قال ابن قتيبة وأبو عمر وغيرهما: شهد طلحة أحدا وما بعدها. وقال الزبير بن بكار وغيره: أبلى طلحة يوم أحد بلاء حسنا، وثبت مع رسول الله -ﷺ- ووقاه بيده فشلت، وشهد الحديبية والمشاهد١ كلها، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الستة الذين جعل عمر فيهم الشورى٢ وأخبر أن رسول الله -ﷺ- توفي وهو عنهم راضٍ، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر.
ذكر إثبات سهمه من غنيمة بدر وأجره، ولم يحضر:
عن ابن شهاب قال: لم يشهد طلحة بدرا، وقدم من الشام بعد مرجع رسول الله -ﷺ- من بدر، فكلم رسول الله -ﷺ- في سهمه٣، فقال رسول الله -ﷺ: "لك سهمك" قال: وأجري يا رسول الله؟ قال: "وأجرك" فلذلك كان معدودا في البدريين. أخرجه ابن إسحاق وابن الضحاك، وحكاه أبو عمر عن موسى بن عقبة قال الزبير بن بكار: كان طلحة بن عبيد الله بالشام في تجارة حين كانت وقعة بدر وكان من المهاجرين الأولين، فضرب له رسول الله -ﷺ- بسهمه، فلما قدم قال: وأجري يا رسول الله؟ قال: "وأجرك" أخرجه أبو عمر.
وقال الوقدي: بعث رسول الله -ﷺ- قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتجسسان٤ الأخبار، ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر.
_________________
(١) ١ مشاهد القتال في سبيل الله تعالى. ٢ لاختيار الخليفة بعده، وكان من الستة الذين جعل عمر فيهم الشورى عثمان بن عفان -﵁- الذي اختير خليفة كما هو مشهور، وكان ابن عمر مع أهل الشورى في الرأي فقط، ولم يرض عمر ﵁ له أن يكون خليفة لتبعات الخلافة الثقيلة، فما أرحم عمر بابنه، وهكذا يكون الآباء الرحماء حقا. ٣ السهم: النصيب. ٤ وتجسسهما الأخبار عون على كسب المعركة، فهو ضرب من الجهاد، فلا عجب أن عُدَّا في البدريين.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
ذكر شهادة النبي -ﷺ- له بالشهادة ١:
تقدم في باب ما دون العشرة حديث: "تحرك حراء ٢ " وقوله -ﷺ: "اثبت حراء؛ فما عليك إلا نبي أو صديق ٣ أو شهيد" وكان طلحة ممن كان معه -ﷺ.
وعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" أخرجه الترمذي وقال: غريب.
ذكر شهادة النبي -ﷺ- له أنه ممن قضى نحبه:
عن موسى بن معاوية قال: دخلت على معاوية فقال: ألا أبشرك؟ سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "طلحة ممن قضى نحبه" أخرجه الترمذي وقال: غريب.
وعن طلحة: أن أصحاب رسول الله -ﷺ- قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض، ثم إني طلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر، فلما رآني النبي -ﷺ- قال: "أين السائل عمن قضى نحبه؟" قال الأعرابي: أنا يا رسول الله. قال: "هذا ممن قضى نحبه" أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب.
وعنه قال: لما رجع رسول الله -ﷺ- من أحد صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ هذه الآية: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ
_________________
(١) ١ الشهادة: الموت في سبيل الله تعالى. ٢ حراء وزان كتاب: جبل بمكة، يذكر ويؤنث، قاله الجوهري. ٣ ملازم للصدق، وذلك الوصف من أوصاف سيدنا أبي بكر -﵁.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ ١ الآية، فقام إليه رجل، فقال: "أيها السائل، هذا منهم" أخرجه في الصفوة.
وعن جابر -﵁- قال: نظر رسول الله -ﷺ- إلى طلحة فقال: "من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض وقد قضى نحبه، فلينظر إلى وجه طلحة بن عبيد الله" أخرجه الملاء.
"شرح" نحبه: نذره، كأنه ألزم نفسه أن يموت على وصف فوفى به، هذا أصله؛ لأن النحب النذر، تقول: نحبت أنحب بالضم، والنحب: الوقت والمدة، يقال: فلان قضى نحبه أي: مدته فمات، والمعنى: أن طلحة التزم أن يصدق الله في الحرب لأعدائه فوفى له ولم يفسخ، وتناحب القوم: إذا تواعدوا للقتال أو غيره، وناحبت الرجل: فاخرته أيضًا، ومنه حديث طلحة أنه قال لابن عباس: هل لك أن أناحبك ونرفع النبي -ﷺ؟ أي: أفاخرك ونرفع النبي -ﷺ- من رأس الأمر، لا تذكره في فضائلك وقرابتك منه. ذكره الهروي.
ذكر شهادته -ﷺ- بالمغفرة له، وإثبات اسمه في ديوان المقربين:
عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- لطلحة بن عبيد الله: "أبشر يا أبا محمد، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقد أثبت اسمك في ديوان المقربين" أخرجه الملاء.
ذكر أنه في حفظ الله -﷿- وفي نظره:
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ- لطلحة: "أنت في حفظ الله، ونظره إلى أن تلحق به" أخرجه الملاء.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ٢٣.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
ذكر أنه سلف ١ النبي -ﷺ- في الدنيا والآخرة:
عن علي -﵇- قال: قال رسول الله -ﷺ- لطلحة بن عبيد الله: "أنت سلفي في الدنيا، وأنت سلفي في الآخرة" أخرجه الملاء في سيرته، وذلك أن طلحة تزوج حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج النبي -ﷺ- وأمهما أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي -ﷺ.
ذكر أنه حواري النبي -ﷺ:
عن زيد بن أبي أوفى أن النبي -ﷺ- قال لطلحة والزبير: "أنتما حوارياي كحواريي عيسى ابن مريم" أخرجه الحافظ الدمشقي والبغوي في معجمه.
"شرح" الحواري: الناصر، والحواريون: أنصار عيسى -﵇- ومنه قول الأعور الكلابي:
ولكنه ألقى زمام قلوصه٢ ليحيي كريمًا أو يموت حواريا
قال يونس بن حبيب: الحواري: الخالصة، وقيل: إن أصحاب عيسى إنما سموا حواريين؛ لأنهم كانوا يغسلون الثياب ويخلصونها من الأوساخ، ويحورونها أي: يبيضونها، والتحوير: التبييض، والحور: البياض، وقال محمد بن السائب: الحواري: الخليل، وقال معمر عن قتادة: الحواريون كلهم من قريش: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير. وعن قتادة أيضًا أنه قال: الحواريون الذين تصلح
_________________
(١) ١ السلف: هو المعروف بالعديل الآن. ٢ ناقته.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
لهم الخلافة. ذكره جميعه أبو بكر، وذكر الهروي طائفة منهم، وكذلك الجوهري.
ذكر إثبات الرجاء بأنه ممن قال الله تعالى فيه: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾:
عن علي -﵇- أنه قال: إني والله لأرجو١ أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ١ أخرجه أبو عمر.
وعن أبي حبيبة عن مولى طلحة قال: دخلت على علي مع عمران بن طلحة بعدما فرغ من أصحاب الجمل، فرحب به وأدناه، وقال: إني لأرجو أن يجعلني وأباك من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ﴾ الآية وقال: يابن أخي كيف فلان؟ وكيف فلان؟ وسأله عن أمهات أولاد ابنه، ثم قال: لم نقبض أرضكم هذه إلا مخافة أن ينهبها الناس. يا فلان، انطلق به إلى ابن قرطة مرة فليعطه غلته وليدفع إليه أرضه، فقال رجلان جالسان ناحية أحدهما الحارث الأعور: الله أعدل من ذلك أن يقتلهم ويكونوا إخواننا في الجنة. فقال: قوما، وأبعدهما وأسحقهما، فمن هو إذا لم أكن أنا وطلحة أخوين؟ يابن أخي إذا كان لك حاجة فأتنا. أخرجه الفضائلي الرازي.
"شرح" أسحقهما: أبعدهما، ومنه: ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ أي: بعيد، وكرر لاختلاف اللفظ، والسحق بالضم: البعد، تقول: سحقًا له، ومنه
_________________
(١) ١ ومن أراد أن يكون ممن قال الله تعالى فيهم هذا القول الكريم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ فليقتد بأولئك المذكورين في سيرهم وسلوكهم، وروى ابن ماجه بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: "كل مخموم القلب، صدوق اللسان" قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: "التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد".
[ ٤ / ٢٦٠ ]
الحديث: "فأقول: سحقًا سحقًا" والسحق بضم الحاء لغة فيه، نحو: عسر وعسر، وسحق الشيء: بعده وأسحقه الله: أبعده.
ذكر جوده ١ وسماحة نفسه، وكثرة عطائه وصلة رحمه:
عن سعدى بنت عوف امرأة طلحة قالت: لقد تصدق طلحة يومًا بمائة ألف.
وعنها قالت: دخل علي طلحة فرأيته مغمومًا، فقلت: ما شأنك؟ قال: المال الذي عندي قد كثر وأكربني، فقلت: وما عليك؟ اقسمه، فقسمه حتى ما بقي منه درهم؛ قال طلحة بن يحيى: فقلت لخازن طلحة: كم كان المال؟ قال: أربعمائة ألف.
وعن الحسن قال: باع طلحة أرضًا له بسبعمائة ألف، فبات أرقًا من مخافة ذلك المال، حتى أصبح ففرقه.
"شرح" الأرق: السهر، وأرقت بالكسر: سهرت، وكذلك ايترقت على افتعلت فأنا أرق؛ وأرقني كذا تأريقا أي: أسهرني.
وعنه أن طلحة باع أرضًا من عثمان بسبعمائة ألف فحملها إليه، فلما جاء بها قال: إن رجلا تبيت هذه عنده في بيته -لا يدري ما يطرقه من أمر الله- لغرير بالله، فبات ورسله تختلف في سكك المدينة حتى أسحر وما عنده منها درهم. أخرجهن صاحب الصفوة.
"شرح" غرير أي: مغرور؛ فعيل بمعنى مفعول كقتيل وطريح، وأسحر أي: دخل في السحر.
_________________
(١) ١ وبالنظر إلى ما تضمنه هذا الباب، قلت في ختام مدح له -﵁ وأرضاه: عليك رضا الرحمن يا طلحة الندي ولا زلت بين الأكرمين إماما
[ ٤ / ٢٦١ ]
وعن جابر -﵁- قال: صحبت طلحة، فما رأيت رجلًا أعطى لجزيل مال عن غير مسألة منه.
وعن علي بن زيد قال: جاء أعرابي إلى طلحة يسأله ويتقرب إليه برحم فقال: إن هذه لرحم ما سألني بها أحد قبلك، إن لي أرضًا أعطاني بها عثمان ثلاثمائة ألف؛ فإن شئت فاغدُ فاقبضها، وإن شئت بعتها من عثمان، ودفعت إليك الثمن فقال الأعرابي: الثمن. فباعها من عثمان، ودفع إليه الثمن.
وعن بعض ولد طلحة قال: لبس طلحة رداءً نفيسًا، فبينا هو يسير إذا رجل قد استله، فقام الناس فأخذوه منه، فقال طلحة: ردوه عليه، فلما رآه الرجل خجل ورمى به إلى طلحة، فقال طلحة: خذه بارك الله لك فيه؛ إني لأستحي من الله أن يؤمل في أحد أملا فأخيب أمله.
وعن محمد بن إبراهيم قال: كان طلحة يغل بالعراق ما بين أربعمائة ألف إلى خمسمائة ألف، ويغل بالشراة عشرة آلاف دينار أو أكثر أو أقل، وكان لا يدع أحدًا من بني تيم عائلًا إلا كفى مئونة عياله، ويزوج أياماهم ويخدم عائلهم ويقضي دين غارمهم، وكان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته كل سنة عشرة آلاف، ولقد قضى عن صبيحة ثلاثين ألف درهم. أخرج الأربعة الفضائلي.
"شرح" العائل: الفقير ومنه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أي: فقرًا والأيامى: جمع أيم وهي التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا، ويقال للذي لا زوجة له: أيم أيضا. قال أبو عبيد: يقال: رجل أيم وامرأة أيم؛ ولا يقال: أيمة، والغارم: المديون١.
وعن الزبير بن بكار أنه سمع سفيان بن عيينة يقول: كانت غلة طلحة
_________________
(١) ١ يقال في المقترض: مديون، ومدين.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
ابن عبيد الله كل يوم ألفًا وافيًا، قال: والوافي وزنه وزن الدينار وقال: وعلى ذلك وزن دراهم فارس التي تعرف بالبغلية.
وسمع علي -﵇- رجلًا ينشد:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
قال: ذلك أبو محمد طلحة.
ذكر أنه كان من خطباء الصحابة:
عن ابن مسعود -﵁- أن عمر شاور الناس في الزحف إلى قتال ملوك فارس التي اجتمعت بنهاوند، فقام طلحة بن عبيد الله وكان من خطباء الصحابة، فتشهد ثم قال: أما بعد يا أمير المؤمنين، فقد أحكمتك الأمور، وعجنتك البلايا، وأحنكتك التجارب، فأنت وشأنك، وأنت ورأيك، إليك هذا الأمر، فمرنا نطع، وادعُنا نُجِب، واحملنا نركب، وقدنا ننقد، فإنك ولي هذه الأمور، وقد بلوت واختبرت فلم ينكشف لك عن شيء من عواقب قضاء الله -﷿- إلا عن خيار، ثم جلس. أخرجه في فضائل عمر.
ذكر ثناء ابن عباس عليه، وعلى الزبير:
عن ابن عباس -وقد سئل عن طلحة والزبير- فقال: رحمة الله عليهما، كانا والله مسلمين مؤمنين بارين، تقيين خيرين فاضلين طاهرين، زلالتين والله غافر لهما؛ للصحبة القديمة والعشرة الكريمة والأفعال الجميلة، فأعقب الله من يبغضهما بسوء الغفلة إلى يوم الحشر. أخرجه الأصبهاني.
وقد تقدم في مناقب علي ﵇ عن سعد بن أبي وقاص وعن سعيد بن المسيب ما يدل على الحث على محبتهما، والزجر عن بغضهما.
[ ٤ / ٢٦٣ ]