ذكر ما جاء دليلًا على خلافته تنبيهًا سابقًا منه -ﷺ- وتقريرًا لاحقًا من الصحابة وشهادة منهم بصحتها، وأنها لم تكن إلا بحق.
وقد تقدم جملة من أحاديث هذا الذكر، فشيء منها تقدم في باب الأربعة في ذكر ما جاء في خلافة الأربعة، وفي باب الثلاثة كذلك وفي باب أبي بكر وعمر كذلك، وبعضها مصرح بخلافتهم على الترتيب الواقع منه -ﷺ- تارة ومن فهم الصحابة أخرى، خصوصًا أحاديث مرائيه -ﷺ- فإن أحاديثها متفق على صحتها.
وكذلك حديث الأمر بالاقتداء بأبي بكر وعمر وبعده باقيها، تقدم في الخصائص ونحن ننبه عليه لنفرغ إليه عند الحاجة إلى الاستدلال به.
فمنها حديث ابن عباس: "ليس أحدا من علي" إلى قوله: "سدوا عني كل خوخة" وفهم الصحابة رضوان الله عليهم من ذلك التنبيه على الخلافة.
وقد تقدم وجه بيان الدلالة منه وهو في الذكر الرابع في فصل الخصائص وأحاديث أفضليته كلها دليل على تعينه على قولنا لا تنعقد ولاية المفضول عند وجود الأفضل، وعلى القول الآخر دليل على أولويته لا نزاع في ذلك وقد تقدمت في الذكر الثالث عشر من الخصائص.
وتقدم ضرب منها في باب الأربعة وفي باب الثلاثة، وفي باب أبي بكر وعمر، وحديث استخلافه على الصلاة لما ذهب يصلح بين بني عوف في الذكر الثالث والأربعين من الخصائص.
وحديث استخلافه عليها في مرض وفاته في الخامس والأربعين وهو من أوضح الأدلة، وعليه اعتمد عمر وعلي وغيرهما من الصحابة في الاستدلال على خلافته وعلى أحقيته بها على ما سيأتي في آخر هذا الذكر، ووجهه أنه كان وهو -ﷺ- قد تأهب للنقلة إلى ربه فعينه للإمامة، ثم عورض بعرض غيره عليه لذلك فمنع منه، ثم لما أن تقدم غيره كره ذلك وصرح بالمنع منه، ثم لما أن تقدم غيره كره ذلك وصرح بالمنع منه، ثم أكده بتكرار المنع فقال: "لا لا لا" ثم أردف ذلك بما فيه تعريض بالخلافة بل تصريح بقوله: "يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر" ثم أكد ذلك بتكرار كل ذلك مع علمه -ﷺ- بأن ذلك مظنة الخلافة فإنه كان ﷺ إمامهم في
[ ١ / ٢١٦ ]
الصلاة والحاكم عليهم، فلما أقام أبا بكر ذلك المقام مع توفر هذه القرائن الحالية والمقالية، علم أنه أراد ذلك، وفي قوله: "يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر" أكبر إشارة بل أفصح عبارة، ولولا اعتماده -ﷺ- على تلك الإشارة المصرحة بإرادة الخلافة لما أهمل أمرها، فإنها من الوقائع العظيمة في الدين، ويؤيد ذلك أنه أراد كتب العهد على ما سنذكره ثم تركه وقال: "يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر" إنما كان والله أعلم اكتفاء بنصبه إمامًا عند إرادة الانتقال عنهم وإحالة على فهم ذلك عنه، ولم يصرح بالتنصيص عليها؛ لأنه مرتبط بما يوحى إليه لا يفعل شيئًا إلا بأمر ربه، ولم يأمره بالتنصيص لينفذ قضاءه وقدره في ابتداء قوم عميت أبصارهم بما ابتلاهم به وليبين فضل من انقاد إلى الحق بزمام الإشارة ودله نور بصيرته عليه، فإن من لم يعتقد ذلك بعد بلوغ هذه الأحاديث والعلم بتلك القرائن الحالية والمقالية، فالظاهر عناده ورده للحق بعد تبينه.
ومنها حديث عائشة: "لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره" وهو صريح في الباب لعموم الإمامة تقدم في الرابع والأربعين، وحديث الحوالة عليه في السابع والأربعين وهو من أدل الأدلة وأوضحها، وحديثها من أصح الأحاديث وإن صحت الزيادة على ما رواه مسلم وهي قوله -ﷺ: "فإني أخاف أن يتمنى متمن أو يقول قائل: أنا أولى".
وفي رواية: "لكيلا يطمع في الأمر طامع أو يتمنى متمن" ثم قال: "ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" ويأبى الله ويدفع المؤمنون، أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليه، وهذا صريح في الباب ولا يقال: إنه نص على إمامته بتوليته من جهته -ﷺ- فإنه لم يكتب، بل عرف بأنه يكون الخليفة بعده فجعل الله ﷾ ذلك وإجماع المسلمين عليه.
ذكر سؤال النبي -ﷺ- تقدمة علي، فأبى الله إلا تقدمة أبي بكر:
عن علي قال: قال رسول الله -ﷺ: "سألت الله -﷿- أن يقدمك
[ ١ / ٢١٧ ]
ثلاثًا فأبى إلا تقديم أبي بكر" خرجه الحافظ السلفي في المشيخة البغدادية، وخرجه صاحب الفضائل ولفظه: "يا علي، نازلت الله فيك ثلاثًا فأبى أن يقدم إلا أبا بكر" وقال: غريب وهذا الحديث مع غرابته يعتضد بما تقدم من الأحاديث الصحيحة، فيستدل بها على صحته لشهادة الصحيح لمعناه.
ذكر ما روي عن عمر في هذا الباب:
عن عبد الله بن مسعود قال: كان رجوع الأنصار يوم سقيفة بني ساعدة بكلام قاله عمر بن الخطاب: نشدتكم بالله هل تعلمون أن رسول الله -ﷺ- أمر أبا بكر يصلي بالناس؟ قالوا: اللهم نعم قال: فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله -ﷺ؟ فقالوا: كلنا لا تطيب نفسه ونستغفر الله. خرجه أبو عمر وخرج أحمد معناه وفي آخره: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ قالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر، وهذا مما يؤكد الاستدلال بإمامة الصلاة على الخلافة كما قررنا والله أعلم.
ذكر ما روي عن علي -﵁- متضمنًا القول بصحة خلافة أبي بكر، متعلقًا في ذلك بسبب من النبي -ﷺ:
عن الحسن قال: قال لي علي بن أبي طالب: لما قبض رسول الله -ﷺ- نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي -ﷺ- قد قدم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله -ﷺ- لديننا.
وعنه قال: قال علي: قدم رسول الله -ﷺ- أبا بكر يصلي بالناس وقد رأى مكاني وما كنت غائبًا ولا مريضًا، ولو أراد أن يقدمني لقدمني، فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله -ﷺ- لديننا.
وعن قيس بن عبادة قال: قال لي علي بن أبي طالب: إن رسول الله -ﷺ- مرض ليالي وأيامًا ينادي بالصلاة فيقول: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"
[ ١ / ٢١٨ ]
فلما قبض رسول الله -ﷺ- نظرت فإذا الصلاة علم الإسلام وقوام الدين، فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله -ﷺ- لديننا، فبايعنا أبا بكر. خرجه أبو عمر وخرج معنى الثلاثة ابن السمان في الموافقة وابن خيرون في حديث طويل تقدم في باب الثلاثة عن الحسن البصري.
وهذا مما يؤيد ما ذكرناه من الاستدلال بتقديمه إمامًا في الصلاة على الإشارة إلى الخلافة، وإن رضاهم به خليفة إنما كان لكونه -ﷺ- رضيه لإمامة الصلاة.
وقد تقدم في الخصائص في ذكر أفضليته قوله -﵁: إن أترككم فإن يرد الله بكم خيرًا يجمعكم على خيركم، كما جمعنا بعد رسول الله -ﷺ- على خيرنا، وقد تقدم أيضًا دعاؤه أبا بكر: يا خليفة رسول الله في مواضع شتى.
وعن سويد قال: دخل أبو سفيان على علي والعباس فقال لهما: ما بال هذا الأمر في أذل قبيلة من قريش وأقلها؟ والله إن شئت لأملأنها عليه خيلًا ورجلًا ولأورثنها عليه من أقطارها أي: لأصرمنها فقال علي: ما أريد أن تملأها عليه خيلًا ورجلًا، ولولا أنا رأيناه أهلًا ما خليناه وإياها يا أبا سفيان، المؤمنون قوم نصحة بعضهم لبعض متوادون وإن بعدت ديارهم، والمنافقون غششة بعضهم لبعض وإن قربت ديارهم، خرجه ابن السمان في الموافقة بهذا السياق، وهو عند غيره إلى قوله: أملأها عليه خيلًا ورجلًا.
ذكر ما روي عن أبي عبيدة بن الجراح في هذا الباب:
عن أبي البختري قال: قال عمر لأبي عبيدة بن الجراح: أبسط يدك حتى أبايعك، فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "أنت أمين هذه الأمة" فقال أبو عبيدة: ما كنت لأتقدم بين يدي رجل أمره رسول الله -ﷺ- أن يؤمنا فأمنا حتى مات. خرجه أحمد وخرجه صاحب الصفوة.
[ ١ / ٢١٩ ]
وعن إبراهيم التيمي قال: لما قبض رسول الله -ﷺ- أتى عمر أبا عبيدة فقال: ابسط يدك لأبايعك؛ فإنك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله -ﷺ- قال أبو عبيدة لعمر: ما رأيت لك فهة قبلها منذ أسلمت، تبايعني وفيكم الصديق ثاني اثنين؟!
"شرح" الفهة: السقطة والجهلة ونحو ذلك قال أبو عبيدة، والفهة والفهاهة: العي يقال: رجل فه وامرأة فهة.
ذكر ما روي عن عبد الله بن مسعود في ذلك:
عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال: إن الله ﵎ نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد -ﷺ- خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه -ﷺ- يقاتلون عن دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيئًا، وقد رأى أصحاب رسول الله -ﷺ- جميعًا أن يستخلفوا أبا بكر -﵁. خرجه ابن السري وهذا من أقوى الأدلة على صحة خلافته -﵁- فإن الإجماع قطعي.
ذكر ما روي عن أبي سعيد في معنى ذلك:
عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -ﷺ: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخي في الدين وصاحبي في الغار" وإن أبا بكر كان ينزل بمنزلة الوالد، وإن أحق ما اقتدينا به بعد رسول الله -ﷺ- أبو بكر، وروي عن ابن الزبير نحو ذلك. خرجهما إبراهيم التيمي.
ذكر ما أخبره به النصارى مما يتضمن خلافة أبي بكر:
عن جبير بن مطعم قال: لما بعث الله نبيه -ﷺ- وظهر أمره بمكة خرجت إلى الشام، فلما كنت ببصرى أتتني جماعة من النصارى فقالوا
[ ١ / ٢٢٠ ]
لي: من الحرم أنت؟ قلت: نعم قالوا: تعرف هذا الذي تنبأ فيكم؟ قلت: نعم قال: فأخذوا بيدي فأدخلوني ديرًا لهم فيه تماثيل وصور فقالوا لي: انظر هل ترى صورة هذا الذي بعث فيكم؟ فنظرت فلم أر صورته فقلت: لا أرى صورته، فأدخلوني ديرًا أكبر من ذلك فإذا فيه تماثيل وصور أكثر مما في ذلك الدير فقالوا لي: انظر هل ترى صورته؟ فنظرت فإذا أنا بصفة رسول الله -ﷺ- وصورته وإذا أنا بصفة أبي بكر وصورته وهو آخذ بعقب النبي -ﷺ- فقالوا: هل ترى صفته؟ قلت: نعم فقلت: لا أخبرهم حتى أعرف ما يقولون فقالوا: هو هذا؟ قلت: نعم أشهد أنه هو قالوا: أتعرف هذا الذي آخذ بعقبه؟ قلت: نعم قالوا: نشهد أن هذا صاحبكم وأن هذا الخليفة من بعده. خرجه ابن الصاعد، فإن قيل: ما ذكرتموه مما أوردتموه في حق أبي بكر واستدللتم به على أنه الخليفة بعد رسول الله -ﷺ- معارض بما جاء في حق علي بن أبي طالب، وقد وردت أحاديث تدل على أنه الخليفة بعد رسول الله -ﷺ.
فمنها حديث سعد بن أبي وقاص وابن عباس: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" أخرجاه وغيرهما "أنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي" قال له ذلك، وقد استخلفه لما ذهب ﷺ إلى غزوة تبوك. خرجه أحمد في مسنده والحافظ أبو القاسم الدمشقي في الموافقات.
وسيأتي مستوفيًا في خصائصه من باب مناقبه، ووجه الدلالة أن موسى استخلف هارون عند ذهابه إلى ربه، فمقتضى التنظير بينهما أن يكون خليفته عند ذهابه إلى ربه كما كان هارون من موسى، وأن يكون المراد بقوله: "لا ينبغي أن أذهب" أي: إلى ربي وذلك ظاهر جلي، ومنها حديث: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره" وفي بعض طرقه: "ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ "
[ ١ / ٢٢١ ]
قالوا: بلى يا رسول الله قال: "من كنت مولاه فإن هذا عليا مولاه" خرجه أحمد وأبو حاتم والترمذي والبغوي.
وسنذكر الحديث بطرق كثيرة في خصائصه من باب مناقبه إن شاء الله تعالى، ووجه الدلالة أن المولى في اللغة المعتق والعتيق وابن العم والعصبة ومنه: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي﴾ وسموا بذلك لأنهم يلونه في النسب من الولي القرب، ومنه قول الشاعر:
هم الموالي وإن جنفوا علينا وإنا من لقائهم لزور
أي: بنو الأعمام، والحليف وهو العقيد والجار والناصر، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ في قول ابن عرفة والولي ومنه الآية، قال بعضهم: أي وليهم والقائم بأمرهم، وأما الكافر فقد خذله وعاداه.
ومنه أيضًا قوله -ﷺ: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل" أي: وليها ثمانية أوجه، ولا يصح الحمل على شيء من الأربعة الأول إذ لا معنى له في الحديث، وكذلك الخامس إلا على وجه بعيد فإنه يراد بالحليف الناصر والمتبادر إلى الذهن خلافه، إذ الحليف من وجدت منه صورة المحالفة حقيقة والمجاز خلاف الظاهر.
وكذا السادس وهو الجار إلا أن يراد به المجير بمعنى الناصر، ومنه: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ أي: مجير فيرجع إلى معنى الناصر، فتعين أحد معنيين إما الناصر أو الولي بمعنى المتولي، وأيا ما كان أفاد المقصود؛ إذ معناه: من كنت متوليًا أمره والناظر في مصلحته والحاكم عليه فعلي في حقه كذلك، ويتأكد هذا المعنى بقوله: "ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " وما ذاك إلا فيما ذكرناه من النظر فيما يصلحهم وفي الاحتكام عليهم، أو يكون معناه: من كنت ناصره ومنصفه من ظالمه والآخذ له بحقه وبثأره فعلي في
[ ١ / ٢٢٢ ]
حقه كذلك وقد تعذر وصفه بذلك في حال حياة المصطفى -ﷺ- فتعين أن يكون المراد به بعد وفاته.
ومنها وهو أقواها سندًا ومتنًا حديث عمران بن حصين: "إن عليا مني وأنا منه، وهو والي كل مؤمن بعدي" خرجه أحمد والترمذي وقال: حسن غريب، وأبو حاتم وحديث بريدة: "لا تقع في علي؛ فإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي" خرجه أحمد، والحديث الآخر: "من كنت وليه فعلي وليه" خرجه أبو حاتم.
وستأتي هذه الأحاديث مستوفاة في خصائصه إن شاء الله تعالى، ووجه الدلالة أن الولي في اللغة المولى، قاله الفراء والمتولي ومنه: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ١ أي: متول أمري فيهما وضد العدو بمعنى المحب والمتوالي والناصر ومنه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: يخوفكم أنصاره، فحذف المفعول الأول كما تقول: كسوت ثوبًا وأعطيت درهمًا.
وقيل: معناه نخوفكم بأوليائه، فحذف الجار وأعمل الفعل، ولا يتجه حمله على المحب والمتوالي إذ لا يكون للتقييد بالبعدية معنى في الحديثين الأولين، فإنه -﵁- كان محبا متواليا للمؤمنين في حياة المصطفى -ﷺ- وبعد وفاته، والحديث الثالث محمول على الأولين في إرادة البعدية حملا للمطلق على المقيد، فتعين أحد المعاني الثلاثة وأيا ما كان أفاد المقصود إما بمعنى الناصر فقد تقدم توجيهه في الحديث قبله، وإما بمعنى المولى فإن حمل المولى على معنى يتجه في الحديث كما تقدم تقريره فالكلام فيه ما سبق، وإن حمل على ما لا يتجه فلا تصح إرادته، وأما بمعنى المتولي فظاهر في المقصود بل صريح والله أعلم.
قلنا: الجواب من وجهين، الأول: أن الأحاديث المعتمد عليها في خلافة
_________________
(١) ١ سورة يوسف الآية: ١٠١.
[ ١ / ٢٢٣ ]
أبي بكر متفق على صحتها، وهذه الأحاديث غايتها أن تكون حسنة، وإن صح منها شيء عند بعضهم فلا يصح معارضًا لما اتفق عليه.
الثاني: تسليم صحتها مع بيان أنه لا دليل لكم فيها:
قوله في الحديث الأول: "إن موسى استخلف هارون عند ذهابه إلى ربه " إلى آخر ما قرره، قلنا: الجواب عنه من وجهين الأول: يقول: هذا عدول عن ظاهر ما تعلق به لسان الحال والمقال، فإنه قال لعلي تلك المقالة حين استخلفه لما توجه إلى غزوة تبوك على ما يتضح إن شاء الله تعالى في آخر هذا الكلام، وذلك استخلاف حال الحياة، فلما رأى تألمه بسبب التخلف إما أسفًا على الجهاد أو بسبب ما عرض من أذى المنافقين على ما سنبينه إن شاء الله تعالى قال له تلك المقالة إيذانًا له بعلو مكانته منه وشرف منزلته التي أقامه فيها مقام نفسه، فالتنظير بينه وبين هارون إنما كان في استخلاف موسى له منضما إلى الإخوة وشد الأزر والعضد به، وكان ذلك كله حال الحياة مع قيام موسى فيما استخلفه فيه، يشهد بذلك صورة الحال، فليكن الحكم في علي كذلك منضما إلى ما يثبت له من إخوة النبي -ﷺ- وشد أزره وعضده به، غير أنه لم يشاركه في أمر النبوة كما شارك هارون موسى فلذلك قال ﷺ: "إلا أنه لا نبي بعدي".
هذا على سبيل التنظير ولا إشعار في ذلك بما بعد الوفاة لا بنفي ولا بإثبات، بل يقول: لو حمل على ما بعد الوفاة لم يصح تنزيل علي من النبي -ﷺ- منزلة هارون من موسى لانتفاء ذلك في هارون، فإنه لم يكن الخليفة من بعد وفاة موسى وإنما كان الخليفة بعد يوشع بن نون فعلم قطعا أن المراد به الاستخلاف حال الحياة لمكان التشبيه، ولم يوجد إلا في حال الحياة. لا يقال: عدم استخلاف موسى هارون بعد وفاته إنما كان لفقد هارون حينئذ ولو كان حيا ما استخلف والله أعلم غيره، بخلاف علي مع النبي -ﷺ- وإنما يتم دليلكم أن لو كان هارون حيا عند وفاته واستخلف غيره؛ لأنا نقول
[ ١ / ٢٢٤ ]
الكلام معكم في ثنتين: أن المراد بهذا القول الاستخلاف في حال الحياة، فكان التنزيل منزلة هارون من موسى ومنزلة هارون من موسى في الاستخلاف لم تحقق إلا في الحال الحياة، فثبت أن المراد به ما تحقق لا أمر آخر وراء ذلك، وإنما يتم متعلقكم منه أن لو حصل استخلاف هارون بعد وفاه موسى، ثم نقول: هب أن المراد الاستخلاف عند الذهاب إلى الرب فلم قلتم: إن ذلك بالموت؟ وإنما يكون كذلك أن لو لم يكن إلا به وهو ممنوع والذهاب إلى الرب ﷾ في الحياة أيضًا، وهل كان ذهاب موسى إلى ربه إلا في حال حياته والصلاة مناجاة والدعاء كذلك والحجاج والعمار وفد الله، فهل يكون الذهاب إلى شيء من ذلك إلا ذهابًا إلى الرب حقيقة ومطابقتها أوقع من مطابقة الذهاب بالموت؟
فكل ذاهب إلى طاعة ربه ذاهب إلى ربه؛ لا به متوجه إليه بها وإن كان في بعض التوجه أوقع منه في غيره هذا لا نزاع فيه، فيكون النبي -ﷺ- استخلف عليا وهو ذاهب إلى ربه بالخروج إلى طاعته بالجهاد كما استخلف موسى هارون في حال حياته ذاهبًا إلى ربه والله أعلم.
الوجه الثاني: أن سياق هذا القول خبر، ولو كان المراد به ما بعد الوفاة لوقع لا محالة كما وقع، كما أخبر عن وقوعه، فإن خبره -ﷺ- حق وصدق: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١ ولما لم يقع علم قطعًا أنه لم يرد ذلك.
وقوله: "إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي" المراد به والله أعلم: خليفتي على أهلي فإنه -ﷺ- لم يستخلف إلا عليهم، والقرابة مناسبة لذلك واستخلف -ﷺ- على المدينة محمد بن مسلم الأنصاري وقيل: سباع بن عرفطة ذكره ابن إسحاق، وقال: خلف رسول الله -ﷺ- في غزوة تبوك عليا على أهله، وأمره بالإمامة فيهم فأرجف المنافقون على علي، وقالوا: ما خلفه إلا
_________________
(١) ١ سورة النجم الآية: ٣.
[ ١ / ٢٢٥ ]
استثقالًا قال: فأخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله -ﷺ- وهو نازل بالجرف فقال: يا نبي الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني لأنك استثقلتني وتخففت مني فقال: "كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" أو يكون المعنى: إلا وأنت خليفتي في أهلي في هذه القضية على تقدير عموم استخلافه في المدينة إن صح ذلك ويكون ذلك لمعنى اقتضاه في تلك المرة علمه رسول الله -ﷺ- وجهله غيره، يدل عليه أنه -ﷺ- استخلف غيره في قضايا كثيرة ومرات عديدة أو يكون المعنى الذي يقتضيه حالك وأمرك ألا أذهب في جهة إلا وأنت خليفتي؛ لأنك مني بمنزلة هارون من موسى لمكان قربك مني وأخذك عني، لكن قد يكون شخوصك معي في وقت أنفع لي من استخلافك، أو يكون الحال يقتضي أن المصلحة في استخلاف غيرك فيتخلف حكم الاستخلاف عن مقتضيه لمعارض أقوى منه يقتضي خلافه، وليس في شيء من ذلك كله ما يدل على أنه الخليفة من بعد موته -ﷺ.
وأما الحديث الثاني فقوله فيه، فتعين أحد معنيين إما الناصر وإما الولي بمعنى المتولي، فيقول بموجبه لا بالتقدير الذي قدروه والمعنى الذي نزلوه عليه بل يكون التقدير على معنى الناصر: من كنت ناصره فعلي ناصره لأن عليا جلا من الكروب في الحروب ما لم يجلها غيره وفتح الله على يديه في زمنه -ﷺ- ما لم يفتح على يد غيره، وشهرة ذلك تغني عن الاستدلال عليه والتطويل فيه.
وإذا كان بهذه المثابة كان ناصرًا من كان النبي -ﷺ- ناصره، لما أشاد الله تعالى به من دعائم الإسلام المثبتة له بها منه في عنق الخاص والعام بنصرة المسلمين وإشادته منار الدين، أو يكون المعنى: من كنت ناصره فعلي نصره، وإن كان ذلك واجبًا على كل أحد من الصحابة بل من الأمة، لكن أثبت بذلك لعلي نوع اختصاص؛ لأنه أقربهم إليه وأولاهم بالانتصار
[ ١ / ٢٢٦ ]
لمن نصره وهذا أولى من حمل الناصر على المعنى الذي ذكروه؛ لما يستلزم ذلك من المفسدة العظيمة والوصمة الفظيعة والثلمة المتفاقمة في جلة أصحاب رسول الله -ﷺ- من المهاجرين والأنصار على ما سنقرره في الجواب عن الحديث الثالث، مما يدل على أنه لا يجوز حمله على معنى الاستخلاف بعده.
وأما على معنى المتولي فيكون التقدير: فعلي وليه ومتولي أمره بعدي، فلا يصح ذلك إذ الإجماع منعقد على أنه لم يرد ذلك في الحالة الراهنة فيكون كالحديث الثالث، وسيأتي الكلام عنه مستوفيًا إن شاء الله تعالى.
على أننا نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد بالولي المنعم استعارة من مولى العتق، التفاتًا إلى المعنى المتقدم آنفًا في معنى الناصر ويكون التقدير من أنعم الله عليه بالهداية على يد نبيه -ﷺ- إلى الإسلام والإيمان حتى اتصف النبي -ﷺ- بأنه مولاه، فقد أنعم الله عليه أيضًا باستقامة أمر دينه وأمانه من أعداء الدين وخذلانهم وقوة الإسلام وإشادة دعائمه على يد علي بن أبي طالب مما اختص به دون غيره مما تقدم بيانه مما يصحح بيانه له الاتصاف بأنه مولى له أيضًا.
وقد حكى الهروي عن أبي العباس أن معنى الحديث: من أحبني وتولاني فليحب عليا وليتوله، وفيه عندي بعد إذ كان قياسه على هذا التقدير أن يقول: من كان مولاي فهو مولى علي، ويكون المولي بمعنى الولي ضد العدو، فلما كان الإسناد في اللفظ على العكس من ذلك بعد هذا المعنى ولو قال: معناه: من كنت أتولاه وأحبه فعلي يتولاه ويحبه، كان أنسب للفظ الحديث وهو ظاهر لمن تأمله، نعم يتجه ما ذكره من وجه آخر بتقدير حذف في الكلام على وجه الاختصار، تقديره: من كنت مولاه فسبيل المولى وحقه أن يحب ويتولى فعلي أيضًا مولاه؛ لقربه مني ومكانته من تأييد الإسلام، فليحبه وليتوله كذلك.
[ ١ / ٢٢٧ ]
وأما الحديث الثالث فقوله: فتعين حمل الولي إما على الناصر المتولي إلى آخر ما قرر قلنا: الجواب عنه من وجهين الأول: القول بالموجب على المعنيين من البيان بأنه لا دليل فيه لكم، أما على معنى الناصر فلما بيناه في الحديث قبله، وأما بمعنى المتولي فقد كان ذلك وإن كان بعد من كان بعده إذ يصدق عليه بعده حقيقة ومثل هذا قد ورد.
وسيأتي في مناقب عثمان أن النبي -ﷺ- رأى في منامه حورية فقال لها: "لمن أنت؟ " قالت: للخليفة من بعدك عثمان، ويكون فائدة ذكر ذلك التنبيه على فضيلته والأمر بالتمرن على محبته، فإنه سيلي عليكم ويتولى أمركم، ومن تتوقع إمرته فالأولى أن يمرن القلب على مودته ومحبته ومجانبة بغضه؛ ليكون أدعى إلى الانقياد وأسرع للطواعية وأبعد من الخلف.
ويشهد لذلك أن هذا القول صدر حين وقع فيه من وقع وأظهر بغضه من أظهر على ما تضمنه الحديث، وسيأتي في خصائصه أيضًا، فأراد نفي ذلك عنهم والتمرن على خلافته لحاجتهم إليه وحاجته إليهم، ولا يجوز حمله على أنه المتولي عقيب وفاته -ﷺ- في الأحاديث كلها لوجوه:
الأول: أن لفظ الحديث لفظ الخبر ممن لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ولو كان المراد به ذلك لوقع لا محالة كما وقع كل ما أخبر عنه، ولما لم يقع ذلك دل على أن المراد به غيره، لا يقال: لم لا يجوز أن يكون المراد بلفظ الخبر؛ لأنا نجيب عنه من وجهين:
الأول: أنه صرف اللفظ عن ظاهره، وذلك مرجوح والظاهر راجح فوجب العمل به.
الثاني: أن ذلك أمر عظيم مهم في الدين وحكم تتوفر عليه داعية المسلمين، ومثل ذلك لا يكتفى فيه بالألفاظ المحتملة بل يجب فيه التصريح بنص أو ظاهر الوجه.
[ ١ / ٢٢٨ ]
الثاني: أنه يشم من الحمل على ذلك مفسدة عظيمة، وهي نسبة الأمة إلى الاجتماع على الضلالة، واعتقاد خطأ جميع الصحابة على تولية أبي بكر -﵁ وعنهم أجمعين- وأن عليا وافقهم على ذلك الخطأ، فإن بيعته قد اجتمع عليها ما سنقرره في فصل خلافته وذلك منفي بقوله -ﷺ: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" وما ذكرناه في المصير إليه دفع لهذا المحذور ونفي للظلم أو الخطأ عن الجم الغفير المشهود لهم بأنهم كالنجوم وأن من اقتدى بهم اهتدى، خصوصًا من أمره -ﷺ- بالاقتداء به من بعده، وشهد بالرشد لمن أطاعه، وأن الدين يتم به على ما سبق مما تضمنه باب أبي بكر وعمر.
وما تدعيه الرافضة من أن عليا ومن تابعه من بني هاشم في ترك المبادرة إلى بيعة أبي بكر، إنما بايعوه تقية بلا إجماع في نفس الأمر، فذلك في غاية الفساد، وسنقرره ونجيب عنه على الوجه الأسد في ذكر بيعة علي إن شاء الله من هذا الفصل. الثالث: أن الأحاديث المتقدمة في أبي بكر دلت على أنه الخليفة عقيب وفاته -ﷺ- وقد مر وجه دلالتها على ما تقدم، وأحاديث علي مترددة بين احتمالين، ففي الحمل على أحدهما توفيق بين الأحاديث كلها ونفي للمحذور اللازم في حق الصحابة كما قررناه، والحمل على الآخر إلغاء لبعضها وتقرير لذلك المحذور، فكان الحمل على ما يحصل به التوفيق ونفي المحذور أولى عملًا بالأحاديث كلها، وكيف يتطرق خلاف ذلك إلى الوهم؟
وقد روي عن علي وغيره من الصحابة -رضوان الله عليهم- ما يشهد بصحته على ما تقدم تقريره وتتبادر الأفهام عند سماعه إلى أنه مانع من تطرق تلك الأوهام، أم كيف يحل اعتقاد خلاف ذلك والإجماع على خلافه وهو قطعي؟ والله أعلم.
الوجه الثاني من الوجهين في الجواب: أنه لا يجوز أن يكون الولي هنا
[ ١ / ٢٢٩ ]
بمعنى المحب المتوالي ضد العدو، والتقدير: وهو متواليكم ومحبكم بعدي، ويكون المراد بالبعدية ههنا في الرتبة لا بعد وفاته -ﷺ- أي: أنا المتقدم في توالي المسلمين ومحبتهم بذلك الاعتبار المتقدم، ثم علي بعدي في الدرجة الثانية لمكانته مني وقربه ومناسبته، فهو أولى بمحبة من أحبه وتوالي من أتولاه ونصرة من أنصره وإجارة من أجيره، والله أعلم.
ذكر أنه -ﷺ- لم يعهد في الخلافة بعهد، ولم ينص فيها على أحد بعينه:
وقد تقدم حديث حذيفة في باب الشيخين وأحاديث علي في ذلك أيضًا، وعن طلحة بن مصرف قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أوصى رسول الله -ﷺ؟ قال: لا قلت: وكيف أمر المسلمين بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله، قال طلحة: قال الهزيل بن شرحبيل: أبو بكر يتأمر، علي وصي رسول الله -ﷺ- ود أبو بكر أنه وجد عهدًا وخزم أنفه بخزام، وقول عمر: وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني رسول الله -ﷺ- دليل أيضًا على عدم العهد في ذلك.
وعن فطر عن شيخ من بني هاشم قال: قال رجل لعلي لما قبض رسول الله -ﷺ: اخرج يا علي وأخبر الناس أن النبي -ﷺ- جعل الخلافة فينا فلا تخرج منا أبدًا فقال: لا والله ما كذبت عليه حيا، أفأكذب عليه ميتًا؟!
وعن ابن عباس أن العباس أخذ بيد علي وقال له: ألا ترى أنك بعد ثلاث عبد العصى، والله لأرى رسول الله -ﷺ- سيتوفى في وجعه هذا، فإني لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب، فاذهب إلى رسول الله -ﷺ- فاسأله فيمن يكون هذا الأمر؟ فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا أمرناه وأوصى بنا فقال علي: والله إن سألناها رسول الله -ﷺ- فمنعناها لا يعطيناها الناس أبدًا.
وعن علي -﵁- أنه قال: إن رسول الله -ﷺ- لم يعهد إلينا
[ ١ / ٢٣٠ ]
عهدًا نأخذ به في الإمارة، ولكنه شيء رأيناه من قبل أنفسنا فإن يكن صوابًا فمن الله وإن يكن خطأ فمن قبل أنفسنا، ثم استخلف أبو بكر فأقام واستقام، ثم استخلف عمر فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه.
وقد تقدم هذا في باب الشيخين وسيأتي في مقتل علي أنهم قالوا له: استخلف فقال: لا، ولكن أكلكم إلى من وكلكم رسول الله -ﷺ- وإذا ثبت أنه لم يستخلف كان ما ذكرناه في حق أبي بكر من تقديمه للصلاة وما في معناه تنبيهًا لا عهدًا.
ذكر بيعة أبي بكر، وما يتعلق بها:
حكى الواقدي أن أبا بكر بويع بالخلافة يوم قبض رسول الله -ﷺ- يوم الاثنين لست عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة وقال ابن قتيبة وأبو عمر: بويع بالخلافة يوم قبض رسول الله -ﷺ- في سقيفة بني ساعدة وبويع بيعة العامة على المنبر يوم الثلاث من غد ذلك اليوم، قال أبو عمر: وتخلف عن بيعته سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وفرقة من قريش، ثم بايعوه بعد غير سعد، وقيل: إنه لم يتخلف عنه أحد من قريش يومئذ، وقيل: تخلف عنه علي والزبير وطلحة وخالد بن العاص ثم بايعوه بعد، ثم لم يزل علي سامعًا مطيعًا له يثني عليه ويفضله.
قال ابن قتيبة: وارتدت العرب إلا القليل منهم بمنع الزكاة، فجاهدهم حتى استقاموا وبعث عمر على الحج فحج بالناس سنة إحدى عشرة، وفتح اليمامة وقتل مسيلمة الكذاب والأسود العنسي بصنعاء، وقاتل جموع أهل الردة إلى أن رجعوا إلى دين الله تعالى وقد أفردنا لقتال أهل الردة تأليفًا مختصرًا جامعًا، وحج بالناس أبو بكر سنة اثنتي عشرة، ثم صدر إلى المدينة وبعث الجيوش إلى الشام والعراق.
وذكر صاحب الصفوة أنه اعتمر في رجب سنة اثنتي عشرة، فدخل مكة ضحوة وأتى منزله وأبو قحافة جالس على باب داره ومعه فتيان يحدثهم
[ ١ / ٢٣١ ]
فقيل له: هذا ابنك، فنهض قائمًا وعجل أبو بكر أن ينيخ راحلته فنزل عنها وهي قائمة، فجعل يقول: يا أبت لا تقم ثم التزمه، وقيل بين عيني أبي قحافة، وجعل أبو قحافة يبكي فرحًا بقدومه، وجاء إلى مكة عتاب بن أسيد وسهيل بن عمرو وعقبة بن عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام فسلموا عليه: سلام عليك يا خليفة رسول الله -ﷺ- وصافحوه جميعًا، فجعل أبو بكر يبكي حين يذكرون رسول الله -ﷺ- ثم سلموا على أبي قحافة فقال أبو قحافة: يا عتيق هؤلاء الملأ فأحسن صحبتهم فقال أبو بكر: يا أبت لا حول ولا قوة إلا بالله، طوقت عظيمًا من الأمر لا قوة لي به ولا يدان إلا بالله، وقال: هل أحد يشتكي ظلامة؟ فما أتاه أحد وأثنى الناس على واليهم.
"شرح" الملأ: الجماعة ويطلق على أشراف القوم؛ لأنهم يملئون القلب والعين، وكان حاجبه سديفا مولاه وكاتبه عثمان بن عفان وعبد الله بن الأرقم وكان نقش خاتمه: عبد ذليل لرب جليل، قاله ابن عباس وأكثر المؤرخين على أن نقش خاتمه: نعم القادر الله، وعليه عول الزبير بن بكار وغيره من المتقدمين، وهذا الخاتم لم يكن أبو بكر يطبع به، إنما كان يطبع بخاتم رسول الله -ﷺ.
وعن ابن عمر قال: اتخذ رسول الله -ﷺ- خاتمًا من ورق فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم في يد عثمان حتى وقع في بئر أريس، نقشه: محمد رسول الله. وفي رواية قال: "لا ينقش أحد على نقش خاتمي" أخرجاه، وفي بعض الطرق من حديث الأنصاري: محمد سطر ورسول سطر والله سطر، وعن أنس قال: كان خاتم النبي -ﷺ- في يده ثم كان في يد أبي بكر ثم كان في يد عمر فلما كان في يد عثمان جلس على بئر أريس وأخرج الخاتم، فجعل يعبث به فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان ننزح البئر فلم نجده، أخرجاه.
[ ١ / ٢٣٢ ]
"شرح" الورق: الدراهم المضروبة وكذا الرقة مخففًا، والهاء بدل من الواو، وقد اختلف في هذا الخاتم: هل أمر النبي -ﷺ- باتخاذه واصطناعه وعليه دل ظاهر هذا الخبر وغيره، أو اصطنعه أحد الصحابة لنفسه فرآه النبي -ﷺ- وأمر أن لا ينقش عليه واتخذه لنفسه وعليه دل بعض الآثار؟ والله أعلم.
ذكر بيعة السقيفة، وما جرى فيها:
عن ابن عباس أن عمر قام على المنبر فقال: لا يغترن امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، ألا وإنها كانت كذلك ألا وإن الله وقى شرها، وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه كان من خيرنا حين توفي رسول الله -ﷺ.
إن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله -ﷺ- وتخلفت عنا الأنصار بأجمعها في سقيفة بني ساعدة، فاجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذي صنع القوم، فقال: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلت: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا: لا عليكم ألا تقربوهم واقضوا أمركم يا معاشر المهاجرين فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة فقلت: ما له؟ قالوا وجيع فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله وقال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معاشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة منكم تريدون أن تختزلونا من أصلنا وتحضنونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقولها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أداري منه بعض الجسد وهو كان أحلم مني وأوقر فقال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه وكان أعلم مني وأوقر، والله ما ترك كلمة
[ ١ / ٢٣٣ ]
أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته، وأفضل حتى سكت فقال: أما بعد فما ذكرتم من خير فأنتم أهله ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح فلم أكره مما قال غيرها، وكان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر إلى أن تغير نفسي عند الموت.
فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير قال: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشينا الخلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة قال: فقلت: قتل الله سعد بن عبادة قال مالك: فأخبرني ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن الرجلين اللذين لقياهما عويم بن ساعدة ومعن بن عدي قال ابن شهاب: وأخبرني سعيد بن المسيب أن الذي قال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب الحباب بن المنذر، أخرجاه.
وفي رواية: لما كان يوم الجمعة عجلت بالرواح حتى زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسًا إلى ركن المنبر فجلست حذوه تمس ركبتي ركبته فلم أنشب أن خرج عمر فجلس على المنبر، فلما سكت المؤذن قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي ثم ذكر ما تقدم بتقديم بعض اللفظ وتأخير بعض، أخرجاه.
وفي رواية: لما قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير قال عمر بن الخطاب
[ ١ / ٢٣٤ ]
من له مثل هذه الثلاث ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾؟ قال: ثم بسط يده فبايعه وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة، خرجه الترمذي في الشمائل في وفاة النبي -ﷺ- وخرج أبو حاتم معنى المتفق عليه وقال بعد قوله منا أمير ومنكم أمير: فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء هم أوسط العرب دارًا وأعزهم احتسابًا، فبايعوا عمر وأبا عبيدة فقال عمر: بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله -ﷺ- فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس.
وقال ابن إسحاق: لما قبض رسول الله -ﷺ- انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر وانحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل، فأتى آت إلى أبي بكر وعمر فقال: إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم ورسول الله -ﷺ- في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله.
قال عمر: فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه، ثم ذكر معنى حديث ابن عباس وقال موسى بن عقبة: قال ابن شهاب: فبينما هم يحتفرون والله أعلم قبر رسول الله -ﷺ- أقبل رجل فقرع الباب ونادى عمر بن الخطاب فقال عمر: إنا مشاغيل فما حاجتك؟ قال الرجل: إنه لا بد لك من القيام وسترجع إن شاء الله تعالى، فقام إليه عمر فقال له: إن هذا الحي من الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ومعهم سعد بن عبادة وناس من أشرافهم يقولون: منا أمير ومن المهاجرين أمير، وقد خشيت أن تهيج فتنة، فانظر يا عمر واذكر لإخوانك واحتالوا حيلتكم فإني أنظر إلى باب فتنة إن لم يغلقه الله -عز
[ ١ / ٢٣٥ ]
وجل، ففزع عمر وراعه ذلك، ثم خرج هو وأبو بكر مسرعين إلى بني ساعدة وتركا نفرًا من المهاجرين فيهم علي بن أبي طالب والفضل بن العباس وهم أقاربه وهم ولوا شأنه وغسله وتكفينه، وانطلق أبو بكر وعمر فلقيا أبا عبيدة فانطلقوا جميعًا حتى دخلوا سقيفة بني ساعدة وفيها رجال من أشراف الأنصار وسعد بن عبادة مضطجع بين أظهرهم يوعك، ثم ذكر بمعنى حديث ابن عباس.
وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب أن أبا بكر يوم السقيفة تشهد وأنصت القوم فقال: بعث الله نبيه بالهدى ودين الحق فدعا رسول الله -ﷺ- إلى الإسلام فأخذ الله بقلوبنا ونواصينا إلى ما دعا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلامًا ونحن عشيرته وأقاربه وذوو رحمه، ونحن أهل الخلافة وأوسط الناس أنسابًا في العرب، ولدتنا العرب كلها، فليس منهم قبيلة إلا لقريش فيها ولادة ولن تصلح إلا لرجل من قريش، هم أصبح الناس وجوها، وأسلطهم١ ألسنة وأفضلهم قولًا، فالناس لقريش تبع، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، وأنتم يا معاشر الأنصار إخواننا في كتاب الله وشركاؤنا في دين الله تعالى، وأحب الناس إلينا وأنتم الذين آووا ونصروا وأنتم أحق الناس بالرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لفضيلة إخوانكم من المهاجرين، وأحق الناس أن لا تحسدوهم على خير آتاهم الله إياه وأنا أدعوكم إلى أحد رجلين، ثم ذكر معنى ما قبله من حديث ابن عباس ثم قال: فقالت الأنصار: والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم وما أحد من خلق الله تعالى أحب إلينا ولا أعز علينا ولا أرضى عندنا منكم، ونحن نشفق مما بعد اليوم فلو جعلتم اليوم رجلًا منكم فإذا هلك اخترنا رجلًا من الأنصار فجعلناه مكانه كذلك أبدًا، وكان ذلك أجدر أن يشفق القرشي إن زاغ أن ينقض عليه الأنصاري وأن يشفق الأنصاري إن
_________________
(١) ١ أحدهم.
[ ١ / ٢٣٦ ]
زاغ أن ينقض عليه القرشي فقال عمر: لا ينبغي هذا الأمر ولا يصلح إلا لرجل من قريش، ولن ترضى العرب إلا به ولن تعرف الإمارة إلا له، والله ما يخالفنا أحد إلا قتلناه.
فقام حباب بن المنذر السلمي فقال: منا أمير ومنكم أمير، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، وقد دفت علينا دافة أرادوا أن يختزلونا من أصلنا ويحضنونا من الأمر، وإن شئتم كررناها جذعة.
قال: فكثر القول حتى كاد أن يكون بينهم في السقيفة حرب، وتوعد بعضهم بعضًا ثم تراد المسلمون وعصم الله لهم دينهم، فرجعوا بقول حسن فسلموا الأمر وأغضبوا الشيطان، فوثب عمر وأخذ بيد أبي بكر وقام أسيد بن الحضير أخو بني عبد الأشهل وبشير بن سعد يسبقان ليبايعا فسبقهما عمر وبايعاه معًا، ووثب أهل السقيفة يبتدرون البيعة وسعد بن عبادة مضطجع يوعك، فازدحم الناس على بيعة أبي بكر فقال قائل من الأنصار: اتقوا سعد بن عبادة ولا تطئوه فقال عمر: اقتلوه قتله الله، وقال عمر ذلك بغضب.
فلما فرغ أبو بكر من البيعة رجع إلى المسجد فقعد على المنبر، فبايعه الناس حتى أمسى وشغلوا عن دفن رسول الله -ﷺ- حتى كان آخر الليل من ليلة الثلاثاء، ثم ذكر حديث دفنه والصلاة عليه -ﷺ.
"شرح" الفلتة: ما وقع عاجلًا من غير ترو ولا تدبير في الأمر ولا احتيال فيه، وكذلك كانت بيعة أبي بكر -﵁- كأنهم استعجلوا خوف الفتنة، وإنما قال عمر ذلك لأن مثلها من الوقائع العظيمة التي ينبغي للعقلاء التروي في عقدها لعظم المتعلق بها، فلا تبرم فلتة من غير اجتماع أهل العقد والحل من كل قاص ودان لتطيب الأنفس ولا تحمل من لم يدع إليها نفسه على المخالفة والمنازعة وإرادة الفتنة لا سيما أشرف الناس وسادات العرب، فلما وقعت بيعة أبي بكر على خلاف ذلك قال عمر ما قال
[ ١ / ٢٣٧ ]
ثم إن الله وقى شرها، فإن المعهود في وقوع مثلها في الوجود كثرة الفتن ووقوع العداوة والإحن؛ فلذلك قال عمر: وقى الله شرها.
متزمل: ملتف بثوب أو كساء ومنه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ والكتيبة: الجيش تقول منه: كتب فلان الكتاب تكتيبًا أي: عبارة كتيبة كتيبة، رهط منا أراد: أنكم جماعة منا، ورهط الرجل: قومه وقبيلته، والرهط: ما دون العشرة من الرجال لا يكون معهم امرأة وليس مرادًا هنا، قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ وليس لهم واحد من لفظهم مثل ذود، والجمع: أرهط وأرهاط وأراهط وأراهيط، دفت دافة هو من الدفيف يعني الدبيب تقول: دفت علينا من بني فلان دافة أي: جماعة ودون الجيش إذا زحف، يختزلونا أي: يقتطعونا والاختزال الاقتطاع، ويحضنونا من الأمر أي: يضمونا عنه كأنهم أخذونا إلى حضنهم وهو ما دون الإبط إلى الكشح، وزورت في نفسي مقالة أي: حسنتها وقومتها، وتزوير الشيء تحسينه، أداري: أدافع، والحد والحدة بمعنى بديهته أي: إتيانه بالكلام فجأة من غير فكرة ولا روية والبداهة بمعناه، أوسط العرب نسبًا: أعدلهم وأشرفهم، والجذيل: تصغير الجذل وهو عود ينصب للإبل الجرباء لتحتك به فأراد أن يستشفي برأي، والعذيق: تصغير عذق وهو النخلة، والترجيب: أن تدعم النخلة إذا كثر حملها، ومبادرة أبي بكر وعمر إلى البيعة على ما تضمنه حديث ابن إسحاق وموسى بن عقبة إنما كان مراعاة لمصلحة المسلمين وخشية اضطراب أمر الأمة وافتراق كلمتهم، لا حرصًا على الإمامة.
وقد صرح بذلك أبو بكر في خطبته على ما سيأتي في الذكر بعده؛ ولذلك دل في البيعة على غيره وخشي أن يخرج الأمر عن قريش، فلا تدين العرب لمن يقوم به من غير قريش، فيتطرق الفساد إلى أمر الأمة ولم يحضر معه في السقيفة من قريش غير عمر وأبي عبيدة فلذلك دل عليهما ولم يمكنه
[ ١ / ٢٣٨ ]
ذكر غيرهما ممن كان غائبًا خشية أن يتفرقوا عن ذلك المجلس من غير إبرام أمر ولا إحكامه فيفوت المقصود، ولو وعدوا بالطاعة لمن غاب منهم حينئذ ما أمنهم على تسويل أنفسهم إلى الرجوع عن ذلك، فكان من النظر السديد والأمر الرشيد مبادرته وعقد البيعة والتوثق منهم فيها في حالته الراهنة.
وذلك مما يرضي رسول الله -ﷺ- ويراه من أهم المطالب ويصوب المبادرة إليه ويقدمه على تجهيزه، فإنه -ﷺ- ما زال شفيقًا على أمته رحيمًا بهم مؤثرًا لهم على نفسه حال حياته، فناسب أن يكون كذلك بعد وفاته مع أنهم لم يبادروا إلى ذلك حتى علموا أن من قد تركوه عنده -ﷺ- من أهله كاف في ذلك، فرأوا الجمع بين الأمرين وباشروا منهما ما كان -ﷺ- كلفًا مهتما به، مراعاة لمحابه وإيثارًا لما كان مؤثرة -ﷺ.
وعن أبي سعيد الخدري قال: لما توفي رسول الله -ﷺ- قامت خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول: يا معشر المهاجرين إن رسول الله -ﷺ- كان إذا استعمل رجلًا منكم قرن معه رجلًا منا، فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان، أحدهما منكم والآخر منا، فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك فقام زيد بن ثابت فقال: إن رسول الله -ﷺ- كان من المهاجرين وإن الإمام إنما هو من المهاجرين ونحن أنصاره كما كنا أنصار النبي -ﷺ- قال: فقام أبو بكر الصديق فقال: جزاكم الله من حي خيرًا يا معشر الأنصار، ثبت الله مقالتكم، أما والله لو نعلم غير ذلك لما صالحناكم. خرجه في فضائل أبي بكر وقال: حديث حسن.
ذكر بيعة العامة:
عن أنس بن مالك قال: لما كان يوم الاثنين كشف رسول الله -ﷺ- ستر الحجرة فرأىأبا بكر يصلي بالناس قال: فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف وهو يبتسم، فكدنا أن نفتتن في صلاتنا فرحًا برؤية رسول الله -ﷺ- ثم أرخى الستر وتوفي من يومه ذلك، فقام عمر الغد من يوم توفي رسول
[ ١ / ٢٣٩ ]
الله -ﷺ- على المنبر فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم ثم قال: إن يكن محمد قد مات فإن الله -﷿- قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به، فاعتصموا به تهتدوا لما هدى الله محمدًا -ﷺ- ثم إن أبا بكر صاحب رسول الله -ﷺ- وثاني اثنين، وإنه أولى الناس بأموركم فقوموا فبايعوه، وكانت طائفة منهم قد بايعوا قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكانت بيعة العامة على المنبر. خرجه أبو حاتم وخرجه ابن إسحاق عن أنس ولفظه: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان من الغد، جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس إني قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت ولا وجدتها في كتاب الله -﷿- ولا كانت عهدًا عهده إلي رسول الله -ﷺ- ولكني قد كنت أرى رسول الله -ﷺ- سيدبرنا أي: يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسول الله -ﷺ- فإن اعتصمتم به هداكم لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله -ﷺ- وثاني اثنين إذ هما في الغار وأولى الناس بأموركم فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة، ثم تكلم أبو بكر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، أيها الناس فإني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح عليه حقه إن شاء الله تعالى، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله تعالى، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
وهذا الذي خرجه ابن إسحاق بهذا السياق هو عند البخاري منقطع ومعناه مستوف، وهذا مغاير لما تقدم عن موسى بن عقبة أن البيعة في المسجد كانت في يوم الوفاة قبل الدفن، ولعل البيعة على المنبر في المسجد
[ ١ / ٢٤٠ ]
تكررت أو كان قد بقي من لا يبايع في يوم الوفاة، فجلس لهم صبيحة اليوم الثاني فبايعوه من غير أن يكون بينهما تضاد.
قال ابن شهاب: وغضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر، منهم علي بن أبي طالب والزبير فدخلا بيت فاطمة معهما السلاح، فجاءهما عمر بن الخطاب في عصابة من المسلمين منهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن وقش وهما من بني عبد الأشهل ويقال: منهم ثابت بن قيس بن شماس من بني الخزرج، فأخذ أحدهم سيف الزبير فضرب به الحجر حتى كسره ويقال: إنه كان فيهم عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن مسلمة وإن محمد بن مسلمة هو الذي كسر سيف الزبير والله أعلم. خرجه موسى بن عقبة وهذا محمول على تقدير صحته على تسكين نار الفتنة وإغماد سيفها لا على قصد إهانة الزبير، وتخلف عن بيعة أبي بكر يومئذ سعد بن عبادة في طائفة من الخزرج وعلي بن أبي طالب وابناه والعباس عم رسول الله -ﷺ- وبنوه في بني هاشم والزبير وطلحة وسلمان وعمار وأبو ذر والمقداد وغيرهم من المهاجرين وخالد بن سعيد بن العاص، ثم إنهم بايعوا كلهم فمنهم من أسرع ببيعته ومنهم من تأخر حينًا إلا ما روي عن سعد بن عبادة فإنهم قالوا: أدركته المنية قبل البيعة، ويقال: قتلته الجن وقصته مشهورة عند أهل التاريخ، وعلى الجملة لا خلاف بين طوائف المسلمين على أن أبا بكر توفي يوم توفي ولا مخالف عليه من أهل الإسلام طوعًا أو كرهًا، كما أن رسول الله -ﷺ- توفي يوم توفي وقد قامت حجة التبليغ، وبلغ ذلك القاصي والداني وقامت كلمة الشهادتين طوعًا وكرهًا.
وقال أبو عبيد في كتاب الأحاديث: بايع أبا بكر جميع الأنصار غير سعد بن عبادة وقد كانت الأنصار أرادت أن تجعل البيعة له فقال عمر: لا ندعه حتى يبايع له بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير وكان أول من صفق بيد أبي بكر، ولعله أراد من الأنصار توفيقًا بينه وبين حديث ابن عباس في أن أول من بايع عمر ثم المهاجرون ثم الأنصار فقال بشير: إنه ليس بمبايعكم
[ ١ / ٢٤١ ]
حتى يقتل وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته، فإن تركتموه فليس تركه بضائركم، إنما هو واحد فقبل أبو بكر نصيحة بشير ومشورته فكف عن سعد، قال: وكان سعد لا يصلي بصلاتهم ولا يصوم بصيامهم وإذا حج لم يفض بإفاضتهم، فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر وولي عمر، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى خرج مجاهدًا إلى الشام فمات بحوران في أول خلافة عمر ولم يبايع أحدًا، وهذا لا يقدح فيما تقدم ذكره من دعوى الإجماع بل نقول: خلاف الواحد مع ظهور العناد والحمية الجاهلية لا يعد خلافًا ينتقض به الإجماع، والله أعلم.
قال ابن شهاب: ولما بويع لأبي بكر قام فخطب الناس واعتذر إليهم وقال: والله ما كنت حريصًا على الإمارة يومًا ولا ليلة قط، ولا كنت فيها راغبًا ولا سألتها الله في سر ولا علانية، ولكني أشفقت من الفتنة وما لي في الإمارة من راحة، ولقد قلدت أمرًا عظيمًا ما لي به طاقة ولا يدان إلا بتقوية الله -﷿- ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني اليوم فقبل المهاجرون منه ما قال وما اعتذر به، وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا أن أخرنا عن المشورة، وإن أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله -ﷺ- وأنه صاحب الغار وثاني اثنين، وإنا لنعرف شرفه ولقد أمره رسول الله -ﷺ- بالصلاة للناس وهو حي. خرجه موسى بن عقبة صاحب المغازي.
ذكر بيعة علي -﵁:
عن محمد بن سيرين قال: لما بويع أبو بكر أبطأ علي في بيعته وجلس في بيته قال: فبعث إليه أبو بكر: ما أبطأ بك عني، أكرهت إمارتي؟ قال علي: ما كرهت إمارتك، ولكني آليت أن لا أرتدي ردائي إلا إلى صلاة حتى أجمع القرآن.
قال ابن سيرين: فبلغني أنه كتبه علي على تنزيله، ولو أصيب ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وفي رواية: أنه لقيه عمر فقال: تخلفت عن بيعة أبي بكر فقال وذكر الحديث، وزاد بعد قوله حتى أجمع القرآن: فإني خشيت أن يفلت ثم خرج فبايعه، أخرجه أبو عمر وغيره.
وعن عائشة -﵂- أن علي بن أبي طالب -﵁- مكث ستة أشهر حتى توفيت فاطمة -﵂- لم يبايع أبا بكر ولم يبايعه أحد من بني هاشم حتى بايعه علي، فأرسل علي بعد وفاة فاطمة إلى أبي بكر: ائتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدته فقال عمر: لا تأتهم وحدك فقال أبو بكر: والله لآتينهم وحدي وما عسى أن يصنعوا بي، فانطلق أبو بكر حتى دخل على علي وقد جمع بني هاشم عنده، فقام علي فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فإنه لم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددتم به علينا، ثم ذكر قرابته من رسول الله -ﷺ- فلم يزل علي يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر، فلما صمت علي تشهد أبو بكر فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فوالله لقرابة رسول الله -ﷺ- أحب إلى أن أصلهم من قرابتي، وإني والله ما آلو بكم في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم إلا الخير، ولكني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "لا نورث، ما تركناه صدقة" إنما يأكل آل محمد في هذا المال وإني والله لا أذكر صنعه فيه إلا صنعته إن شاء الله تعالى ثم قال علي: موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليا ببعض ما اعتذر به، ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر فذكر فضيلته وسابقته ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه، وأقبل الناس إلى علي فقالوا: أصبت وأحسنت. حديث صحيح متفق عليه وخرج أبو الحسن علي بن محمد القرشي في كتاب الردة والفتوح أن بيعته كانت بعد موت فاطمة بخمسة وسبعين يومًا.
"شرح" استبددتم علينا أي: انفردتم به دوننا ويقال: استبد فلان
[ ١ / ٢٤٣ ]
بكذا أي: انفرد به، آلو: أقصر وفلان لا يألوك نصحًا فهو آل، والمرأة آلية، والجمع أوال، عذر عليا: أقام عذره.
وقوله -﵁: كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا، المراد بالأمر الخلافة.
ويدل عليه أن عليا بعث إلى أبي بكر ليبايعه، فقدم العذر في تخلفه أولًا فقال: لم نمتنع نفاسة عليك ولا كذا ولا كذا ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا، فعلم بالضرورة أن الأمر المشار إليه المعرف بلام العهد هو ما تضمنه الكلام الأول وما ذاك إلا ما وقع التخلف عنه وهو بيعة الإمامة، أما الحق فالمراد به حق في الخلافة، إما بمعنى الأحقية أي: كنا نظن أنا أحق منكم بهذا الأمر لقرابتنا من رسول الله -ﷺ- مضافًا إلى ما اجتمع فينا من أهلية الإمامة مما ساوينا فيه غيرنا، وإما بمعنى أني أستحق استحقاقًا مساويًا لاستحقاقكم على تقدير انضمام القرابة إليه؛ إذ القرابة أعظم معنى يحصل به الراجحية، فإذا قدرنا التساوي دونها ترجح بها، وإما بمعنى استحقاق ما ولو كان مرجوحًا عند فرض انعقاده ولاية المرجوح، ويكون منه بالقرابة على هذين الاحتمالين الآخرين تنبيهًا على ما كان ينبغي أن يعامل به ويراعى فيه من قرابة رسول الله -ﷺ- والأول هو المختار، والاحتمالان بعده باطلان؛ لأنه -﵁- إذا اعتقد أنه ليس بأحق وأن غيره مساو له أو راجح عليه وقد عقد له، فلا يسعه التخلف لما فيه من شق العصا وتفريق الكلمة وقد صح تخلفه، فكان دليلًا على عدم اعتقاد ذلك وإلا لزم أن يكون تخلف عن الحق مع تمكنه منه ومنصبه أجل من ذلك ومرتبته في الدين أعظم ومنهاجه فيه أقوم، ولا يقال: إن التخلف إنما يكون تخلفًا عن الحق إذا انعقدت الإمامة وهي إنما تنعقد بإجماع أهل الحل والعقد، ومن ذكر من المتخلفين عن البيعة من أجلة أهل الحل والعقد؛ لأنا نقول: جمهور أهل الحل والعقد بايعوا أبا بكر وإذا اجتمع الجمهور على
[ ١ / ٢٤٤ ]
من تكاملت آلته واجتمعت خصال الأهلية فيه ولم يكن مفضولًا وكان على رأي انعقدت الولاية ولزم الباقين المتابعة على المبايعة، إذا كانوا معترفين بأهليته لها، وإلا جعل ذلك طريقًا إلى عدم انعقاد كل بيعة وتطرق الخلل وانتشار المفاسد فلا يقوم للدين نظام أبدًا.
وفي فتح هذا الباب من اعتراض الأهوية والأغراض ما لا خفاء به.
ولما بطل المعنيان تعين الأول وهو رؤيته أحقيته وأن المفضول لا تنعقد ولايته دفعًا لذلك المحذور، ولا يلزم من تخلفه في تلك المدة على الإنكار التقرير على الباطل؛ لأنا نقول: إن رؤيته الأحقية كانت أول وهلة وغاب عنه إذ ذاك ما كان يعلمه من حق أبي بكر وفيه من قول رسول الله -ﷺ- فلما اجتمع الجم الغفير على ولاية أبي بكر اتهم نظره في حق نفسه ولم ير المبادرة إلى إظهاره، ولا المطالبة لمقتضاه حتى يبذل جهده في السير والنظر وإمحاص الفكر بأن ذلك من الوقائع العظيمة في الدين وفيه تفريق كلمة من اجتمع من المسلمين، فلم يقنع فيه بمبادئ النظر خشية استمالة الهوى الحيلي وحب الرياسة الطبيعي ولا رأى الموافقة لما ارتسم في ذهنه من رؤية أحقيته فيما تستحق به الإمامة، وتعين وجوب القيام بالأمر عليه لكونه أحق، وكان ذلك في مبادئ النظر قبل الإمعان فيه فتخلف عن الأمرين سالكًا في ذلك سبيل الورع والاحتياط فيهما عنده باذلًا جهده في الاجتهاد والنظر تلك المدة، فكان في تخلفه فيها مجتهدًا ذا أجر فلما تبين له أحقية أبي بكر وأفضليته بتذكر مقتضيات الأفضلية ولتقديمه نقلا عن رسول الله -ﷺ- ما ذكرناه عنه في فضليهما ونتيجة نظر قويم واجتهاد من حبر عليم، ووافى ذلك وفاة فاطمة أرسل إلى أبي بكر أن ائتنا، واعتذر إليه بأنه كان يرى أحقيته وسياق هذا اللفظ يشعر بأن تلك الرؤية قد زالت ولم يكن ذكره للقرابة إقامة للحجة على أبي بكر فإنه معتذر ولا تليق المحاجة بالمعتذر، وإنما كان إظهارًا لمستند تخلفه وتبيانًا لمعتمد تمسكه لكيلا يظن به أن تخلفه لهوى متبع بغير هدى من
[ ١ / ٢٤٥ ]
الله لا عن اجتهاد ونظر، وإن لم يكن صحيحًا إذ المجتهد معذور ولو أخطأ ولذلك كان له أجر، والله أعلم.
وهذا التأويل مما يجب اعتقاده، ويتعين المصير إليه لأنه -﵁- إما أن يعتقد صحة خلافة أبي بكر مع أحقيته، فيكون تخلفه عن البيعة ومفارقة الجماعة ونزع ربقة الطاعة عدولًا عن الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال وهو مبرأ عن ذلك ومنزه عنه -﵁- أو لا يعتقد صحتها فيكون قد أقر على الباطل؛ لأنه -﵁- أقر الطير على وكناتها ولم يظهر منه نكير على فعلهم لا بقول ولا بفعل مع قوة إيمانه وشدة بأسه وكثرة ناصره، وكفى بفاطمة بنت رسول الله -ﷺ- والعباس عم رسول الله -ﷺ- وبني هاشم بأجمعهم ظهيرًا ونصيرًا، مع ما أسس له رسول الله -ﷺ- من القواعد في العقائد، وأن موالاته مع موالاته ومحبته مع محبته والدعاء لمن والاه وعلى من عاداه، ومع ذلك كله لم يظهر عنه ما يقتضيه حال مثله من إنكار الباطل بحسب طاقته، فلو كان باطلًا للزم تقريره الباطل واللازم باطل إجماعًا فالملزوم كذلك، والقول بأن سكوته كان تقية كما يزعم الروافض باطل عريق في البطلان؛ فإن مقتضى ذلك ضعف إما في الدين أو في الحال، والأول باطل إجماعًا والثاني أيضًا باطل لما قررناه آنفًا.
ويتأيد ذلك بما تضمنه حديث الحسن البصري عنه المتضمن نفي العهد إليه بالخلافة، وتقدم في الذكر الأول من هذا الفصل وفيه: لو كان عندي عهد من النبي -ﷺ- في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره ولقاتلتهما بيدي، ولو لم أجد إلا بردتي هذه الحديث، وهذا أدل دليل على أنه لم يسكت تقية إذ لو علم بطلان ذلك وأنه المستحق لها دونه، لتعين عليه القيام وكان كالعهد إليه وقد أخبر -﵁- أنه لو تعين عليه بالعهد إليه لقاتل.
فكذلك إذا تعين عليه بغير العهد إلحاقًا به، والجامع اشتراكهما في
[ ١ / ٢٤٦ ]
التعين عليه، ولقد أحسن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب حيث قال لبعض الرافضة: لو كان الأمر كما تقولون: إن النبي -ﷺ- اختار عليا لهذا الأمر والقيام على الناس بعده، فإن عليا أعظم الناس خطية وجرمًا إذا ترك أمر رسول الله -ﷺ- أن يقوم به، ويعذر إلى الناس.
فقال له الرافضي: ألم يقل النبي -ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه"؟ فقال: أما والله لو يعني بها رسول الله -ﷺ- الأمر والسلطان لأفصح به كما أفصح بالصلاة والزكاة والحج والصيام وقال: أيها الناس إنه الولي بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا. خرجه ابن السمان في الموافقة.
فإن قيل: قوله فاستبددتم به علينا، يشعر بأن المراد بالحق المشاورة والمراجعة والاشتراك في الرأي، وأنه إنما نقم انفرادهم دونهم، وأنهم لو أشركوه معهم في الرأي لتابعهم عليه، هذا هو المتبادر إلى الفهم عند سماع هذا السياق وما ذكرتموه فيه صرف للفظ عن ظاهره، ولا يبقى لذكر الاستبداد معنى قلنا: هذا الصرف واجب متعين؛ لأنا لو حملنا الحق على الاشتراك في الرأي للزم في حقه ما ذكرناه من المحذور؛ لأنه إما أن يعتقد صحة الخلافة مع عدم مشاورته فيلزم التخلف عن الحق، وإما أن لا يعتقد ذلك فيلزم التقرير على الباطل على ما تقدم تقريره، ثم إن نفس المتخلف عن البيعة بعد إجماع الجم الغفير لا يجوز إلا لمقتضى، وما ذاك إلا رؤية أحقية غيره عند من لا يرى صحتها للمفضول، أو أن المتولي لم يستكمل شروط الإمامة وكلاهما باطلان.
أما الأول فلما تقدم، وأما الثاني فلأن المبطل إما فوات شرط إجماعًا وهو منتف هنا إجماعًا، وإما وجود الأفضل على رأي وهو المطلوب وقد تكلمنا عليه، وليس لقائل أن يقول: إن سكوت علي لا يعد به مخالفًا، إذ لم يشق عصا فيعد بذلك ممن أجمع.
ويصح حمل الحق على المشاورة، ويستأنس بما صرح به موسى بن
[ ١ / ٢٤٧ ]
عقبة عن علي أنه إنما نقم عليهم أمر المشورة كما تقدم في آخر بيعة العامة؛ لأن عليا -﵁- من كبار أهل الحل والعقد ومثله لا يقنع منه بالسكوت، والظاهر من حاله أن يخلفه ابتداء إنما كان لما ذكرناه، وأما كونه نقم عدم مشاورته نفي من هنا شيء، وأما لفظ الاستبداد فيستعمل في العرف على ما يصح فيه الاشتراك فيتجه فيه ما تقدم ذكره من الاعتراض، وعلى ما لا يصح فيه فيكون بمعنى غلب وحاز الشيء قهرًا عن الغير، والناقم عليه ذلك ناقم أصل الحيازة لتعذر الاشتراك.
وقد دللنا على تعين إرادة الإمامة بالأمر وهي مما لا يقبل الاشتراك فيكون الذي نقم عليهم أصل الحيازة فيكون المراد بالحق حقا في الخلافة على ما قررناه. فإن قيل: لم لا يجوز أن يراد بالأمر الميراث والحق حق الإرث ويكون تقدير الكلام: كنا نظن أن لنا مما خلفه رسول الله -ﷺ- حقا وأنك منعتنا إياه، وأصررت على المنع فلم تصح لذلك خلافتك؛ فلذلك تخلفنا عن البيعة.
ويدل على ذلك جواب أبي بكر بنفي الميراث وحب صلتهم وإلا لما صلح جوابًا، فوجب المصير إلى هذا المعنى صونًا لكلام هذا الفصيح عن الزلل، وهو من أفصح العرب وأعرفهم بما يقول، ومن سئل عن شيء فأجاب عن غيره لم يعد كلامه منتظمًا إلا أن يكون بينهما ارتباط كما إذا قيل: كيف أصبح حال زيد؟ فقال: أصبح حال عمرو جميلًا وحال عمرو إنما يتحمل حال زيد فقد يسوغ ذلك، أما إذا لم يكن كما في هذه الصورة فلا، قلنا: صورة الحال وسياق المقال يشهدان بخلافه وينبوان عنه، فإن اعتذاره إنما كان من تخلفه عن البيعة فقال: لم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك ولا نفاسة لخير ساقه الله إليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر الحديث، ولم يجر في حديثه ذكر الميراث، والمتبادر إلى الفهم عند سماع هذا اللفظ ليس إلا الخلافة، وجواب أبي بكر محمول على
[ ١ / ٢٤٨ ]
تقديم كلام آخر تركه الراوي، ويكون علي لما فرغ من قوله: كنا نظن أن لنا في هذا الأمر حقا تعرض لذكر الميراث ثم اعتذر عن المبايعة فأغنى أبا بكر عن الجواب؛ لأن قوله: كنا نرى يقتضي أن تكون تلك الرؤية سابقة ثم انقطعت وإن روايته الآن غير تلك، هذا هو المفهوم من سياق لفظه، فما عسى أن يقول له أبو بكر وقد دل كلامه على تغير نظره والإجابة إلى مبايعته ورؤية الحق في ذلك، فاستغنى أبو بكر عن الجواب في فصل البيعة وعدل إلى جواب فصل الميراث، أو يقول: لم يجر للميراث في هذا المجلس ذكر، إلا أنه قد كان ذكر قبل ذلك على ما دل عليه أحاديث كثيرة، أن فاطمة جاءت تطلب ميراثها فلما كان هذا المجلس المعقود لإزالة صورة الوحشة الظاهرة والدخول فيما دخل فيه الجماعة واعتذر علي بما اعتذر به، وقبل أبو بكر عذره ثم أنشأ ذكر الميراث معتذرًا عما توهم فيه أولًا نافيًا له حالفًا على الإنصاف بخلافه محتجًّا على قضية الميراث بالحديث المذكور وقصد بذلك إزالة بقايا وحشة إن كانت حتى لا يبقى لها أثر أصلًا، على أنا نقول: على أي معنى حمل الحديث عليه، فحاصله يرجع إلى أن عليا رجع عما كان عليه، وأنه كان يظن أن له حقا إما في الخلافة، وإما بمعنى مطلق الحق أو بمعنى الأحقية، وإما في الميراث، وإما في المشاورة، ترتب على عدم اتصاله به تخلفه عن البيعة، ثم بان له خلاف ذلك وأنه جاء معتذرًا مراجعًا للحق داخلًا فيما دخل فيه الجماعة على ما قررناه، وذلك كله يفسد المطلوب وإنما طال البحث في تمهيد ما هو الأولى به واللائق بمنصبه. وحمل الحديث على وجه لا يتطرق معه خلل في حقه ولا في حقهم والحمد لله أن وفق لذلك، وأن لم يشقنا بالخوض فيهم بما نستوجب به مقته والوحشة من أحد منهم، وأن أسعدنا بمحبتهم والذب عنهم، ونسأله تمام هذه النعمة بالحشر معهم والكون في زمرتهم فقد قال نبينا -ﷺ: "المرء مع من أحب" آمين آمين.
فإن قيل: لأي معنى أرسل علي إلى أبي بكر: أن ائتنا وهلا سعى
[ ١ / ٢٤٩ ]
إليه وقد اتضح له الحق؟ قلنا: لم يكن إرساله إليه ترفعًا ولا تعاظمًا، لا والله ولا يحل اعتقاد ذلك، وكيف يعتقد ذلك وهو يريد مبايعته والانقياد له، وإنما كان ذلك لمعنى اقتضاه الحال وهو طلب اختلائه به خشية أن يقع عتاب على الصورة الظاهرة بين العامة، فربما وقع اعتراض من محق أو تعرض من ذي غرض فيكثر اللغط وترتفع الأصوات فلا يتوفر على إبداء العذر، ولذلك قال: ائتنا وحدك؛ دفعًا للتشاجر المتوقع بحسب الإمكان وكان على ثقة من الخلوة في بيته دون مكان آخر، فلذلك أرسل إليه ليأتيه فيه، ثم اعتذر إليه بما اعتذر، من اعتقد خلاف ذلك فقد حاد عن الحق وجنح إلى الباطل بل اقتحمه.
فإن قيل: الحديث الأول من هذا الذكر يدل على أن التخلف كان بسبب الألية١ على أنه لا يرتدي رداء إلا إلى الصلاة حتى يجمع القرآن، وظاهر تضاد ما تضمنه هذا الحديث من أن التخلف كان لما رآه من أن له حقا فكيف يجمع بينهما؟ أم كيف يكون الحلف عذرًا في التخلف عن الواجب المتعين والحنث لأجله واجب كنظيره من الحلف على الصلاة الواجبة؟
قلنا: هذا الحديث متفق على صحته فلا يعارضه الحديث الأول، وإن صح الجميع فالجمع ممكن بأن يكون سبب امتناعه وتخلفه أولًا عن البيعة ما ذكرناه، ثم خطر له جمع القرآن وهو في مهلة النظر المتقدم ذكره، فآلى تلك الألية ثم أرسل إليه أبو بكر ثم لقيه عمر أو يكون الرسول عمر ووافاه ذلك ظهور أحقية أبي بكر عنده فأرسل إليه معتذرًا في التخلف بتلك الألية مسلمًا منقادًا طائعًا يدل عليه اعتذاره ونفيه كراهية إمامته، واقتضاء نظره إذ ذاك أن هذا القدر كافٍ في الطواعية والانقياد والدخول فيما دخل فيه الجماعة، فلم ير الحنث مع السعة خشية أن ينفك عزمه
_________________
(١) ١ الحلف.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وينقسم نظره عند ملابسته الناس ومخالطتهم، فأقام إظهار عذره مقام حضوره لأنه رأى اليمين عذرًا ولا أنه بقي على ما كان عليه من رؤية أحقيته، ثم لما تفرغ باله وانحل عقد يمينه وأمن ما يحذره من فوات ما تصدى له أرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ليجمع بين الانقياد حالا ومقالا، ولينفي الظن الناشئ عن الصورة الظاهرة، ويقطع مقال أهل الأهوية وإلا فقد كان الأول عنده كافيًا، فلما جاءه أبو بكر أبدى له العذر في امتناعه أول وهلة لأنه لم يتقدم منه اعتذار عنه، وسكت عن العذر في استصحابه ذلك؛ لأنه كان قد اعتذر عنه بالألية فما احتاج إلى إعادته، وكان عذره عن الأول ما تقدم تقريره في منطوق بقوله: كنا نرى لنا حقا. ومفهوم معناه: ثم اتضح لنا أحقيتك دوننا، وزال ما كان من تلك الرؤية، وإذا تقرر هذا فنقول: إذا دار الأمر بين أن تكون الرؤية الأولى دامت إلى حين الإرسال أو انقطعت، وكان العذر في التخلف ما تقدم في الحديث المتقدم كان حمله على الثاني أولى؛ جمعًا بين الحديثين بحسب الإمكان، ومتى أمكن الجمع كان أولى من إسقاط أحدهما.
ذكر بيعة الزبير:
عن أبي سعيد الخدري قال: قال أبو بكر لعلي بن أبي طالب: قد علمت أني كنت في هذا الأمر قبلك قال: صدقت يا خليفة رسول الله فمد يده فبايعه، فلما جاء الزبير قال: أما علمت أني كنت في هذا الأمر قبلك؟ قال: فمد يده فبايعه، خرجه في فضائله وقال: حديث حسن.
ذكر استقالة أبي بكر من البيعة:
عن زيد بن أسلم قال: دخل عمر على أبي بكر وهو آخذ بطرف لسانه وهو يقول: إن هذا أوردني الموارد ثم قال: يا عمر، لا حاجة لي في إمارتكم قال عمر: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، خرجه حمزة بن الحارث.
[ ١ / ٢٥١ ]
وعن أبي الجحاف قال: قام أبو بكر بعدما بويع له وبايع له علي وأصحابه، فأقام ثلاثًا يقول: يا أيها الناس قد أقلتكم بيعتكم، هل من كاره؟ قال: فيقوم علي في أوائل الناس يقول: لا والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله -ﷺ- فمن ذا الذي يؤخرك؟! خرجه ابن السمان في الموافقة. وعنه قال: احتجب أبو بكر عن الناس ثلاثًا يشرف عليهم كل يوم يقول: قد أقلتكم بيعتي فبايعوا من شئتم قال: فيقوم علي بن أبي طالب فيقول: لا والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله -ﷺ- فمن ذا الذي يؤخرك، خرجه الحافظ السلفي في المشيخة البغدادية وابن السمان في الموافقة وأبو الجحاف هذا هو داود بن عوف البرجمي التميمي مولاهم، كوفي ثقة، روى عن غير واحد من التابعين وهو حديث مرسل من الطريقين.
وعن جعفر عن أبيه قال: لما استخلف أبو بكر خير الناس سبعة أيام، فلما كان يوم السابع أتاه علي بن أبي طالب فقال: لا نقيلك ولا نستقيلك، ولولا أنا رأيناك أهلًا ما بايعناك، خرجه ابن السمان في الموافقة.
وعن سويد بن غفلة قال: لما بايع الناس أبا بكر قام خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أذكر بالله أيما رجل ندم على بيعتي لما قام على رجليه قال: فقام إليه علي بن أبي طالب ومعه سيفه فدنا علي منه حتى وضع رجلًا على عتبة المنبر والأخرى على الحصا وقال: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله -ﷺ- فمن ذا يؤخرك؟ خرجه في فضائله وقال: هو أسند حديث روي في هذا المعنى وسويد بن غفلة أدرك الجاهلية، وأسلم في حياة النبي -ﷺ.
وعن الحسن قال: لما بويع أبو بكر قام دون مقام رسول الله -ﷺ- وقال: يا أيها الناس إني شيخ كبير، فاستعملوا عليكم من هو أقوى مني على هذا الأمر وأضبط له، فضحكوا وقالوا: لا نفعل، أنت صاحب رسول الله -ﷺ- في المواطن وأحق بهذا الأمر، فقال: أما إذا أبيتم فأحسنوا طاعتي ومؤازرتي
[ ١ / ٢٥٢ ]
واعلموا إنما أنا بشر ومعي شيطان يعتريني، فإذا رأيتموني غضبت فقوموا عني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم، واتبعوني ما استقمت، فإن زغت فقوموني. خرجه حمزة بن الحارث وابن السمان في الموافقة.
وعنه قال: خطب أبو بكر على منبر رسول الله -ﷺ- فخنقته العبرة، فحمد الله وأثنى عليه فقال: يا أيها الناس إني ما جعلت لهذا المكان أن أكون خيركم قال الحسن: وهو والله خيرهم غير مدافع، ولكن المسلم يهضم نفسه أبدًا، ولوددت أني كفاني هذا الأمر بعضكم قال الحسن: وهو والله صادق وإن أخذتموني بما كان الله -﷿- يقوم به لرسول الله -ﷺ- من الوحي فما ذاك عندي، ما أنا إلا كأحدكم، فإن رأيتموني استقمت فاتبعوني، وإذا أنا زغت فقوموني. خرجه أبو القاسم بن بشران.
وفي رواية: إنما أنا بشر ولست بخير من واحد منكم فراعوني، فإن رأيتموني استقمت، ثم ذكر ما بعده. خرجهما في فضائله.
ذكر ما يدل على أنه كان كارهًا للولاية، وإنما تحملها رعاية لمصلحة المسلمين:
عن رافع الطائي قال: صحبت أبا بكر في غزاة قلت: يا أبا بكر أوصني ولا تطول علي، فانثنى فقال: يرحمك الله يرحمك الله، بارك الله عليك بارك الله عليك، أقم الصلاة المكتوبة لوقتها، وأدر زكاة مالك طيبة بها نفسك، وصم رمضان وحج البيت، ولا تكونن أميرًا قال: قلت له: إنه ليخيل إلي أن أمراءكم اليوم خياركم فقال: إن هذه الإمارة اليوم يسيرة، وقد أوشكت أن تفشو وتكثر حتى ينالها من ليس لها بأهل، وإنه من يك أميرًا فإنه من أطول الناس حسابًا وأغلظهم عذابًا، ومن لا يكن أميرًا فإنه من أيسر الناس حسابًا وأهونهم عذابًا؛ لأن الأمراء أقرب من ظلم المؤمنين ومن يظلم المؤمنين فإنه يخفر الله، هم جيران الله وهم عواذ الله، والله إن أحدكم لتصاب شاة جاره أو بعير جاره فيبيت وارم العضل فيقول: شاة جاري وبعير جاري فإن الله أحق
[ ١ / ٢٥٣ ]
أن يغضب لجيرانه وسألته بعد ذلك لما ولي: عم قبل من بيعتهم؟ وقال وهو يحدثه عما تكلمت به الأنصار وما كلمهم به وما كلم عمر بن الخطاب الأنصار، وما ذكرهم به من إمامته إياهم بأمر رسول الله -ﷺ- في مرضه: فبايعوني لذلك وقبلنا منهم، وتخوفنا أن تكون فتنة تكون بعدها ردة. أخرجه أبو ذر الهروي في مستدركه على الصحيح، وعن الحسن أن أبا بكر خطب فقال: أما بعد، فإني وليت هذا الأمر وأنا كاره له، والله لوددت أن بعضكم كفانيه، خرجه في فضائله.
ذكر خطبة أبي بكر لما ولي الخلافة:
عن عروة عن أبيه قال: خطب أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني وليت أمركم ولست بخيركم، ولكنه نزل القرآن وسن النبي -ﷺ- السنة وعلّمنا فعلمنا، واعلموا أيها الناس أن أكيس الكيس التقا أو قال: الهدى وأعجز العجز الفجور، وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق، أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن أنا أحسنت قولي فأعينوني وإن أنا زغت فقوموني، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، خرجه في فضائله.
وعن قيس بن أبي حازم قال: إني جالس عند أبي بكر خليفة رسول الله -ﷺ- بعد وفاة النبي -ﷺ- بشهر فذكر قصته، فنودي في الناس: إن الصلاة جامعة -وهي أول صلاة في المسلمين نودي بها: إن الصلاة جامعة- فاجتمع الناس فصعد المنبر شيئًا صنع له كان يخطب عليه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس لوددت أن هذا الأمر كفانيه غيري، ولئن أخذتموني بسنة نبيكم لا أطيقها١ إن كان لمعصومًا من الشيطان، وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء. خرجه أحمد وخرج معناه حمزة بن الحارث، وقد تقدم في ذكر الاستقالة.
_________________
(١) ١ نعم، حقا فرق بين من يسير في الأمر والوحي يؤيده، وبين من يسير فيه باجتهاد.
[ ١ / ٢٥٤ ]
ذكر ما فرض له من بيت المال:
عن حميد بن هلال قال: لما ولي أبو بكر قال أصحاب رسول الله -ﷺ: افرضوا لخليفة رسول الله -ﷺ- ما يغنيه قالوا: نعم برداه إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما، وظهره١ إذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف، خرجه في الصفوة.
وعن إبراهيم بن محمد بن معبد بن عباس قال: كان رزق أبي بكر الصديق حين استخلف خمسين ومائتي دينار في السنة، وشاة في كل يوم يؤخذ منه بطنها ورأسها وأكارعها، فلم يكن يكفيه ذلك ولا عياله قالوا: وقد كان ألقى ماله في مال الله حين استخلف، قال: فخرج إلى البقيع فتصافق قال: فجاء عمر فإذا هو بنسوة جلوس فقال: ما شأنكن؟ قلن: نريد أمير المؤمنين وقال بعضهن: نريد خليفة رسول الله -ﷺ- يقضي بيننا، فانطلق يطلبه فوجده في السوق قال: فأخذ بيده فقال: تعال ههنا فقال: لا حاجة لي في إمارتكم، رزقتموني مالا يكفيني ولا عيالي قال: فإنا نزيدك قال أبو بكر: ثلاثمائة دينار والشاة كلها قال: أما هذا فلا، فجاء علي وهما على حالهما تلك، فلما سمع ما سأله قال: أكملها له قال: ترى ذلك؟ قال: نعم قال: فقد فعلنا فقال أبو بكر: أنتما رجلان من المهاجرين لا أدري أيرضى بها بقية المهاجرين أم لا؟ فانطلق أبو بكر فصعد المنبر واجتمع إليه الناس فقال: أيها الناس، إن رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ مني بطنها ورأسها وأكارعها، وإن عمر وعليا كملا لي ثلاثمائة دينار والشاة أفرضيتم؟ فقال المهاجرون: اللهم نعم قد رضينا فقال أعرابي من جانب المسجد: لا والله ما رضينا فأين حق أهل البادية؟ فقال أبو بكر: إذا رضي المهاجرون شيئًا فإنما أنتم تبع. خرجه أبو حذيفة إسحاق بن بشر في فتوح الشام وقد سبق طرف من ذلك في ذكر تواضعه في فصل فضائله، وذكر ابن النجار في كتاب أخبار المدينة أنهم
_________________
(١) ١ المطية يركبها في السفر.
[ ١ / ٢٥٥ ]
فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم.
وقد جاء عن عائشة قالت: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه. خرجه البخاري وظاهره يدل على أنه كان يتجر في ماله عوضًا عما يأكل، إلا أنه لا يلائم قوله: وشغلت بأمر المسلمين سواء كان بماله أو بمالهم ولا يقال: إنه من أمر المسلمين فيدخل تحت عموم الشغل بأمر المسلمين، فإن الشغل الذي أقيم له غيره هذا وأهم منه، ولعله والله أعلم يريد بالاحتراف الاشتغال بحفظه وتأدية الحقوق فيه ومنه، وتحصيله من وجوهه، فأطلق عليه احترافًا توسعًا وإن كان المتعارف في الاحتراف غير هذا.
ذكر ما روي من قول أبيه أبي قحافة عند بلوغه خبر ولايته:
عن سعيد بن المسيب قال: لما قبض رسول الله -ﷺ- ارتجت مكة فسمع بذلك أبو قحافة فقال: ما هذا؟ قالوا: قبض رسول الله -ﷺ- قال: أمر جلل من ولي بعده؟ قالوا: ابنك قال: فهل رضي بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم قال: لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع الله، خرجه أبو عمر.
"شرح" ارتجت: اضطربت، والجلل: الأمر العظيم، قال الشاعر:
قومي همو قتلوا أميم أخي فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوه لأعفون جللًا ولئن سطوت لأوهنن عظمي
والجلل أيضًا: الهين الحقير وهو من الأضداد، هكذا ذكره الجوهري قال: والجلال -بالضم: العظيم لا غير، والجلالة: الناقة العظيمة وقال الخليل: يقال: أمر جلل بالضم للعظيم، وبفتحها للحقير.
[ ١ / ٢٥٦ ]