليمة: فقال لي زوجي: أرى الغلام قد عرض فلو رددناه قبل أن يظهر به إلى أمه، قالت حليمة: فرددناه إلى أمه، فقالت ما بالكما، قد كنتما ضنين به وإن لكما شأنًا، فأخبرناها فقالت: أتخوفتما عليه؟ والله إن لابني هذا شأنًا، وأخبرتهما ببعض ما رأت من، وقال أنس ﵁: كنت أرى الخيط في صدره ﷺ وقال ابن عباس ﵄ رجع ﷺ إلى أمه وهو ابن خمس سنين وقال غيره: وهو ابن أربع سنين. وقال الواقدي ست سنين، وفي رواية: أن نفرًا من الحبشة رأوه ﷺ مع حليمة، وكان لهم علم من الكتاب فأرادوا حمله إلى ملكهم، فما زالت بهم حتى تكفوا عنه. وذكر في "شرح ذات الشفاء" أن شق صدره ﷺ تكرر ثلاث مرات: إحداهما عند حليمة، والثانية عند مجيء جبرائيل له بالوحي في غار حراء، والثالثة ليلة الإسراء غسل بماء زمزم، وقيل: تكرر أربع مرات، وقيل: خمس مرات. وأعلم أنه يجب الإيمان بشق صدره ﷺ وإخراج القلب وطرح العلقة منه، وإن كان خارقًا للعادة والقدرة صالحة لذلك والأحاديث فيه مشهورة.
وذكر في "المصابيح" عن قتادة عن أنس ابن مالك، ﵁، أن رسول الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به: "بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضجعًا إذ أتاني آت، فشق ما بين هذه إلى هذه يعني: من ثغرة نحره إلى شعرته فاستخرج قلبه، ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانًا، فغسل قلبي، ثم حشي، ثم أعيد وفي رواية: ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ إيمانًا وحكمة" الحديث وقد سبق الكلام عن وفاة حليمة، والله ﷾ أعلم.
[١٩]