قال أبو عمر وغيره: شهد الزبير بدرًا والحديبية والمشاهد كلها، لم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله -ﷺ- وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى الذين قال عمر فيهم: توفي رسول الله -ﷺ- وهو عنهم راض، وهاجر الهجرتين١، وفيه يقول حسان بن ثابت:
أقام على عهد النبي وهديه حواريه والقول بالفعل يعدل
أقام على منهاجه وطريقه يوالي ولي الحق والحق أعدل
هو الفارس المشهور والبطل الذي يصول إذا ما كان يوم محجل
له من رسول الله قربى قريبة ومن نصرة الإسلام مجد مؤثل
فكم كربة ذب الزبير بسيفه عن المصطفى والله يعطي ويجزل
إذا كشفت عن ساقها الحرب هشَّها بأبيض سباق إلى الموت يرقل
فما مثله فيهم ولا كان قبله وليس يكون الدهر ما دام يذبل
ثناؤك خير من فعال معاشر وفعلك يابن الهاشمية أفضل
"شرح" الهدي بفتح الهاء وإسكان الدال: السيرة، يقول: ما أحسن هديه أي: سيرته، والحواري: تقدم تفسيره، مؤثل أي: مؤصل والتأثيل والتأصيل بمعنًى، يقال: مجد أثيل أي: أصيل، وكشفت الحرب عن ساقها أي: اشتدت، ومنه: ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ أي: عن شدة، وكذلك قامت على ساق، هشها لعله من الهش: الجمع والكسب، والهياشة مثل الحياشة، وهو ما جمع من المال واللباس فكأنه يجمع الناس ويكشفهم بسيفه، والأبيض: السيف والجمع: البيض، والإرقال: ضرب من السير نحو الخبب، ويذبل: اسم جبل.
ذكر شهادة النبي -ﷺ- له بالشهادة:
تقدم حديث هذا الذكر بطرقه في باب ما دون العشرة وهو حديث
_________________
(١) ١ الهجرة إلى الحبشة، والهجرة إلى المدينة المنورة.
[ ٤ / ٢٨١ ]
تحرك حراء، وقوله -ﷺ: "اثبت؛ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" خرجه مسلم.
وخرج صاحب الكوكب عن النبي -ﷺ- أنه قال: "من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض، فلينظر إلى الزبير" وعلم عليه بعلامة ابن أبي شيبة.
ذكر شهادة عمر أنه ركن من أركان الإسلام:
عن سطيع بن الأسود قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: الزبير ركن من أركان الإسلام. أخرجه ابن السري.
ورفعه ابن عمر إلى النبي -ﷺ- ولفظه قال: قال رسول الله -ﷺ: "الزبير بن العوام ركن من أركان المسلمين" أخرجه الملاء في سيرته.
ذكر شهادة عثمان بأنه خيرهم، وأحبهم إلى رسول الله -ﷺ:
عن مروان بن الحكم قال: أصاب عثمان رعاف شديد حتى حبسه عن الحج وأوصى، فدخل رجل من قريش فقال: استخلف، فقال: نعم، قال: ومن؟ قال: فسكت، فدخل عليه رجل أحسبه الحارث فقال: استخلف، فقال عثمان: وقالوا؟ قال: نعم قال: فمن هو؟ قال: فسكت، قال: فلعلهم قالوا الزبير؟ قال: نعم قال: أما والذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت، وإن كان لأحبهم إلى رسول الله -ﷺ.
وفي رواية أنه قال: والله إنكم لتعلمون أنه خيركم. أخرجه البخاري والبغوي وقال: أما والذي نفسي بيده إلى آخره، وزاد ثلاث مرات.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
ذكر ما جاء عن سعد بن مالك وسعيد بن المسيب في الحث على محبته والزجر عن بغضه، تقدم حديثهما في نظيره من فصل فضائل عثمان، ذكر ثناء ابن عباس عليه:
تقدم في فضائل طلحة؛ لأن الثناء كان عليهما جميعا، والله أعلم.
ذكر إبلائه يوم اليرموك:
عن عروة أن أصحاب رسول الله -ﷺ- قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشد فنشد معك؟ فحمل عليهم فضربوه ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضربها يوم بدر، قال عروة: فكنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير قال عروة: وكان معه عبد الله وهو ابن خمس سنين، فحمله على فرس ووكل به. أخرجه البخاري.
واليرموك: موضع بناحية الشام.
ذكر أنه من الذين استجابوا لله والرسول:
عن عروة عن عائشة -﵂- قالت لي: أبوك -والله- من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. أخرجه مسلم، وزاد في رواية: تعني أبا بكر والزبير.
وعنها قالت: يابن أختي، كان أبوك -تعني أبا بكر- والزبير من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح.
قالت: لما انصرف المشركون من أحد، وأصاب أصحاب رسول الله -ﷺ- ما أصابهم فخاف ﷺ أن يرجعوا، فقال: "من ينتدب لهؤلاء في آثارهم حتى يعلموا أن بنا قوة" فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين، فخرجوا في آثار القوم، فسمعوا بهم فانصرفوا، قالت: فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يقاتلوا عدوا. أخرجه البخاري.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
ذكر ما كان في جسده من الجراح:
عن عروة قال: أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله صبيحة الجمل، فقال: يا بني ما من عضو إلا وقد جرح مع رسول الله -ﷺ- حتى انتهى ذلك إلى فرجه. أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب.
وعن علي بن زيد قال: أخبرني من رأى الزبير، وإن في صدره لأمثال العيون من الطعن والرمي. أخرجه صاحب الصفوة والفضائلي.
وعن بعض التابعين قال: صحبت الزبير في بعض أسفاره، فأصابته جنابة وكنا بأرض قفر، فقال لي: استرني حتى أغتسل، قال: فسترته، فحانت مني التفاتة فرأيته مجدعا بالسيوف، فقلت له: والله لقد رأيت بك آثارا ما رأيتها بأحد قط، قال: أوقد رأيتها؟ قلت: نعم، قال: أما والله ما فيها جراحة إلا مع رسول الله -ﷺ- وفي سبيل الله. أخرجه الملاء في سيرته.
ذكر ذَبِّه عن وجه رسول الله -ﷺ- وهو نائم، وما ترتب على ذلك:
عن عمر بن الخطاب قال: رأيت رسول الله -ﷺ- وقد نام، فجلس الزبير يذب عن وجهه حتى استيقظ، فقال له: "يا أبا عبد الله لم تزل؟" قال: لم أزل، أنت بأبي وأمي قال: "هذا جبريل يقرئك السلام ويقول: أنا معك يوم القيامة حتى أذب عن وجهك شرر جهنم" أخرجه الحافظ الدمشقي في الأربعين الطوال.
ذكر قوله -ﷺ- لابن الزبير: "يابن أخي" فأثبت له وصف الأخوة:
عن سليمان قال: دخلت على النبي -ﷺ- وعنده عبد الله بن الزبير، ومعه طشت يشرب ما فيه فقال له النبي -ﷺ: "ما شأنك يابن
[ ٤ / ٢٨٤ ]
أخي؟" ثم ذكر باقي الحديث، وسيأتي في مناقبه من حديث ابن الغطريف.
ذكر ورعه:
عن عبد الله بن الزبير قال: قلت للزبير: ما يمنعك أن تحدث عن رسول الله -ﷺ- كما يحدث عنه أصحابه؟ قال: أما والله لم أفارقه منذ أسلمت، ولكني سمعته يقول: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" أخرجه البخاري.
وفي رواية: والله لقد كان لي منه منزلة ووجهة، ولكني سمعته يقول، وذكر الحديث.
وفي رواية: لقد نلت من صحابته أفضل ما نال أحد، ولكني سمعته يقول: "من قال عليَّ ما لم أقل تبوأ مقعده من النار" فلا أحب أن أحدث عنه. أخرجهما البغوي في معجمه.
"شرح" الوجهة: الجاه والعز، "فليتبوأ مقعده من النار" أي: لينزل منزلته منها، قال: بوأه الله منزلا أي: أسكنه إياه، والمباءة: المنزل.
ذكر صلته وصدقته:
وعن أم درة قالت: بعث الزبير إلى عائشة بغرارتين، تبلغ الواحدة منهما ثمانين ومائة ألف درهم.
وعن كعب قال: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فما كان يدخل منها بيته درهم واحد؛ كان يتصدق بذلك كله. أخرجه أبو عمر وأخرجه الفضائلي وقال: فكان يتصدق بقسمه كل ليلة، ويقوم إلى منزله ليس معه منه شيء.
وأخرج الطائي عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: كان للزبير
[ ٤ / ٢٨٥ ]
وذكره. وعن جويرية قالت: باع الزبير دارًا له بستمائة ألف، قال: فقيل له: يا أبا عبد الله غبنت قال: كلا، والله لتعلمن أني لم أغبن؛ هي في سبيل الله. أخرجه في الصفوة.
ذكر أنه كان من أكرم الناس على عهد رسول الله -ﷺ:
عن ابن إسحاق السبيعي قال: سألت مجلسا فيه أكثر من عشرين رجلا من أصحاب رسول الله -ﷺ: من كان أكرم الناس على عهد رسول الله -ﷺ؟ قالوا: الزبير وعلي بن أبي طالب -﵄. أخرجه الفضائلي.
ذكر سماحته في بيعه:
قال أبو عمر: كان الزبير تاجرًا مجدودًا في التجارة، فقيل: بم أدركت في التجارة؟ قال: لأني لم أشتر معيبا، ولم أرد ربحا، والله يبارك لمن يشاء.
"شرح" مجدودا أي: محظوظًا، والجد: الحظ، والجديد: الحظيظ، فعيل بمعنى مفعول.
ذكر شهادة الحسن بن علي بكفاءة نسبه لنسبهم:
عن هشام بن عروة عن أبيه أن حسن بن علي أوصى في وصيته: أن تزوجوا إلى آل الزبير وزوجوهم، فإنهم أكفاؤكم من قريش. أخرجه أبو معاوية.
وفيه دليل على اعتبار الكفاءة في النسب، وأن قريشا ليسوا أكفاء لبني هاشم، وإلا لما كان في التخصيص فائدة.
ذكر إثبات رخصة عامة للمسلمين بسببه:
عن أنس -﵁- أن الزبير وعبد الرحمن بن عوف شكيا إلى
[ ٤ / ٢٨٦ ]
رسول الله -ﷺ- القمل في غزاة لهما؛ فرخص لهما في قميص الحرير، فرأيت على كل واحد منهما قميص حرير.
وعنه رخص رسول الله -ﷺ- لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص الحرير في السفر؛ لحكة كانت بهما. أخرجهما مسلم، ويشبه أن تكون الرخصة للحكة والقمل جمعًا بين الحديثين.
ذكر من أوصى إلى الزبير من أصحاب رسول الله -ﷺ:
عن عروة بن الزبير أن ابن مسعود وعثمان والمقداد بن الأسود وعبد الرحمن بن عوف ومطيع بن الأسود أوصوا إلى الزبير بن العوام. أخرجه ابن الضحاك.
[ ٤ / ٢٨٧ ]