تقدم أنه أول من أسلم وأول من صلى، وأجمعوا أنه صلى إلى القبلتين وهاجر، وشهد بدرًا والحديبية وبيعة الرضوان والمشاهد كلها غير تبوك. استخلفه رسول الله -ﷺ- فيها على المدينة وعلى عماله بها، وأنه أبلى ببدر وأحد والخندق وخيبر بلاء عظيما، وأنه أغنى في تلك المشاهد وقام القيام الكريم، وكان لواء رسول الله -ﷺ- بيده في مواطن كثيرة منها يوم بدر على خلف فيه؛ ولما قتل مصعب بن عمير يوم أحد وكان لواء رسول الله -ﷺ- بيده، دفعه رسول الله -ﷺ- إلى علي. أخرجه أبو عمر.
وقد تقدم في خصائصه أن لواء رسول الله -ﷺ- كان بيده في كل زحف، فيحمل الكل على الأكثر تغليبًا للكثرة، وهو شائع في كلامهم؛ توفيقًا بين الروايتين. وكان رسول الله -ﷺ- إذا لم يغزُ لم يعط سلاحه إلا عليًّا أو أسامة. أخرجه أحمد في المناقب، وشهد له النبي -ﷺ- بالشهادة في حديث: "تحرك حرا" وثبت له أفضل فضيلة بالمصاهرة وأقرب القرابة، وقد تقدمت أحاديثهما.
[ ٣ / ١٨٦ ]
ومن أدل دليل على عظيم منزلته من رسول الله -ﷺ- صنيعه في المؤاخاة كما تقدم، فإنه -ﷺ- جعل يضم الشكل إلى الشكل يؤلف بينهما إلى أن آخى بين أبي بكر وعمر، وادخر عليا لنفسه وخصه بذلك، فيا لها من مفخرة وفضيلة!!
وقد روي أن معاوية قال لضرار الصدائي: صف لي عليا، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين قال: لتصفنه، قال: أما إذ لا بد من وصفه، كان والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلا ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس إلى الليل ووحشته، وكان غزير العبرة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعان ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين ولا يطمع القوي في باطه ولا ييأس الضعيف من عدله؛ وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه -وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه- قابضًا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا غري غيري، إلي تعرضت أم إلي تشوقت؟ هيهات! هيهات! قد طلقتك ثلاثًا لا رجعة فيها فعمرك قصير وخطرك قليل، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق!
فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا حسن، كان والله كذلك؛ فيكف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح واحدها في حجرها. أخرجه الدولابي وأبو عمر وصاحب الصفوة.
وعن الحسن بن أبي الحسن -وقد سئل عن علي بن أبي طالب- قال: كان علي والله سهمًا صائبًا من مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة وذا فضلها، وذا سابقتها، وذا قرابتها من رسول الله -ﷺ- لم يكن بالنومة عن
[ ٣ / ١٨٧ ]
أمر الله، ولا بالملومة في دين الله ﷿، ولا بالسروقة لمال الله ﷿، أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة؛ ذلك علي بن أبي طالب. أخرجه القلعي.
وقد تقدم في باب الأربعة وصف ابن عباس له؛ وفضائله أكثر من أن تعد. قال أحمد بن حنبل والقاضي إسماعيل بن إسحاق: لم يرد في فضائل أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما روي في فضائل علي بن أبي طالب -﵁.
ذكر محبة الله -﷿- ورسوله -ﷺ- له:
تقدم في الخصائص ذكر أحبية الله ورسوله له، وهي متضمنة المحبة مع الترجيح فيها على الغير.
عن بريدة قال: قال رسول الله -ﷺ: "إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم" قيل يا رسول الله، فسمهم لنا، قال: "علي منهم -يقول ذلك ثلاثًا- وأبو ذر وسلمان والمقداد، أمرني بحبهم وأخبرني أنه يحبهم" أخرجه أحمد والترمذي وقال: حسن غريب.
وعن ابن عباس -﵄- أن عليا دخل على النبي -ﷺ- فقام إليه وعانقه وقبَّل بين عينيه، فقال العباس: أتحب هذا يا رسول الله؟ فقال: "يا عم، والله لله أشد حبا له مني" أخرجه أبو الخير القزويني.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى -وقد ذكر عنده علي وقول الناس فيه- فقال عبد الرحمن: قد جالسناه وجاريناه وواكلناه وشاربناه وقمنا له على الأعمال، فما سمعته يقول شيئًا مما يقولون، أولا يكفيكم أن يقولوا: ابن عم رسول الله -ﷺ- وحبيبه وشهد بيعه الرضوان وشهد بدرًا؟ أخرجه أحمد في المناقب.
[ ٣ / ١٨٨ ]
ذكر فضل منزلته من رسول الله -ﷺ:
عن عبد الله بن الحارث قال: قلت لعلي بن أبي طالب: أخبرني بأفضل منزلتك من رسول الله -ﷺ؟ قال: نعم، قال: بينما أنا نائم عنده وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته قال: "يا علي، ما سألت الله -﷿- من الخير إلا سألت لك مثله، وما استعذت الله من الشر إلا استعذت لك مثله" أخرجه المحاملي.
ذكر أنه ما اكتسب مكتسب مثل فضله:
عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله -ﷺ: "ما اكتسب مكتسب مثل فضل علي، يهدي صاحبه إلى الهدى ويرد عن الردى" أخرجه الطبراني.
ذكر الحث على محبته، والزجر عن بغضه:
تقدم في الخصائص في ذكر: "من أحبك فقد أحبني، ومن أبغضك فقد أبغضني" طرف من ذلك.
وعن علي -﵇- قال: قال رسول الله -ﷺ: "من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة" أخرجه أحمد والترمذي وقال: حديث غريب.
وعنه أنه قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي -ﷺ- لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. أخرجه مسلم، وأخرجه أبو حاتم وقال: وذرأ النسمة، إنه لعهد النبي -ﷺ- إلي: أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. وأخرجه الترمذي ولفظه: عهد إلي من غير قسم، وقال: حسن صحيح.
وعن أم سلمة -﵂- كان رسول الله -ﷺ- يقول: "لا يحب عليًّا منافق، ولا يبغضه مؤمن" أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب.
[ ٣ / ١٨٩ ]
"شرح" ذرأ: خلق، من ذرأ الله لخلق النسمة: النفس وكل ذي روح فهو نسمة.
وعنها أن رسول الله -ﷺ- قال لعلي: "لا يبغضك مؤمن، ولا يحبك منافق" أخرجه أحمد في المسند.
وعن المطلب بن عبد الله بن حطب عن أبيه قال: قال رسول الله -ﷺ: "يا أيها الناس أوصيكم بحب ذي قرنيها أخي وابن عمي علي بن أبي طالب؛ فإنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق، من أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني" أخرجه أحمد في المناقب.
وعن الحارث الهمداني قال: رأيت عليا على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: قضاء قضاه الله -﷿- على لسان نبيكم النبي الأمي -ﷺ- أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق. أخرجه ابن فارس.
وعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغضهم عليا. أخرجه أحمد في المناقب، وأخرجه الترمذي عن أبي سعيد ولفظه قال: إن كنا لنعرف المنافقين -نحن معشر الأنصار- ببغضهم علي بن أبي طالب، وقال: غريب.
وعن أبي ذر -﵁- قال: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله -ﷺ- إلا بثلاث: بتكذيبهم الله ورسوله، والتخلف عن الصلاة، وبغضهم علي بن أبي طالب. أخرجه ابن شاذان.
وعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله -ﷺ: "من أحب أن يستمسك بالقضيب الأحمر الذي غرسه الله في جنة عدن فليستمسك بحب علي بن أبي طالب" أخرجه أحمد في المناقب.
وعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ: "حب علي يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب" أخرجه الملاء.
[ ٣ / ١٩٠ ]
وعن أنس -﵁- قال: دفع علي بن أبي طالب إلى بلال درهما يشتري به بطيخًا؛ قال: فاشتريت به فأخذ بطيخة فقورها فوجدها مرة فقال: يا بلال رد هذا إلى صاحبه، وأتني بالدرهم فإن رسول الله -ﷺ- قال لي: "إن الله أخذ حبك على البشر والشجر والثمر والبذر، فما أجاب إلى حبك عذب وطاب، وما لم يجب خبث ومر" وإني أظن هذا مما لم يجب. أخرجه الملاء، وفيه دلالة على أن العيب الحادث إذا كان مما يطلع به على العيب القديم لا يمنع من الرد.
وعن فاطمة بنت رسول الله -ﷺ- قالت: قال رسول الله -ﷺ: "إن السعيد كل السعيد حق السعيد من أحب عليا في حياته، وبعد موته" أخرجه أحمد.
وعن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "يا علي، طوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك" أخرجه ابن عرفة.
وعن سعيد بن المسيب أن رجلا كان يقع في الزبير وعلي، فجعل سعد بن مالك ينهاه ويقول: لا تقس في إخواننا، فأبى، فقام سعد وصلى ركعتين ثم قال: اللهم إن كان مسخطا لك ما يقول فأرني به واجعله آية للناس، فخرج الرجل فإذا هو ببختي يشق الناس، فأخذه ووضعه بين كركرتيه وبين البلاط فسحبه حتى قتله، وجاء الناس يسعون إلى سعد يبشرونه: هنيئًا لك أبا إسحاق قد استجيبت دعوتك. أخرجه القلعي، وأخرج معناه أبو مسلم بن عامر عن عامر بن سعد ولفظه: قال: بينما سعد يمشي إذ مر برجل وهو يشتم عليا وطلحة والزبير، فقال له سعد: إنك لتشتم قوما قد سبق لهم من الله ما سبق، والله لتكفن عن شتمهم أو لأدعون الله عليك فقال: يخوفني كأنه نبي! قال فقال سعد: اللهم إن كان قد سب أقوامًا سبق لهم منك ما سبق فاجعله اليوم نكالا؛
[ ٣ / ١٩١ ]
قال: فجاءت بختية وأفرج الناس لها فتخبطته، قال: فرأيت الناس يبتدرون سعدا فيقولون: استجاب الله لك أبا إسحاق. أخرجه الأنصاري وأبو مسلم.
وعن علي بن زيد بن جدعان قال: كنت جالسا إلى سعيد بن المسيب فقال: يا أبا الحسن مر قائدك يذهب بك فتنظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده، فانطلق فإذا وجهه وجه زنجي وجسده أبيض قال: إني أتيت على هذا وهو يسب طلحة والزبير وعليا، فنهيته، فأبى فقلت: إن كنت كاذبا يسود الله وجهك، فخرج في وجهه قرحة فاسود وجهه. أخرجه ابن أبي الدنيا.
وعن حوثرة بن محمد البصري قال: رأيت يزيد بن هارون الواسطي في المنام بعد موته بأربع ليالٍ، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: تقبل مني الحسنات وتجاوز عني السينات وأذهب عني التبعات، قلت: وما كان بعد ذلك؟ قال: وهل يكون من الكريم إلا الكرم؟ غفر لي ذنوبي وأدخلني الجنة، قلت: بم نلت الذي نلت؟ قال: بمجالس الذكر وقولي الحق وصدقي في الحديث وطول قيامي في الصلاة وصبري على الفقر، قلت: منكر ونكير حق؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو، لقد أقعداني وسألاني فقالا لي: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فجعلت أنفض لحيتي البيضاء من التراب فقلت: مثلي يسأل؟! أنا يزيد بن هارون الواسطي، وكنت في دار الدنيا ستين سنة أعلم الناس، قال أحدهما: صدق وهو يزيد بن هارون نم نومة العروس، فلا روعة عليك بعد اليوم. قال أحدهما: أكتبت عن حريز بن عثمان؟ قلت: نعم، وكان ثقة في الحديث. قال: ثقة ولكن كان يبغض عليا، أبغضه الله ﷿. أخرجه ابن الطباخ في أماليه.
ذكر شفقته -ﷺ- ورعايته ودعائه له:
عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة بن رافع الأنصاري عن أبيه عن جده
[ ٣ / ١٩٢ ]
قال: أقبلنا من بدر ففقدنا رسول الله -ﷺ- فنادت الرفاق بعضها بعضًا: أفيكم رسول الله -ﷺ؟ فوقفوا حتى جاء رسول الله -ﷺ- ومعه علي بن أبي طالب. فقالوا: يا رسول الله فقدناك، قال: "إن أبا حسن وجد مغصًا في بطنه، فتخلفت عليه" أخرجه أبو عمر.
وعن أم عطية قالت: بعث رسول الله -ﷺ- جيشًا فيهم علي بن أبي طالب قالت: فسمعت رسول الله -ﷺ- وهو رافع يديه يقول: "اللهم لا تمتني حتى تريني عليًّا" أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب.
وعن علي قال: كنت إذا سألت النبي -ﷺ- أعطاني، وإذا سكتُّ ابتداني. أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب.
وعنه قال: كنت شاكيًا فمر بي رسول الله -ﷺ- وأنا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرًا فارفع عني، وإن كان بلاء فصبرني، فقال رسول الله -ﷺ: "كيف قلت؟" فأعدت عليه، فضربني برجله وقال: "اللهم عافه، أو اشفه" شعبة الشاك قال: فما اشتكيت وجعي ذاك بعد. أخرجه أبو حاتم.
وعنه قال: قال لي رسول الله -ﷺ: "يا علي إياك ودعوة المظلوم، فإنما يسأل الله حقه، وإن الله لا يمنع ذا حق حقه" أخرجه الخلعي.
وعن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- بعث عليا ثم بعث رجلا خلفه، وقال: "ارعه، ولا تدعه من ورائه" أخرجه الدارقطني.
ذكر طروق النبي -ﷺ- عليا ليلًا، يأمره بصلاة الليل:
عن علي أن النبي -ﷺ- طرقه وفاطمة ليلا فقال: "ألا تصلون؟" فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله -﷿- فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف رسول الله -ﷺ- حين قلت ذلك، فسمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول: " ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ". أخرجه مسلم
[ ٣ / ١٩٣ ]
والترمذي والنسائي.
وفي رواية أنه قال: "قوما فصليا" ثم رجع إلى منزله، فلما مضى هوي من الليل رجع، فلم يسمع لنا حسا، فقال: "قوما فصليا" فقمت وأنا أعرك عيني، فقلت: ما نصلي إلا ما كتب لنا، الحديث. أخرجه أبو القاسم في الموافقات.
ذكر كسوة النبي -ﷺ- عليا ثوب حرير:
عن علي ﵇ قال: كساني رسول الله -ﷺ- حلة سيراء، فخرجت بها فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي.
وفي أفراد مسلم عنه أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي -ﷺ- ثوب حرير، فأعطاه عليًا وقال: "شققه خمرًا بين الفواطم".
وعنه قال: أهدي لرسول الله -ﷺ- حلة مسيرة بحرير، إما سداها وإما لحمتها، فبعث النبي -ﷺ- بها إلي، فقلت: يا رسول الله، ما أصنع بها؟ قال: "لا أرضى لك شيئًا، وأكره لنفسي، اجعلها خمرًا بين الفواطم" فشققت منها أربعة أخمرة، خمارًا لفاطمة بنت أسد أم علي، وخمارًا لفاطمة بنت محمد -ﷺ- وخمارًا لفاطمة بنت حمزة، وذكر فاطمة أخرى نسيتها. أخرجه ابن الضحاك.
ذكر تعميمه إياه -ﷺ- بيده:
عن عبد الأعلى بن عدي النهرواني أن رسول الله -ﷺ- دعا عليا يوم غدير خم، فعممه وأرخى عذبة العمامة من خلفه.
ذكر الزجر عن الغلو فيه:
عن علي ﵇ قال: قال رسول الله -ﷺ: "فيك مثل من عيسى ﵇، أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى
[ ٣ / ١٩٤ ]
أنزلوه بالمنزلة التي ليس بها" ثم قال: "يهلك فيَّ رجلان: محب مفرط بما ليس في، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني" أخرجه أحمد في المسند.
وعنه قال: ليحبني أقوام حتى يدخلوا النار فيَّ بحبي، ويبغضني أقوام حتى يدخلوا النار فيَّ ببغضي. أخرجه أحمد في المناقب.
"سرح" بهتوه أي: كذبوا عليه من البهت وهو الكذب وقول الباطل، والشنآن "مهموز بالتحريك بالفتح والإسكان، وبغير همز محركا بالفتح": البغض، تقول منه: شنئته شنئًا بفتح الشين وكسرها وضمها ومنشأ وشنآنا بالتحريك والإسكان كما تقدم. قاله الجوهري.
وعن السدي قال: قال علي: اللهم العن كل مبغض لنا، وكل محب لنا غالٍ. أخرجه أحمد في المناقب.
ذكر إحراق علي قومًا اتخذوه إلهًا دون الله ﷿:
عن عبيد بن شريك العامري عن أبيه قال: أتى علي بن أبي طالب، فقيل: إن ههنا قومًا على باب المسجد يزعمون أنك ربهم، فدعاهم فقال لهم: ويلكم!! ما تقولون؟! قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا، فقال: ويلكم!! إنما أنا عبد مثلكم، آكل الطعام كما تأكلون وأشرب مما تشربون، إن أطعته أتابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا فأبوا، فطردهم، فلما كان من الغد غدوا عليه فجاء قنبر، فقال: والله رجعوا يقولون ذاك الكلام، فقال: أدخلهم علي، فقالوا له مثل ما قالوا، وقال لهم مثل ما قال إلا أنه قال: إنكم ضالون مفتونون، فأبوا، فلما أن كان اليوم الثالث أتوه فقالوا له مثل ذاك القول فقال: والله لئن قلتم لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا أن يتموا على قولهم، فخدَّ لهم أخدودًا بين باب المسجد والقصر، وأرقد فيه نارًا، وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعون، فأبوا، فقذف بهم فيها. خرجه
[ ٣ / ١٩٥ ]
المخلص الذهبي. وتزيدهم محمول على الاستتابة وإحراقهم -مع النهي عنه- محمول على رجاء رجوعهم أو رجوع بعضهم.
ذكر شبهه بخمسة من الأنبياء -﵈- في مناقب لهم:
عن أبي الحمراء قال: قال رسول الله -ﷺ: "من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى يحيى بن زكريا في زهده، وإلى موسى بن عمران في بطشه فلينظر إلى علي بن أبي طالب" أخرجه القزويني الحاكمي.
وعن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: "من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه، وإلى نوح في حكمه، وإلى يوسف في جماله فلينظر إلى علي بن أبي طالب" خرجه الملاء في سيرته.
ذكر رؤيته جبريل عند النبي، وكلام جبريل لهما ﵉:
عن علي قال: دخلت على رسول الله -ﷺ- وهو مريض، فإذا رأسه في حجر رجل أحسن ما رأيت من الخلق والنبي -ﷺ- نائم، فلما دخلت عليه قال: ادن إلى ابن عمك، فأنت أحق به مني، فدنوت منهما، فقام الرجل وجلست مكانه، فقال النبي -ﷺ: "فهل تدري من الرجل؟" قلت: لا بأبي وأمي، قال النبي -ﷺ: "ذاك جبريل كان يحدثني حتى خف عني وجعي، ونمت ورأسي في حجره" أخرجه أبو عمر محمد اللغوي.
وعن ابن عباس -﵄- وقد ذكر عنده علي قال: إنكم لتذكرون رجلا كان يسمع وطء جبريل فوق بيته. أخرجه أحمد في المناقب.
ذكر أن النظر إليه عبادة:
عن عائشة -﵂- قالت: رأيت أبا بكر يكثر النظر إلى وجه
[ ٣ / ١٩٦ ]
علي، فقلت: يا أبت، رأيتك تكثر النظر إلى وجه علي فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "النظر إلى وجه علي عبادة" أخرجه ابن السمان في الموافقة.
وعنها قالت: كان إذا دخل علينا علي وأبي عندنا لا يمل النظر إليه، فقلت له: يا أبت، إنك لتديمن النظر إلى علي فقال: يا بنية، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "النظر إلى علي عبادة" أخرجه الخجندي.
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ: "النظر إلى وجه علي عبادة " أخرجه أبو الحسن الحربي.
وعن عمرو بن العاص مثله، أخرجه الأبهري.
وعن معاذة الغفارية قالت: كان لي أنس بالنبي -ﷺ- أخرج معه في الأسفار، وأقوم على المرضى، وأداوي الجرحى فدخلت على رسول الله -ﷺ- في بيت عائشة وعلي خارج من عنده، فسمعته يقول: "يا عائشة، إن هذا أحب الرجال إلي وأكرمهم علي، فاعرفي له حقه وأكرمي مثواه" فما أن جرى بينها وبين علي بالبصرة ما جرى رجعت عائشة إلى المدينة، فدخلت عليها فقلت لها: يا أم المؤمنين، كيف قلبك اليوم بعدما سمعت رسول الله -ﷺ- يقول لك فيه ما قال؟ قالت: يا معاذة كيف يكون قلبي لرجل كان إذا دخل علي وأبي عندنا لا يمل من النظر إليه فقلت له: يا أبت إنك لتديمن النظر إلي علي، فقال: يا بنية سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "النظر إلى وجه علي عبادة" أخرجه الخجندي.
وعن جابر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- لعلي: "عد عمران بن الحصين فإنه مريض" فأتاه وعنده معاذ وأبو هريرة، فأقبل عمران يحد النظر إلى علي، فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "النظر إلى علي عبادة"، قال معاذ: وأنا سمعته من رسول الله -ﷺ- وقال
[ ٣ / ١٩٧ ]
أبو هريرة: وأنا سمعته من رسول الله -ﷺ. أخرجه ابن أبي الفرات.
وعن ابن لعلي بن أبي طالب أنه قيل له، وقد أدام النظر إلى وجه علي: ما لك تديم النظر إليه؟ فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "النظر إلى وجه علي عبادة" أخرجه أبو الخير الحاكمي.
ذكر اشتياق أهل السماء، والأنبياء الذين في السماء إليه:
عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ: "ما مررت بسماء إلا وأهلها يشتاقون إلى علي بن أبي طالب، وما في الجنة نبي إلا وهو يشتاق إلى علي بن أبي طالب" أخرجه الملاء في سيرته.
ذكر أنه من خير البشر:
عن عقبة بن سعد العوفي قال: دخلنا على جابر بن عبد الله -وقد سقط حاجباه على عينيه- فسألناه عن علي، قال: فرفع حاجبيه بيده فقال: ذاك من خير البشر. أخرجه أحمد في المناقب.
ذكر مباهاة الله -﷿- به حملة العرش:
عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- صف المهاجرين والأنصار صفين ثم أخذ بيد علي والعباس، فمر بين الصفين فضحك ﷺ فقال له رجل: من أيش ضحكت يا رسول الله فداك أبي وأمي؟ قال: "هبط علي جبريل -﵇- بأن الله باهى بالمهاجرين والأنصار أهل السموات العلا، وباهى بي وبك يا علي وبك يا عباس حملة العرش" أخرجه أبو القاسم في فضائل العباس.
ذكر إخبار المصطفى -ﷺ- بأنه مغفور له:
عن علي ﵇ قال: قال رسول الله -ﷺ: "ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر الله لك، مع أنك مغفور لك؟ لا إله إلا الله الحليم
[ ٣ / ١٩٨ ]
الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين" أخرجه أحمد والنسائي وأبو حاتم، وأخرجه ابن الضحاك وزاد بعد الحمد لله رب العالمين: "اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، الله اعف عني، إنك غفور رحيم أو عفو غفور" وقال: إن رسول الله -ﷺ- علمني هؤلاء الكلمات.
ذكر علمه وفقهه:
وقد تقدم في ذكر أعلميته مطلقا وأعلميته بالسنة، وأنه باب دار العلم وأن أحدًا من الصحابة لم يكن يقول: سلوني غيره، وإحالة جمع من الصحابة عليه، تقدم معظم أحاديث هذا الذكر.
وعن علي ﵇ قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: "قل: ربي الله ثم استقم" فقلت: ربي الله وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب قال: "ليهنك العلم أبا الحسن، لقد شربت العلم شربا" أخرجه ابن البختري والرازي وزاد: "ونهلته نهلا" ومعنى نهلته هنا: شربته، وكرر لاختلاف اللفظ ونحو ذلك قول الشاعر:
الطاعن الطعنة يوم الوغى ينهل منها الأسل الناهل
قال أبو عبيد: الناهل هنا بمعنى الشارب، وإذا جاز في اسم الفاعل جاز في الفعل، وكان قياسه أن يقول: ونهلت منه نهلا؛ لأنه إنما يتعدى بحرف الجر أي: رويت منه ريا، ويجوز أن يكون الناهل في البيت بمعنى العطشان وهو من الأضداد يطلق على الريان والعطشان وهو أنسب؛ لأنه أكثر شربا ويكون قوله: ينهل منها أي: يشرب.
وعن أبي الزهراء عن عبد الله قال: علماء الأرض ثلاثة: عالم بالشام وعالم بالحجاز وعالم بالعراق، فأما عالم أهل الشام فهو أبو الدرداء وأما عالم أهل الحجاز فهو علي بن أبي طالب وأما عالم العراق فأخ لكم، وعالم أهل
[ ٣ / ١٩٩ ]
الشام وعالم أهل العراق يحتاجان إلى عالم أهل الحجاز، وعالم أهل الحجاز لا يحتاج إليهما. أخرجه الحضرمي ويريد -والله أعلم- بالعالم هنا الأعلم يكون أعلم من كان في كل موضع ذلك المذكور، وإن جاز أن يكون بالحجاز من هو أعلم من عالمي الشام والعراق دون علي، والله أعلم.
وعن عبد الله بن عياش الزرقي وقد قيل له: أخبرنا عن هذا الرجل علي بن أبي طالب، فقال: إن لنا أخطارا وأحسابا ونحن نكره أن نقول فيه ما يقول بنو عمنا، قال: كان علي رجلا نلعابة -يعني مزاحا- وكان إذا فزع فزع إلى ضرس من حديد، قال: قلت: وما ضرس من حديد؟ قال: قراءة القرآن وفقه في الدين وشجاعة وسماحة. أخرجه أحمد في المناقب.
وعن سعيد بن عمر بن سعيد بن العاص قال: قلت لعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: ألا تخبرني عن أبي بكر وعلي -﵄- فإن أبا بكر كان له السن والسابقة مع النبي -ﷺ- ثم إن الناس صاغية إلى علي؟ فقال: أي ابن أخي، كان له والله ما شاء من ضرس قاطع السطة في النسب، وقرابته من رسول الله -ﷺ- ومصاهرته، والسابقة في الإسلام والعلم بالقرآن، والفقه، والسنة، والنجدة في الحرب، والجود في الماعون، كان له والله ما يشاء من ضرس قاطع. أخرجه المخلص الذهبي.
وعن محمد بن كعب القرظي قال: كان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله -ﷺ- وهو حي: عثمان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود من المهاجرين، وسالم مولى أبي حذيفة مولى لهم. أخرجه أبو عمر.
وعن محمد بن قيس قال: دخل ناس من اليهود على علي بن أبي طالب، فقالوا له: ما صبرتم بعد نبيكم إلا خمسا وعشرين سنة حتى قتل بعضكم بعضا؛ قال: فقال علي: قد كان صبر وخير، قد كان صبر وخير، ولكنكم ما جفت أقدامكم من البحر حتى قلتم: ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ
[ ٣ / ٢٠٠ ]
لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ أخرجه أحمد في المناقب.
عن ابن عباس -﵄- قال: ما انتفعت بكلام بعد النبي -ﷺ- إلا بشيء كتب به إلي علي بن أبي طالب، فإنه كتب: بسم الله الرحمن الرحيم.
أما بعد يا أخي، فإنك تسر بما يصل إليك مما لم يكن يفوتك، ويسوءك ما لم تدركه. فما نلت يا أخي من الدنيا فلا تكن به فرحا، وما فاتك فلا تكن عليه حزنا، وليكن عملك لما بعد الموت، والسلام. أخرجه المخلص.
ذكر كراماته:
عن الأصبغ قال: أتينا مع علي فمررنا بموضع قبر الحسين، فقال علي: ههنا مناخ ركائبهم، وههنا موضع رحالهم، وههنا مهراق دمائهم، فتية من آل محمد -ﷺ- يقتلون بهذه العوصة تبكي عليهم السماء والأرض.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: عرض لعلي رجلان في خصومه، فجلس في أصل جدار، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، الجدر تقع فقال له علي: امض، كفى بالله حارسا، فقضى بين الرجلين، وقام فسقط الجدار.
وعن الحارث قال: كنت مع علي بن أبي طالب بصفين، فرأيت بعيرًا من إبل الشام جاء وعليه راكبه وثقله، فألقى ما عليه، وجعل يتخلل الصفوف حتى انتهى إلى علي. فوضع مشفره ما بين رأس علي ومنكبه، وجعل يحركها بجرانه، فقال علي: إنها والله لعلامة بيني وبين رسول الله -ﷺ- قال: فجد الناس في ذلك اليوم واشتد قتالهم.
وعن علي بن زاذان أن عليا حدث حديثًا فكذبه رجل، فقال علي:
[ ٣ / ٢٠١ ]
أدعو عليك إن كنت صادقًا؟ قال: نعم؛ فدعا عليه، فلم ينصرف حتى ذهب بصره.
وعن أبي ذر -﵁- قال: بعثني رسول الله -ﷺ- أدعو عليًّا، فأتيت بيته فناديته فلم يجبني، فعدت فأخبرت رسول الله -ﷺ، فقال لي: "عد إليه، ادعه فإنه في البيت" قال: فعدت أناديه، فسمعت صوت رحى تطحن، فشارفت فإذا الرحى تطحن وليس معها أحد، فناديته، فخرج إلي منشرحا فقلت له: إن رسول الله -ﷺ- يدعوك، فجاء، ثم لم أزل أنظر إلى رسول الله -ﷺ- وينظر إلي، ثم قال: "يا أبا ذر، ما شأنك؟" فقلت: يا رسول الله، عجيب من العجب، رأيت رحى تطحن في بيت علي وليس معها أحد يرحى، فقال: "يا أبا ذر، إن لله ملائكة سياحين في الأرض، وقد وكلوا بمؤنة آل محمد" أخرجهن الملاء في سيرته، وأخرج أحمد في المناقب حديث علي بن زاذان خاصة.
وعن فضالة بن أبي فضالة قال: خرجت مع أبي إلى ينبع، عائدًا لعلي وكان مريضًا، فقال له أبي: ما يسكنك بمثل هذا المنزل؟ لو هلكت لم يلك إلا الأعراب -أعراب جهينة- فاحتمل إلى المدينة فإن أصابك بها قدر وليك أصحابك وصلوا عليك، وكان أبو فضالة من أهل بدر، فقال له علي: إني لست بميت من وجعي هذا، إن رسول الله -ﷺ- عهد إلي أن لا أموت حتى أضرب ثم تخضب هذه -يعني لحيته- من هذه -يعني هامته- فقتل أبو فضالة معه بصفين. أخرجه ابن الضحاك.
ذكر اتباعه للسنة:
عن جابر -﵁- حديثه الطويل في صفة حج النبي -ﷺ- وفيه: أن عليا قدم من اليمن ببدن رسول الله -ﷺ- فقال له رسول الله -ﷺ: "ماذا قلت حين فرضت الحج؟" فقال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك -ﷺ. أخرجاه.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
وعن علي ﵇ قال: رأينا رسول الله -ﷺ- قام فقمنا، وقعد فقعدنا، يعني في الجنازة. أخرجه مسلم.
وعن أبي سلمان حصين بن المنذر قال: شهدت عثمان بن عفان وقد أتي بالوليد وقد شرب الخمر، فقال: يا علي قم فاجلده فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولي حارها من تولى قارها، فكأنه وج عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد رسول الله -ﷺ- أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي. أخرجه مسلم.
وعن أبي مطر البصري قال: رأيت عليا اشترى ثوبا بثلاثة دراهم، فلما لبسه قال: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي، ثم قال: هكذا سمعت رسول الله -ﷺ. أخرجه في المناقب.
وعن علي أنه كان يقول: إني لست نبيا ولا يوحى إلي، ولكن أعمل بكتاب الله وسنة نبيه ما استطعت، فما أمرتكم من طاعة الله فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم وكرهتم. أخرجه أحمد في المناقب.
وعنه وقد شاوره أبو بكر في قتال أهل الردة بعد أن شاور الصحابة فاختلفوا عليه فقال له: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أقول لك: إن تركت شيئًا مما أخذ رسول الله -ﷺ- منهم فأنت على خلاف سنة رسول الله -ﷺ- قال: أما إن قلت ذاك لأقاتلنهم وإن منعوني عقالا. أخرجه ابن السمان، وقد سبق في خصائص أبي بكر مستوفى.
ذكر تفاؤل النبي -ﷺ- بكلمة سمعها من علي، وتيمن بها، وعمل عليها:
عن سمرة بن جندب -﵁- قال: كان رسول الله -ﷺ- يعجبه
[ ٣ / ٢٠٣ ]
الفأل الحسن، فسمع عليًّا يومًا وهو يقول: ها حضرة فقال: "يا لبيك قد أخذنا فألك من فمك، فاخرجوا بنا إلى حضرة" قال: فخرجوا إلى خيبر فما سل فيها سيف إلى آخرها، يريد والله أعلم: فما ظهر ولا انتصر ولا أثر إلا سيفه وإلا فعامر سل سيفه ورجع عليه فقتله، وقد وقع القتال قبل إعطائه الراية لعلي يومين لأبي بكر ويوما لعمر على ما تقدم في الخصائص.
ومن ضرورة القتال سل السيوف، وكان عامة قتالهم بها فصح ما ذكرناه من التأويل، والله أعلم.
ذكر شجاعته:
تقدم في خصائصه في ذكر اختصاصه بدفع الراية له طرف منه، وشهرة إبلائه يوم بدر وأحد وخيبر وأكثر المشاهد قد بلغت حد التواتر حتى صارت شجاعته معلومة لكل أحد، بحيث لا يمكنه دفع ذلك عن نفسه.
وتقدم حديث ابن عباس في ذكر علمه متضمنًا ذكر شجاعته.
وعن صعصعة بن صوحان قال: خرج يوم صفين رجل من أصحاب معاوية يقال له: كريز بن الصباح الحميري، فوقف بين الصفين وقال: من يبارز؟ فخرج إليه رجل من أصحاب علي فقتله، فوقف عليه ثم قال: من يبارز؟ فخرج إليه آخر فقتله وألقاه على الأول، ثم قال: من يبارز؟ فخرج إليه الثالث فقتله وألقاه على الآخرين، وقال: من يبارز؟ فأحجم الناس عنه وأحب من كان في الصف الأول أن يكون في الآخر، فخرج علي -﵇- على بغلة رسول الله -ﷺ- البيضاء، فشق الصفوف، فلما انفصل منها نزل عن البغلة وسعى إليه فقتله، وقال: من يبارز؟ فخرج إليه رجل فقتله ووضعه على الأول، ثم قال: من يبارز؟ فخرج إليه رجل فقتله ووضعه على الآخرين، ثم قال: من يبارز؟ فخرج إليه رجل فقتله ووضعه على الثلاثة، ثم قال: يا أيها الناس إن الله -﷿-
[ ٣ / ٢٠٤ ]
يقول: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ ١ ولو لم تبدءوا بهذا لما بدأنا، ثم رجع إلى مكانه.
وعن ابن عباس -﵄- وقد سأله رجل: أكان علي يباشر القتال يوم صفين؟ فقال: والله ما رأيت رجلا أطرح لنفسه في متلف من علي، ولقد كنت أراه يخرج حاسر الرأس بيده السيف، إلى الرجل الدارع فيقتله. أخرجهما الواحدي.
وقال ابن هشام: حدثني من أثق به من أهل العلم أن علي بن أبي طالب صاح وهم محاصرو بني قريظة: يا كتيبة الإيمان، وتقدم هو والزبير بن العوام وقال: والله لأذوقن ما ذاق حمزة أو لأفتحن حصنهم، فقالوا: يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ.
وعن علي قال: قاتلت يوم بدر قتالا، ثم جئت إلى النبي -ﷺ- فإذا هو ساجد يقول: "يا حي يا قيوم" ففتح الله -﷿- عليه. أخرجه النسائي والحافظ الدمشقي في الموافقات.
ذكر شدته في دين الله ﷿:
عن سويد بن غفلة قال: قال ﵇: إذا حدثتكم عن رسول الله -ﷺ- حديثا فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه. وفي رواية: أن أقول عليه ما لم يقل. أخرجاه.
وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: اشتكى الناس عليًّا يومًا، فقام رسول الله فينا فخطبنا، فسمعته يقول: "أيها الناس لا تشكوا عليا، فوالله إنه لأخشن في ذات الله -﷿- أو قال: في سبيل الله" أخرجه أحمد.
وعن كعب بن عجرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ: "إن
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية ١٩٤.
[ ٣ / ٢٠٥ ]
عليا مخشوشن في ذات الله ﷿" أخرجه أبو عمر.
"شرح" الأخشن مثل الخشن قاله الجوهري، تقول منه: خشن بالضم فهو خشن، واخشوشن للمبالغة أي: اشتدت خشونته.
وعن علي -﵇- قال: كنت أنطلق أنا وأسامة إلى أصنام قريش التي حول الكعبة، فنأتي بالعذرات التي حول البيوت، فنأخذ كل صوابة جرو وبزاق بأيدينا وننطلق به إلى أصنام قريش فنلطخها.
فيصيحون ويقولون: من فعل هذا بآلهتنا؟! فيظلون النهار يغسلونها بالماء واللبن. أخرجه أبو الخير الحاكمي.
"شرح" العذرات: جمع عذرة، وهي فناء الدار.
ذكر رسوخ قدمه في الإيمان:
عن ابن عباس -﵄- أن عليا كان يقول في حياة النبي -ﷺ: الله -﷿- يقول: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ ١ والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، ولئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه، ومن أحق به مني؟ أخرجه أحمد في المناقب.
وعن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: أشهد على رسول الله -ﷺ- لسمعته وهو يقول: "لو أن السموات السبع والأرضين السبع وضعت في كفة، ووضع إيمان علي في كفة، لرجح إيمان علي" أخرجه ابن السمان والحافظ السلفي في المشيخة البغدادية والفضائلي.
ذكر تعبده:
تقدم في حديث ضرار، في أول الفصل طرف منه.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآية ١٤٤.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
وعن حارثة بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه -﵁- قال: كان لعلي بيت في المسجد يتحنث فيه، كما كان لرسول الله -ﷺ. أخرجه الحضرمي.
ذكر أذكاره، وأدعيته:
عن جعفر الصادق قال: كان أكثر كلام علي ﵇: الحمد لله. أخرجه الخجندي.
وعن عبد الله بن الحارث الهمداني أن عليا كان يقول في ركوعه: اللهم لك ركعت وبك آمنت وأنت ربي، ركع سمعي وبصري ولحمي ودمي وشعري وعظمي، تقبل مني أنت السميع العليم. فإذا رفع رأسه من الركوع وأراد أن يسجد قال: لك أركع وأسجد، وأقوم وأقعد. وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين، الحمد لله رب العالمين. ويقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني. أخرجه أبو روق الهزاني.
وعن أبي إسحاق السبيعي عن علي -﵇- لما خرج من باب القصر قال: فوضع رجله في الغرز فقال: باسم الله، فلما استوى على الدابة قال: الحمد لله الذي كرمنا وحملنا في البر والبحر، ورزقنا من الطيبات، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا. سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، رب اغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي والحافظ في الموافقات.
ذكر صدقته:
عن علي -﵇- قال: رأيتني مع رسول الله -ﷺ- وإني لأربط
[ ٣ / ٢٠٧ ]
الحجر على بطني من الجوع وإن صدقتي اليوم لأربعون ألفا، وفي رواية وإن صدقة مالي لأربعون ألف دينار. أخرجهما أحمد وربما يتوهم متوهم أن مال علي ﵇ تبلغ زكاته هذا القدر وليس كذلك -والله أعلم- فإنه -﵁- كان أزهد الناس على ما علم من حاله ما تقدم وما سيأتي في ذكر زهده، فكيف يقتني مثل هذا؟ قال أبو الحسن بن فارس اللغوي: سألت أبي عن هذا الحديث قال: معناه أن الذي تصدقت به منذ كان لي مال إلى اليوم كذا وكذا ألفا، قلت: وذكره لذلك يحتمل أن يكون في معرض التوبيخ لنفسه بتنقل الحال إلى مثل هذا بعد ذلك الحال، ويحتمل أن يكون في معرض الشكر على الخلة وعظم الاكتراث بما خرج لله، وأن إخراجه أبلغ في الزهد من عدمه.
وعن عبد الله بن سلام قال: أذن بلال بصلاة الظهر، فقام الناس يصلون، فمن بين راكع وساجد وسائل يسأل فأعطاه علي خاتمه وهو راكع، فأخبر السائل رسول الله -ﷺ- فقرأ علينا رسول الله -ﷺ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ أخرجه الواحدي وأبو الفرج والفضائلي، ومضى أن الولاية هنا النصرة على ما تقدم تقريره في الخصائص.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه، وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١ قال: هم أصحاب رسول الله -ﷺ- قال: قلت: إنهم يقولون: إنه علي بن أبي طالب؟ فقال: علي منهم أخرجه ابن السمان في الموافقة.
وعن ابن عباس -﵄- في قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ قال: أجر علي نفسه يسقي نخلًا بشيء من شعير ليلة حتى أصبح، فلما أصبح قبض الشعير فطحن منه شيئًا ليأكلوه يقال له:
[ ٣ / ٢٠٨ ]
الحريرة "دقيق بلا دهن" فلما تم إنضاجه أتى مسكين فسأل فأطعموه إياه، ثم صنعوا الثلث الثاني، فلما تم إنضاجه أتى يتيم مسكين فسأل فأطعموه إياه، ثم صنعوا الثلث الثالث، فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين، فأطعموه إياه وطووا يومهم فنزلت، وهذا قول الحسن وقتادة أن الأسير كان من المشركين. قال أهل العلم: وهذا يدل على أن الثواب مرجو فيهم وإن كانوا من غير أهل الملة، وهذا إذا أعطوا من غير الزكاة والكفارة.
وقال سعيد بن جبير: الأسير: المحبوس من أهل القبلة، ذكره الواحدي.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر أقطع عليا ينبع، ثم اشترى أرضا إلى جنب قطعته فحفر فيها عينا، فبينما هم يعملون فيها إذ انفجر عليهم مثل عنق الجذور من السماء فأتى علي فبشر بذلك، فقال: بشروا عمر. ثم تصدق بها على الفقراء والمساكين وابن السبيل وفي سبيل الله للقريب والبعيد، في السلم والحرب، ليوم تبيض وجوه، وتسود وجوه، ليصرف الله بها وجهي عن النار ولتصرف النار عن وجهي. أخرجه ابن السمان في الموافقة.
ذكر فكه رهان ميت بتحمل دين عنه:
عن علي بن أبي طالب قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا أتي بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل ويسأل عن دينه، فإن قيل: عليه دين كف عن الصلاة عليه، وإن قيل: ليس عليه دين صلى عليه، فأتي بجنازة فلما قام ليكبر سأل ﷺ أصحابه: "هل على صاحبكم دين؟" قالوا: ديناران، فعدل ﷺ وقال: "فصلوا على صاحبكم" فقال علي: هما علي، بريء منهما. فتقدم ﷺ، ثم قال لعلي: "جزاك الله خيرا، فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك، إنه ليس من ميت إلا وهو مرتهن بدينه،
[ ٣ / ٢٠٩ ]
ومن يفك رهان ميت فك الله رهانه يوم القيامة" فقال بعضهم: هذا لعلي خاصة أو للمسلمين عامة؟ فقال: "للمسلمين عامة" أخرجه الدارقطني، وأخرجه أيضًا عن أبي سعيد، وفيه: فقال علي: أنا ضامن لدينه. وأخرجه الحاكمي عن ابن عباس.
ذكر أنه كان من أكرم الناس على عهد رسول الله -ﷺ:
عن أبي إسحاق السبيعي قال: سألت أكثر من أربعين رجلا من أصحاب النبي -ﷺ: من كان أكرم الناس على عهد رسول الله -ﷺ؟ قالوا: الزبير وعلي -﵄. أخرجه الفضائلي.
ذكر زهده:
تقدم في صدر الفصل حديث ضرار، وفيه طرف منه.
وعن عمار بن ياسر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- لعلي: "إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب منها، هي زينة الأبرار عند الله: الزهد في الدنيا، فجعلك لا ترزأ من الدنيا ولا ترزأ الدنيا منك شيئًا، ووصب لك المساكين فجعلك ترضى بهم أتباعًا ويرضون بك إمامًا" أخرجه أبو الخير الحاكمي.
"شرح" ترزأ: تصيب والرزء: المصيبة، ووصب لك أي: أدام، ومنه: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ .
وعن علي ﵇ قال: قال رسول الله -ﷺ: "يا علي، كيف أنت إذا زهد الناس في الآخرة ورغبوا في الدنيا وأكلوا التراث أكلا لما وأحبوا المال حبا جما، واتخذوا دين الله دغلا ومالوا دولا؟" قلت: أتركهم وما اختاروا، وأختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأصبر على مصيبات الدنيا وبلواها حتى ألحق بكم إن شاء الله تعالى قال: "صدقت، اللهم افعل ذلك
[ ٣ / ٢١٠ ]
به" أخرجه الحافظ الثقفي في الأربعين. وعن علي بن أبي ربيعة أن علي بن أبي طالب جاءه ابن التياح فقال: يا أمير المؤمنين، امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء فقال: الله أكبر، فقام متوكئًا على ابن التياح حتى قام على بيت المال وأمر فنودي في الناس، فأعطى جميع ما في بيت المال للمسلمين، وهو يقول: يا صفراء يا بيضاء غري غيري، هاء وهاء؛ حتى ما بقي فيه دينار ولا درهم، ثم أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين. أخرجه أحمد في المناقب، والملاء وصاحب الصفوة. وأخرج أحمد من طريق آخر، والفضائلي معناه عن أبي صالح السمان، ولفظه: رأيت عليا دخل بيت المال فرأى فيه شيئًا، فقال: ألا أرى هذا ههنا وبالناس إليه حاجة؟! فأمر به فقسم، وأمر بالبيت فكنس ونضح، فصلى فيه -أو قال فيه يعني نام- وفي رواية عند أحمد: فصلى فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة. وأخرجهما القلعي.
"شرح" نضحه أي: رشه، وقوله: هاء وهاء أي: هاك وهاك. وقال الخطابي: أصحاب الحديث يروونه: ها وها ساكن لألف، والصواب مدها وفتحها؛ لأن أصلها هاك فحذفت الكاف وعوضت منها المدة والهمزة يقال للواحد: ها وللاثنين: هاؤما وللجميع: هاؤم، وغير الخطابي يجيز فيه السكون على حذف العوض وينزل منزلة ها التي للتنبيه.
وعن أبي السوار قال: رأيت عليًّا اشترى ثوبين غليظين، فخير قنبر في أحدهما. أخرجه أحمد وصاحب الصفوة، وقد تقدم في ذكر اتباعه للسنة أنه اشترى ثوبا بثلاثة دراهم.
وعن عبد الله بن أبي الهذيل قال: رأيت عليا خرج وعليه قميص رازي إذا قمصه بلغ الظفر، وإذا أرسله صار إلى نصف الساعد.
وعن الحسن بن جرموز عن أبيه قال: رأيت علي بن أبي طالب يخرج من مسجد الكوفة وعليه قطريتان مؤتزرا بواحدة، مرتديا بالأخرى،
[ ٣ / ٢١١ ]
وإزاره إلى نصف الساق وهو يطوف بالأسواق، ومعه درة، يأمرهم بتقوى الله -﷿- وصدق الحديث وحسن البيع والوفاء بالكيل والميزان. أخرجهما القلعي.
"شرح" القطر والقطرية: ضرب من البرود.
وعن أبي سعيد الأزدي قال: رأيت عليا في السوق وهو يقول: من عنده قميص صالح بثلاثة دراهم؟ فقال رجل: عندي. فجاء به فأعجبه فأعطاه ثم لبسه فإذا هو يفضل عن أطراف أصابعه فأمر به فقطع ما فضل عن أصابعه. أخرجه الملاء في سيرته، وأخرج صاحب الصفوة معناه عن فضل بن سلمة عن أبيه، ولفظه: أن عليا اشترى قميصا، ثم قال: اقطعه لي من ههنا من أطراف أصابعه، فأمر بقطع ما فضل عن أطراف الأصابع.
وعن ابن عباس -﵄- قال: اشترى علي بن أبي طالب قميصًا بثلاثة دراهم وهو خليفة، وقطع كمه من موضع الرسغين وقال: الحمد لله الذي هذا من رياشه. أخرجه السلفي.
"شرح" الرسغ: موصل الوظيف من الرجل واليد، تسكن سينه وتحرك بالضم كاليسر والعسر، والوظيف: مستدق الذراع والساق من الخيل والإبل ثم استعمل الرسغ في الآدمي اتساعًا، والريش والرياش: اللباس الفاخر، كالحرم والحرام واللبس واللباس.
وعن أبي بحر عن شيخ قال: رأيت على علي إزارًا غليظًا ثمنه خمسة دراهم، وقد اشتراه بخمسة دراهم وقال: رأيت معه دراهم مصرورة، قال: هذه بقية نفقتنا من ينبع.
وعن علي بن ربيعة قال: كان لعلي امرأتان، فكان إذا كان يوم هذه اشترى لحما بنصف درهم، وإذا كان يوم هذه اشترى لحما بنصف درهم.
[ ٣ / ٢١٢ ]
وعن ابن أبي مليكة قال: لما أرسل عثمان إلى علي في اليعاقيب وجده مؤتزرًا بعباءة، محتجزا بعقال وهو يهنأ بعيرا له.
"شرح" يهنأ أي: يطليه بالهنا وهو القطران.
وعن عمر بن قيس قال: قيل لعلي: يا أمير المؤمنين، لم ترفع قميصك؟ قال: يخشع القلب، ويقتدي به المؤمن.
وعن زيد بن وهب أن الجعد بن بعجة عاتب عليا في لبوسه، فقال: وما لك واللبوس؟ إن لبوسي هذا أبعد من الكبر، وأجدر أن يقتدي به المسلم.
وعن عدي بن ثابت أن عليا أتي بالفالوذج، فلم يأكله.
وعن حبة العرني أن عليا أتي بالفالوذج فوضع قدامه، فقال: والله إنك لطيب الريح حسن اللون طيب المطعم، ولكني أكره أن أعوّد نفسي ما لم تعتده.
وعن أم سليم -وقد سئلت عن لباس علي- قالت: كان لباسه الكرابيس السنبلانية.
وعن الضحاك بن عمير قال: رأيت قميص علي بن أبي طالب الذي أصيب فيه، كرباس سنبلاني، ورأيت أثر دمه فيه، كأنه رديء. أخرج من حديث أبي سعيد الأزدي إلى هنا أحمد في المناقب.
ذكر ما كان فيه من ضيق العيش مع استصحاب الصبر الجميل:
عن علي -﵇- قال: أصبت شارفا من مغنم بدر، وأعطاني رسول الله -ﷺ- شارفا، فأنختهما عند باب رجل من الأنصار أريد أن أحمل عليهما إذخرا وأبيعه وأستعين به على وليمة فاطمة، ومعي رجل صانع من بني قينقاع وحمزة بن عبد المطلب في البيت، وقينة تغنيه فقالت:
[ ٣ / ٢١٣ ]
ألا يا حمزة للشرف البواء:
فثار إليهما بالسيف فجب أسنتهما، وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما قال: فنظرت إلى أمر فصنعني، فأتيت رسول الله -ﷺ- ومعه زيد بن حارثة، فخرجت معه حتى قام على حمزة فتغيظ عليه، فرفع حمزة بصره وقال: هل أنتم إلا أعبد آبائي؟ فرجع رسول الله -ﷺ- يقهقر عنه. متفق على صحته.
وعنه قال: جعت بالمدينة جوعًا شديدًا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرا فظننتها تريد بله، فأتيتها فعاطيتها كل دلو بتمرة فمددت ستة عشر ذنوبا حتى مجلت يدي ثم أتيتها فقلت: بكلتي يدي هكذا بين يديها، وبسط إسماعيل راوي الحديث يديه جميعا فعدت لي ست عشرة تمرة، فأتيت النبي -ﷺ- فأخبرته، فأكل معي منها وقال لي خيرا ودعا لي. وأخرجه أحمد وصاحب الصفوة والفضائلي.
"شرح" عوالي المدينة: أعاليها وهي منازل معروفة بها، عاطيتها: يجوز أن يكون من قولهم: هو يعطيني بالتشديد ويعاطيني إذا كان يخدمك، ويجوز أن يكون من المعاطاة المناولة، فكل واحد منهما أخذ يد صاحبه على ذلك إذا عاقده عليه، وإن لم يوجد أخذ اليد حسا. والذنوب: الدلو الملآن ماء، وقال ابن السكيت: فيها ماء ما يقرب من ملئها يؤنث ويذكر ولا يقال لها وهي فارغة: ذنوب وجمعه في القلة: أذنبة والكثير ذنائب نحو قلوص وقلائص ومجلت: تنفطت من العمل.
وعن سهل بن سعد أن علي بن أبي طالب دخل على فاطمة، والحسن والحسين يبكيان فقال: ما يبكيهما؟ قالت: الجوع، فخرج علي فوجد دينارا في السوق فجاء إلى فاطمة فأخبرها، فقالت: اذهب إلى فلان اليهودي فخذ لنا به دقيقا، فجاء إلى اليهودي فاشترى به دقيقا فقال اليهودي: أنت ختن هذا الذي يزعم أنه رسول؟ قال: نعم. قال:
[ ٣ / ٢١٤ ]
فخذ دينارك ولك الدقيق. فخرج علي حتى جاء به فاطمة فأخبرها فقالت: اذهب إلى الجزار فخذ لنا بدرهم لحما، فذهب فرهن الدينار بدرهم على لحم، فجاء به وعجنت ونصبت وخبزت، وأرسلت إلى أبيها، فجاءهم، فقالت: يا رسول الله أذكر لك، فإن رأيته حلالا أكلنا وأكلت، من شأنه كذا وكذا، فقال: "كلوا باسم الله" فأكلوا، فبينما هم مكانهم إذا غلام ينشد الله والإسلام الدينار، فأمر رسول الله -ﷺ- فدعي له، فسأله فقال: سقط مني في السوق، فقال النبي -ﷺ: "يا علي اذهب إلى الجزار، فقل له: إن رسول الله -ﷺ- يقول لك: أرسل إلي بالدينار، ودرهمك علي" فأرسل به، فدفعه إليه. أخرجه أبو داود.
وعن أسماء بنت عميس عن فاطمة بنت رسول الله -ﷺ- أن رسول الله -ﷺ- أتاها يومًا فقال: "أين ابناي؟" يعني حسنًا وحسينًا، قالت: أصبحنا وليس في بيتنا شيء نذوقه، فقال علي: أذهب بهما، فإني أتخوف أن يبكيا إليك وليس عندك شيء؛ فذهب بهما إلى فلان اليهودي. فتوجه إليه رسول الله -ﷺ- فوجدهما يلعبان في مسربة، بين أيديهما فضل من تمر، فقال: "يا علي، ألا تقلب ابني قبل أن يشتد الحر عليهما؟" قال: فقال علي: أصبحنا وليس في بيتنا شيء، فلو جلست يا رسول الله حتى أجمع لفاطمة تمرات؟ فجلس رسول الله -ﷺ- وعلي ينزع لليهودي كل دلو بتمرة حتى اجتمع له شيء من تمر، فجعله في حجزته، ثم أقبل فحمل رسول الله -ﷺ- أحدهما وحمل علي -﵇- الآخر. أخرجه الدولابي في الذرية الطاهرة في مسند أسماء بنت عميس عن فاطمة.
"شرح" المسربة بالفتح والضم: الغرفة، وحجزة الإزار: معقده، وحجزة السراويل التي فيها التكة.
وعن أبي سويد المدني قال: لما أهديت فاطمة إلى علي لم تجد عنده إلا رملا مبسوطا ووسادة وجرة وكوزًا فأرسل رسول الله -ﷺ: "لا تقرب
[ ٣ / ٢١٥ ]
امرأتك حتى آتيك " وذكر قصة دخولها عليه، وقد تقدمت في الخصائص.
وعن علي -﵇- أن رسول الله -ﷺ- لما زوجه فاطمة، بعث معها بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف ورحاتين وسقاء وجرتين فقال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوت حتى لقد اشتكيت صدري وقد جاء الله أباك بسبي، فاذهبي فاستخدميه، فقالت: والله قد طحنت حتى مجلت يداي، فأتت النبي -ﷺ- فقال: "ما حاجتك يا بنية؟" قالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله، ورجعت، فقالت: استحيت أن أسأله، فأتيناه جميعًا فقال علي: يا رسول الله، لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: وقد طحنت حتى مجلت يداي، وقد جاء الله بسبي وسعة، فأخدمنا قال: " والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعه وأنفق عليهم أثمانهم" فرجعا فأتاهما -ﷺ- وقد دخل في قطيفتهما إذا غطت رءوسهما انكشفت أقدامهما، وإذا غطت أقدامهما انكشفت رءوسهما، فثارا فقال: "مكانكما" ثم قال: "ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟" قالا: بلى، قال: "كلمات علمنيهن جبريل ﵇، فقال: تسبحان دبر كل صلاة عشرًا وتحمدان عشرًا وتكبران عشرًا، وإذا أوتيتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين" قال: علي: فما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله -ﷺ- فقيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: "ولا ليلة صفين" أخرجه أحمد.
"شرح" الخميلة: لعله أراد بها الطنفسة ويقال: لها الخمل، وسنوت: استقيت، والسانية: الناضحة التي يستقى عليها، ومجلت: تنفطت من العمل، والسبي والسبا: الأسرى، قاله الجوهري، وقال غيره: السبي: النهب وأخذ الناس عبيدًا، وأما السبية: المرأة المنهوبة، فعيلة بمعنى مفعولة وجمعه: سبايا.
[ ٣ / ٢١٦ ]
وعنه أن فاطمة شكت ما تلقى من أثر الرحى، فأتى النبي -ﷺ- سبي فانطلقت فلم تجده، فوجدت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي -ﷺ- أخبرته عائشة بمجيء فاطمة، فجاء النبي -ﷺ- إلينا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت لأقوم فقال: "على مكانكما" فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: "ألا أعلمكما خيرًا مما سألتماني؟ إذا أخذتما مضاجعكما فكبرا أربعًا وثلاثين، وسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم يخدمكما" أخرجه البخاري وأبو حاتم.
وعندما قال: شكت إلي فاطمة من الطحين فقلت: لو أتيت أباك فسألته خادمًا؟ قال: فأتت النبي -ﷺ- فلم تصادفه، فرجعت مكانها، فلما جاء أخبر، فأتى وعلينا قطيفة إذا لبسناها طولا خرجت منها جنوبنا وإذا لبسناها عرضا خرجت منها أقدامنا ورءوسنا فقال: "يا فاطمة أخبرت أنك جئت، فهل كانت لك حاجة؟" قالت: لا، قلت: نعم، شكت إلي من الطحين فقلت: لو أتيت أباك فسألته خادمًا؟ فقال: "أفلا أدلكما على ما هو خير لكما؟ إذا أخذتما مضاجعكما " ثم ذكر معناه. أخرجه أبو حاتم.
وعن أم سلمة -﵂- قالت: جاءت فاطمة إلى النبي -ﷺ- تشتكي أثر الخدمة وتسأله خادمًا، قالت: يا رسول الله، لقد مجلت يداي من الرحى، أطحن مرة وأعجن مرة، فقال لها: "إن يرزقك الله شيئا سيأتيك، وسأدلك على خير من ذلك: إذا لزمت مضجعك فسبحي الله ثلاثًا وثلاثين، وكبري الله ثلاثًا وثلاثين، واحمدي الله أربعًا وثلاثين، فتلك مائة، فهو خير لك من الخدم" أخرجه الدولابي.
ذكر تواضعه:
تقدم في زهده طرف منه، وسيأتي في ذكر ورعه طرف منه أيضًا.
وعن أبي صالح بياع الأكسية عن جده قال: رأيت عليا اشترى تمرًا
[ ٣ / ٢١٧ ]
بدرهم فحمله في ملحفته، فقيل: يا أمير المؤمنين، ألا نحمله عنك؟ قال: أبو العيال أحق بحمله. أخرجه البغوي في معجمه.
وعن زيد بن وهب أن الجعد بن بعجة من الخوارج عاتب عليًّا في لباسه فقال: ما لكم ولباسي؟ هذا هو أبعد من الكبر، وأجدر أن يقتدي به المسلم. أخرجه أحمد وصاحب الصفوة، وقد تقدم في زهده، وقوله: أجدر أي: أحق وأولى، وجدير وخليق وحري بمعنًى.
وعن زاذان قال: رأيت عليًّا يمشي في الأسواق فيمسك الشسوع بيده فيناول الرجل الشسع، ويرشد الضال ويعين الحمال على الحمولة، وهو يقرأ الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ثم يقول: هذه الآية نزلت في ذي القدرة من الناس. أخرجه أحمد في المناقب.
وعن أبي مطر البصري أنه شهد عليًّا أتى أصحاب التمر وجارية تبكي عند التمار، فقال: ما شأنك؟ قال: باعني تمرًا بدرهم فرده مولاي، فأبى أن يقبله، فقال: يا صاحب التمر خذ تمرك وأعطها درهمها، فإنها خادم وليس لها أمر، فدفع عليا، فقال المسلمون: تدري من دفعت؟ قال: لا. قالوا: أمير المؤمنين، فصب تمرها وأعطاها درهمها، وقال: أحب أن ترضى عني فقال: ما أرضاني عنك إذا أوفيت الناس حقوقهم! أخرجه أحمد في المناقب.
ذكر حيائه من النبي -ﷺ:
عن علي -﵇- قال: كنت رجلا مذاء، فكنت أستحي أن أسأل رسول الله -ﷺ- لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد بن الأسود فقال: "يغسل ذكره ويتوضأ" أخرجاه.
ذكر غيرته على النبي -ﷺ:
عن علي -﵇- قال: قلت لرسول الله -ﷺ: ما لك تنوق في
[ ٣ / ٢١٨ ]
قريش وتدعنا؟ قال: "وعندكم شيء؟" قلت: نعم، بنت حمزة، فقال ﷺ: "إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة" أخرجه مسلم.
وقوله: تنوق: لعله بمعنى تأنق، ويجوز ذلك، أو يتخذ نوقا، وكنى به عن النساء.
ذكر خوفه من الله ﷿:
تقدم وصف ضرار له في أول الفصل.
ذكر ورعه:
عن عبد الله بن الزبير قال: دخلت على علي بن أبي طالب يوم الأضحى فقرب إلينا خزيرة، فقلت: أصلحك الله لو قربت إلينا من هذا البط -يعني الإوز- فإن الله قد أكثر الخير؟ فقال: يابن زبير سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "لا يحل لخليفة من مال الله إلا قصعتان: قصعة يأكلها هو وأهله، وقصعة يضعها بين أيدي الناس" أخرجه أحمد.
"شرح" الخزيرة: أن ينصب القدر بلحم يقطع صغارًا على ماء كثير، فإذا نضح رد عليه الدقيق، وإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة.
وعن ابن عمر -﵄- قال: حدثني رجل من ثقيف أن عليا قال له: إذا كان عند الظهر فرح علي، قال: فرحت إليه فلم أجد عنده حاجبًا يحجبني دونه، ووجدته وعنده قدح وكوز من ماء، فدعا بظبية، فقلت في نفسي: لقد أمنني حين يخرج إلي جوهرًا ولا أدري ما فيها، فإذا عليها خاتم فكسر الخاتم، فإذا فيها سويق فأخذ منه قبضة في القدح وصب عليه ماء، فشرب وسقاني فلم أصبر فقلت: يا أمير المؤمنين، أتصنع هذا بالعراق وطعام العراق أكثر من ذلك؟ فقال: والله ما أختم عليه بخلا به، ولكني أبتاع قدر ما يكفيني، فأخاف أن يفنى فيوضع فيه من غيره، وإنما حفظي لذلك، وأكره أن يدخل بطني إلا طيبا. أخرجه في
[ ٣ / ٢١٩ ]
الصفوة والملاء في سيرته.
وعن ابن حبان التيمي عن أبيه قال: رأيت علي بن أبي طالب على المنبر يقول: من يشتري مني سيفي هذا؟ فلو كان عندي ثمن إزار ما بعته. فقام إليه رجل وقال: أسلفك ثمن إزار.
قال عبد الرزاق: وكانت بيده الدنيا كلها إلا ما كان من الشام. أخرجه أبو عمر، وأخرج معناه بزيادة صاحب الصفوة عن علي بن الأرقم عن أبيه، ولفظه: قال: رأيت عليا وهو يبيع له سيفًا في السوق ويقول: من يشتري مني هذا السيف؟ فوالذي فلق الحبة لطال ما كشفت به الحروب عن وجه رسول الله -ﷺ- ولو كان عندي ثمن إزار ما بعته.
وعن هارون بن عنترة عن أبيه قال: دخلت على علي بن أبي طالب في الخورنق وهو يرعد تحت سمل قطيفة، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال، وأنت تصنع بنفسك ما تصنع؟ فقال: ما أرزؤكم من مالكم، وإنها لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي أو قال: من المدينة.
"شرح" السمل: الخلق، والقطيفة: دثار مخمل، والجمع: قطائف وقطف أيضًا كصحيفة وصحف، أرزؤكم: أصيب منكم، الرزء: المصيبة والجمع أرزاء.
وعن ابن مطرف قال: رأيت عليا مؤتزرًا، مرتديًا برداء ومعه الدرة كأنه أعرابي بدوي، حتى بلغ سوق الكرابيس فقال: يا شيخ أحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم؛ فلما عرفه لم يشتر منه شيئًا، فأتى غلامًا حدثًا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم ثم جاء أبو الغلام فأخبره، فأخذ أبوه درهما ثم جاء به فقال: هذا الدرهم يا أمير المؤمنين؛ فقال: ما شأن هذا الدرهم؟ قال: كان ثمن القميص درهمين؛ باعني رضاي وأخذ رضاه. أخرجهما صاحب الصفوة، وخرج الثاني أحمد في المناقب.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
"شرح" الكرباس: فارسي معرب بكسر الكاف، والكرباسة أخص منه، والجمع: كرابيس، وهي ثياب خشنة.
وعن عمر بن يحيى عن أبيه قال: أهدي إلى علي بن أبي طالب أزقاق سمن وعسل، فرآها قد نقصت، قال: فقيل له: بعثت أم كلثوم فأخذت منه؛ فبعث إلى المقومين، فقوموا خمسة دراهم، فبعث إلى أم كلثوم: ابعثي لي خمسة دراهم. أخرجه في الصفوة.
وعن عاصم بن كليب عن أبيه قال: قدم علي بن أبي طالب مال من أصبهان، فقسمه سبعة أسباع، فوجد فيه رغيفًا، فقسمه سبع كسر، وجعل على كل جزء كسرة، ثم أقرع بينهم: أيهم يعطى أولا؟ أخرجه أحمد والقلعي.
وعن الأعمش قال: كان علي يغدي ويعشي، ويأكل هو من شيء يجيئه من المدينة.
وعن أبي صالح قال: دخلت على أم كلثوم بنت علي وإذا هي تمتشط في ستر بيني وبينها، فجاء حسن وحسين، فدخلا عليها وهي جالسة تمشط، فقالت: ألا تطعمون أبا صالح شيئًا؟ قال: فأخرجوا إلي قصعة فيها مرق بحبوب، قال: فقلت: تطعمون هذا وأنتم أمراء؟ قالت أم كلثوم: يا أبا صالح، كيف لو رأيت أمير المؤمنين، يعني عليا، وأتي بأترج، فذهب حسين فأخذ منها أترجة فنزعها من يده، ثم أمر به فقسم بين الناس؟!
ذكر عدله في رعيته:
تقدم في ذكر ورعه آنفا طرف منه.
وعن كريمة بنت همام الطائية قالت: كان علي يقسم فينا الورس بالكوفة. قال فضالة: حملناه على العدل منه. أخرجه أحمد في المناقب.
[ ٣ / ٢٢١ ]
ذكر تفقده أحوالهم:
عن أبي الصهباء قال: رأيت علي بن أبي طالب بشط الكلأ يسأل عن الأسعار.
ذكر شفقته على أمة محمد -ﷺ- في الجاهلية والإسلام، وتخفيف الله -﷿- عن الأمة بسببه:
عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ ١ قال لي رسول الله -ﷺ: "ما ترى، دينارًا؟" قلت: لا يطيقونه؛ قال: "فكم؟" قلت: شعيرة؛ قال: "إنك لزهيد" فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ ٢ الآية؛ قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة. أخرجه أبو حاتم.
وعن ابن عباس -﵄- أنه قال: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قال: قلنا: بلى؛ قال: قال أبو ذر: كنت رجلا من غفار فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل بمكة وأتني بخبره، فانطلق فلقيه ثم رجع، فقلت: ما عندك؟ قال: والله لقد رأيت رجلا يأمر بالخير وينهى عن الشر فقلت: لم تشفني من الخبر، فأخذت جرابًا وعصا ثم أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد، قال: فمر بي علي، فقال: كأن الرجل غريب؟ قال: قلت: نعم، قال: فانطلق إلى المنزل، فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره؛ فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه وليس أحد يخبرني عنه بشيء؛ قال: فمر بي علي فقال: أما آن للرجل أن يعرف منزله؟ قال: قلت: لا. قال:
_________________
(١) ١ سورة المجادلة الآية ١٢. ٢ سورة المجادلة الآية ١٣.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
فانطلق معي فذهبت معه ولا يسأل أحد منا صاحبه عن شيء؛ حتى إذا كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك فأقامه علي معه، ثم قال له: ألا تحدثني؟ قال: فقال: ما أمرك؟ وما أقدمك هذه البلد؟ قال: قلت له: إن كتمت علي أخبرتك، قال: فقلت له: بلغنا أنه خرج ههنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه، فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه، فقال: أما إنك قد رشدت، هذا وجهي إليه فاتبعني وادخل حيث أدخل، فإني إن رأيت أحدًا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامض أنت، فمضى ومضيت معه حتى دخلت معه على النبي -ﷺ- فقلت له: اعرض علي الإسلام؛ فعرضه فأسلمت. أخرجه البخاري.
وفي الحديث قصة ذكرناها مستوعبة في مناقب العباس.
ذكر إسلام همدان على يديه:
عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله -ﷺ- خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، وكنت فيمن سار معه، فأقام عليهم ستة أشهر لا يجيبونه إلى شيء؛ فبعث النبي -ﷺ- علي بن أبي طالب، وأمره أن يرسل خالدا ومن معه إلا من أراد البقاء مع علي فيتركه، قال البراء: وكنت مع من عقب مع علي، فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر، فجمعوا له، فصلى علي بنا الفجر، فلما فرغ صفنا صفًّا واحدًا ثم تقدم بين أيدينا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله -ﷺ- فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، وكتب بذلك إلى رسول الله -ﷺ- فلما قرأ كتابه خرَّ ساجدًا وقال: "السلام على همدان، السلام على همدان" أخرجه أبو عمر.
ذكر إثبات أفضليته بقتل الخوارج:
عن عبيدة السلماني قال: ذكر علي الخوارج، فقال: فيهم رجل
[ ٣ / ٢٢٣ ]
مخدج اليد أو مودن اليد، لولا أن تبطروا لأخبرتكم بما وعد الله تعالى على لسان نبيه محمد -ﷺ- لمن قتلهم؛ قال: فقلت لعلي: أسمعته من رسول الله -ﷺ؟ قال: إي ورب الكعبة ثلاثا. أخرجه مسلم.
"شرح" البطر: الأشر وهو شدة المرح، تقول منه: بطر بالكسر يبطر، وأبطره المال، وتقول: بطرت عيشك كما تقول: رشدت أمرك، ومخدج اليد: ناقصها، ومنه حديث الصلاة: "فهي خداج" يقال: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها لغير تمام، ومودن اليد وروي: مودون اليد ومعناهما: ناقصها أيضًا، ومنه قول العرب: ودنت الشيء وأودنته، إذا نقصته وصغرته.
وعن عبد الله بن أبي رافع مولى رسول الله -ﷺ- قال: إن الحرورية لما خرجت وهو مع علي، فقالوا: لا حكم إلا لله، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل؛ إن رسول الله -ﷺ- وصف لنا أناسا وإني لأعرف وصفهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم -وأشار إلى حلقه- من أبغض خلق الله إلى الله، فيهم أسود إحدى يديه حلمة ثدي، فلما قتلهم على ﵇ قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا، فقال: ارجعوا، فوالله ما كذب ولا كذبت -مرتين أو ثلاثا- ثم وجدوه في خربة، فأتوا به حتى وضعوه بين يديه. قال عبد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم. أخرجه أبو حاتم.
"شرح" الحرورية: قوم ينسبون إلى حروراء، وهي بلد الخوارج.
وعن زيد بن وهب الجهني أنه كان في الجيش الذي كان مع علي بن أبي طالب الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي: يا أيها الناس، إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "يخرج من أمتي قوم يقرءون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا
[ ٣ / ٢٢٤ ]
صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى الله لهم على لسان محمد -ﷺ- لنكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، شعرات بيض، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس فسيروا على اسم الله تعالى. قال سلمة بن كهيل: فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لهم: القوا الرماح، وسلوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما يوم حروراء؛ فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف فشجرهم الناس برماحهم فقتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان فقال علي: التمسوا فيهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض. قال: أخروهم، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر علي ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله، فقام إليه عبيدة السلماني، فقال: يا أمير المؤمنين والله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول الله -ﷺ؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف له. أخرجه مسلم.
وفي رواية قال: فخروا سجودًا عند وجود المخدج، وخر علي ساجدًا معهم. وفي رواية: قال أبو الرضا: فكأني أنظر إليه حبشيا عليه ثديان، أحد ثدييه مثل ثدي المرأة عليه شعرات مثل شعرات تكون على ذنب اليربوع.
وفي رواية: أنهم لما لم يجدوه جاء علي بنفسه، فجعل يقول: اقلبوا ذا، واقلبوا ذا، حتى جاء رجل من أهل الكوفة، فقال: هو ذا؟ فقال علي: الله أكبر. أخرجهن أحمد في المناقب.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
وفي رواية: أنهم لما وجدوه قال علي: هذا شيطان وهو أضلهم. أخرجها أبو الخير القزويني الحاكمي.
"شرح" وحشوا برماحهم أي: ألقوها.
وعن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله -ﷺ: "تمرق مارقة من الناس، تقتلهم أولى الطائفتين بالله ﷿".
وعن ابن مسعود أن رسول الله -ﷺ- أتى منزل أم سلمة، فجاء علي فقال رسول الله -ﷺ: "يا أم سلمة، هذا قاتل القاسطين والناكثين والمارقين من بعدي" أخرجهما الحاكمي.
"شرح" القاسطون: الجائرون من القسط بالفتح والقسوط: الجور والعدول عن الحق، والقسط بالكسر: العدل.
ذكر السبب الموجب لقتال الخوارج عليًّا -﵇:
عن ابن عباس قال: اجتمعت الخوارج في دارها وهم ستة آلاف أو نحوها، قلت لعلي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، أبرد بالصلاة لعلي ألقى هؤلاء القوم، فقال: إني أخافهم عليك، قال: فقلت: كلا، قال: ثم لبس حلتين من أحسن الحلل، قال: وكان ابن عباس جميلًا جهيرًا، قال: فلما نظروا إلي قالوا: مرحبا بابن عباس، فما هذه الحلة؟ قال: قلت: وما تنكرون من ذلك؟ لقد رأيت على رسول الله -ﷺ- حلة من أحسن الحلل، قال: ثم تلوت عليهم: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ ١ قالوا: فما جاء بك؟ قلت: جئتكم من عند أمير المؤمنين ومن عند أصحاب رسول الله -ﷺ- ومن المهاجرين والأنصار لأبلغكم ما قالوا ولأبلغهم ما تقولون، فما تنقمون من علي ابن عم رسول الله -ﷺ- وصهره؟ قال: فأقبل بعضهم على بعض، فقال بعضهم: لا
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية ٣٢.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
تكلموه، فإن الله تعالى يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وقال بعضهم: ما يمنعنا من كلام ابن عم رسول الله -ﷺ- وهو يدعونا إلى كتاب الله؟ قالوا: ننقم عليه خلالا ثلاثا، قال: وما هن؟ قالوا: حكم الرجال في أمر الله -﷿- وما للرجال ولحكم الله؟! وقاتل ولم يسب ولم يغنم، فإن كان الذين قاتل قد حل قتالهم فقد حل سبيهم وإن لم يكن حل سبيهم فما حل قتالهم، ومحا اسمه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير المشركين؛ قال: فقلت لهم: غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا؛ قال: قلت: أرأيتم إن خرجت من هذا بكتاب الله وسنة رسوله أراجعون أنتم؟ قالوا: وما يمنعنا؟ قلت: أما قولكم حكم الرجال في أمر الله فإني سمعت الله -﷿- يقول في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ في ثمن صيد أرنب أو نحوه يكون قيمته ربع درهم، فرد الله الحكم فيه إلى الرجال، ولو شاء أن يحكم لحكم، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، قلت: وأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم فإنه قاتل أمكم، وقال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ فإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها أمكم فما حل سباها، فأنتم بين ضلالين، أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، قال: وأما قولكم: محا اسمه من أمير المؤمنين، فإني أنبئكم بذلك عمن ترضون، أما تعلمون أن رسول الله -ﷺ- يوم الحديبية وقد جرى الكتاب بينه وبين سهيل بن عمرو قال: "يا علي، اكتب: هذا ما اصطلح محمد رسول الله -ﷺ- وسهيل بن عمرو" فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال: "اللهم إنك تعلم أني رسولك" ثم أخذ الصحيفة فمحاها بيده، ثم قال: "يا علي اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمر" فوالله ما أخرجه الله بذاك من النبوة، أخرجت من هذا؟ قالوا: نعم. قال: فرجع ثلثهم، وانصرف ثلثهم، وقتل سائرهم على الضلالة. أخرجه بكار بن قتيبة في نسخته.
[ ٣ / ٢٢٧ ]