أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق ﵁ ذكرنا حديث خولة لما قالت له ﷺ: ألا تتزوج؟ فقال: "بمن؟ " فذكرت عائشة وسودة، فقال: "اذهبي فاخطبيهما". فدخلت خولة على أم رومان زوجة الصديق. فقالت: أبشرى بالخير والكرامة. فأخبرتها الخبر. فشاورت الصديق: فقال: هي بنت أخيه فإن تصلح له زوجتها منه. فقال ﷺ: "هو أخي وأنا أخوه، وابنته تصلح لي فزوجه إياها".
وذكر في "مختصر ابن الوردي": أنه ﷺ تزوج بعائشة ﵂ قبل الهجرة بعد وفاة خديجة ودخل بها الهجرة بثمانية أشهر، وهي بنت تسع سنين، وتوفي النبي ﷺ وهي بنت ثماني عشرة سنة، وذكر أنه تزوج بها بمكة.
[ ٤٥ ]
وفي كتاب "الدر المكنون": أنه ﷺ دخل بعائشة ﵂ في شوال في السنة الثانية بعد وقعة بدر الكبرى، فإن غزوة بدر كانت في رمضان، ودخل بها ﷺ وهي بنت تسع سنوات وروى البخاري عنى عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال لها: "أريتك في النوم مرتين أرى ملكًا يحملك في سرقة أي: شقة حرير فيقول: هذه امرأتك، فأكشف فأراك، فأقول: إن كان [هذا] من عند الله فيمضه". ولم يتزوج رسول الله بكرًا غيرها، وبعد أن نبي بها ﷺ بأربعة أشهر ونصف، دخل علي رضي الله [عنه] بفاطمة، ﵂، وذكر في "شرح ذات الشفاء": أنه ﷺ تزوجها قبل الهجرة بسنتين أو ثلاث بعد موت خديجة ﵂ قبل سودة، وقيل: بعدها وهي بنت ست سنين أو سبع، وبنى عليها بالمدينة، وهي بنت تسع سنين وأصدقها أربعمائة درهم، وكان ﷺ قد رأى صورتها في المنام في حريرة، ومكثت عنده تسع سنين، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة، ولم يتزوج بكرًا غيرها، وكانت أحب الناس إليه، قال عمرو بن العاص: قلت: يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ قال: "عائشة". قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها". قال عروة رضي الله [عنه]: ما رأيت أعلم بفقه ولا شعر ولا طب من عائشة ﵂. وكانت تكنى بأم عبد الله، وهو عبد الله بن أسماء أختها، وكان رسول الله ﷺ قد كناها بأم عبد الله في حجة الوداع. ويقال: إنها أتت منه ﷺ بسقط وسمي عبد الله. وقال الدمياطي: لم يثبت هذا. وفي "المعالم": قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا أراد السفر أقرع بين أزواجه أيتهن خرج سهمها خرج بها، ولما كانت غزوة بني المصطلق [في ال] سنة السادسة أقرع بيننا فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ فكنت أحمل في هودج حتى إذا فرغ من غزوته وقفل، [و] دنونا من المدينة فقمت حين رحلوا وجاوزت الجيش فلما قضيت حاجتي عدت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع قد انقطع، فعدت ورأيته، وكان الرهط الذين يرحلونني احتملوا هودجي على بعيري ورحلوا يحسبون أني فيه، ولما وجدت عقدي عدت فلم أر أحدًا فجلست ونمت وكان صفوان بن معطل قد عرس من وراء الجيش فأدلج، وأصبح عند منزلي. فعرفني فخمرت وجهي، والله ما كلمني بكلمة ولا سمعت غير استرجاعه، وأناخ ناقته فركبتها، وانطلق يقود زمامها حتى أتينا الجيش في الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي [ابن] سلول. قالت: فقدمنا المدينة فاشتكيت شهرًا والناس يفيضون بقول أصحاب الإفك ولا أعرف منه شيئًا، حتى نقهت فخرجت مع أم مسطح لقضاء حاجتي، وعدنا فعثرت أم مسطح [في مرطها]، فقالت: تعس مسطح! فقلت لها: تسببن من شهد بدرًا؟ فقالت: أو ما سمعت ما قال؟ وأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضًا على مرضي، ودخلت بيتي، ودخل علي ﷺ فقلت له: أتأذن لي أن آتى أبوي؟ فأذن، فسرت إلى أمي، وقلت لها: ماذا يتحدث الناس؟ قالت: هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها [و] لها ضرائر إلا كثرن عليها، فقلت: أوقد تحدث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة وأصبحت لا يرقأ لي دمع، فدعا ﷺ عليًا وأسامة يستشيرهما في فراقي، فقال أسامة: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا. وقال علي: ﵁: لم يضيق الله عليك، والنساء كثيرة فأسأل الجارية تصدقك. فدعا النبي ﷺ بريرة فقال: أي بريرة! هل رأيت من شيء يربيك؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرًا قط أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله فقام ﷺ وصعد المنبر وقال: "يا معشر المسلمين من [يعذرني من] رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي؟ والله ما علمت على أهلي إلا الخير". فقام سعد بن معاذ فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس أضرب عنقه، وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فقال له سيد الخزرج سعد بن عبادة: كذبت! لا تقتله ولا تقدر على قتله! فقام أسيد بن حضير وقال لسعد بن عبادة: كذبت أنت، لنقتلنه، وإنك منافق تجادل عنى المنافقين! فثارت الأوس والخزرج وهموا بالقتال ورسول الله على المنبر، ثم أسكتهم، فبكيت
[ ٤٦ ]
يومي كله فكان يومًا وليلتين، فقدمت علي امرأة من الأنصار وجلست تبكي معي، فدخل علي ﷺ وجلس ولم يكن عندي منذ قيل ما قيل، ولبث الوحي شهرًا، فتشهد ﷺ حين جلس ثم قال: "أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري [الله] وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف [بذنبه]، ثم تاب، تناب الله عليه" فقلت لأبي أجب رسول الله، فقال: إني والله لا أدري ما أقول. فقلت لأمي: أجيبي رسول الله فيما قال، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله، فقلت: إني جارية حديثة السن لا أقرأ القرآن كثيرًا. إني والله، لقد علمت أنكم قد سمعتم هذا الحديث، واستق في أنفسكم، وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة منه لا تصدقوني لئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقوني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف حين قال: (فصبر جميل) ثم تحولت ونمت على فراشي، فوالله ما رام رسول الله مجلسه ولا خرج أحد حتى أنزل الله عليه الوحي، فسري عن رسول الله ونهو يضحك، وقال: "يا عائشة أما والله فقد براك الله" فقالت أمي: قومي إليه! فقلت: والله لا أقوم إليه. ولا أحمد إلا الله، وأنزل الله: (أظن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) وهي عشر آيات.
وذكر في "المدارك في تفسير القرآن" في براءة عائشة ﵂ قوله: ولم يغلظ الله في القرآن في شيء من المعاصي تغليظه في إفك عائشة، فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل وأكد وكرر، وما ذاك إلا لأمر. قال ابن عباس ﵁: من أذنب ذنبًا ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة ﵂ وهذا منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك، ولقد برأ الله أربعة بأربعة، برأ يوسف ﵇ بشاهد من أهلها، وبرأ موسى ﵇ من قول اليهودي فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها عيسى قال: (إني عبد الله) وبرأ عائشة ﵂ بالآي العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر بهذه المبالغات، فانظر كم بينها وبين [تبرئة] أولئك، وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله ﷺ.
وذكر في "شرح الجوهرة": قد أجمع المسلمون على حرمة سب آل بيته ﷺ وأزواجه وأصحابه وتنقيصهم، وذكر في "المدارك" في تفسير سورة النور قوله: وإنما جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح، وامرأة لوط، ولم يجز أن تكون فاجرة لأن النبي المبعوث ليدعو إلى الإيمان فيجب أن لا يكون معه ما ينفرهم عنه، والكفر غير منفر عندهم، وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات، وفي "شرح الجوهرة" هل حد النبي ﷺ أهل الإفك؟ نعم، بعد نزول البراءة حد رجلين: حسان ومسطح، وامرأة هي حمنة أخت زينب بنت جحش، وقيل: حد ابن سلول، والأصح أنه لم يحده لأنه ليس أهلًا الكفارة، [و] لأنه من المنافقين. وذكر "أهل السير": لما دخلت [ال؟] سنة الحادية عشرة ليلة الأربعاء، وبدأ المرض به ﷺ قالت عائشة ﵂ وكان ﷺ في البقيع وعاد [ف] وجدني وأنا أجد صداعًا في رأسي وأنا أقول: وارأسي. فقال: ﷺ "بل وارأساه، وما يضرك لو مت قبلي، قمت عليك، وكفنتك وصليت عليك ودفنتك"، قالت عائشة: فقلت: واثكلاه والله إنك لتحب موتي، فلو كان ذلك لظللت يومك معرسًا ببعض أزواجك! فتبسم، ﷺ فقال: "بل وأنا وارأساه" وتمرض رسول الله ﷺ وصار يدور على نسائه فاشتد به المرض عند ميمونة، فاستأذن نساءه أن يمرض في بيتي فأذن له، وصار يقول وزهو عند ميمونة: "أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟ " يريد يوم عائشة ﵂ وتوفي ﷺ وهو في بيت عائشة ﵂.
وذكر أصحاب التاريخ والسير: أنه ﷺ قال يومًا لزوجاته: "أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها، وعن شمالها قتلى كثيرة وتنجو بعدما كادت". وقال ﷺ لعلي، ﵁: "سيكون بينك وبين عائشة أمر قال: فأنا أشقاهما يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن إذا كان ذلك فازددها إلى مأمنها".
[ ٤٧ ]
ولما كانت سنة ست وثلاثين كانت وقعة الجمل وسببها، لما بويع علي ﵁ بالخلافة ندم طلحة ﵁ والزبير ﵁ على خذلان عثمان ﵁ فاجتمعوا واتفقوا مع عائشة ﵂، واشتروا لها جملًا، وحملوها وساروا إلى البصرة فنزلوا على بعض المياه فنبحت الكلاب، فقالت عائشة: أي ماء هذا؟ قالوا: الحوأب، فتذكرت الحديث السابق، قالت: ما أظنني إلا راجعة، ثم ساروا بها، فلما تلاقى العسكران واقتتلوا وقتل طلحة ﵁ وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفًا وعقروا جمل عائشة ﵂ واحتملها محمد إلى عند علي ﵁ فلم يعنفها، وتذكر الحديث فأرجعها إلى مأمنها_ انتهى.
وفي سنة سبع وخمسين توفيت أم المؤمنين عائشة ﵂ تزوجها ﷺ بكرًا، وكانت أحب الناس إليه، وكانت من أعلم الناس، ودفنت بالبقيع والله أعلم.
[٢٨]