وكان اسمه -﵁- عبد الله وقيل: عبد الكعبة، فلما أسلم سماه النبي -ﷺ- عبد الله قاله جمهور أهل النسب، وأكثر المحدثين ذكر اسمه عتيقًا، واختلفوا في ذلك فقيل: إنه لقب به في الإسلام وهو أول لقب لقب به في الإسلام، قاله محمد بن حمدويه النيسابوري، وقال ابن إسحاق في جماعة: بل هو اسم سماه به أبوه ويروى ذلك عن عائشة -﵂.
وروي عن موسى بن طلحة أنه سمته به أمه واختلفوا لم سمي عتيقًا؟ فقال الليث بن سعد في جماعة: سمي بذلك لعتاقة وجهه وجماله والعتق الجمال وقيل: إن الذي لقبه به لجمال وجهه رسول الله -ﷺ، ذكره ابن قتيبة في المعارف. وعن موسى بن طلحة بن عبيد الله قال: كانت أمه لا يعيش لها ولد فلما ولدته استقبلت به البيت ثم قالت: اللهم إن هذا عتيقك من الموت، فهبه لي، فعاش فسمته عتيقًا وكان يعرف به. رواه الخجندي في الأربعين وغيره وقيل: كان له أخوان: عتق وعتيق فسمي باسم أحدهما، ذكره البغوي في معجمه وقال مصعب وطائفة من أهل النسب: إنما سمي عتيقًا؛ لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به.
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: سمي بذلك؛ لأنه قديم في الخير والعتيق: القديم تقول منه: عتق بضم التاء عتقًا وعتاقة وقال آخرون: سمي بذلك لأن رسول الله -ﷺ- قال: "من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا" فسمي عتيقًا لذلك، روته عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: وإن اسمه الذي سماه به أهله لعبد الله، ذكره أبو عمر وغيره وعليه أكثر المحدثين.
وعن عبد الله بن الزبير قال: كان اسم أبي بكر عبد الله بن عثمان فقال له النبي -ﷺ: "أنت عتيق الله من النار" فسمي عتيقًا لذلك. خرجه الترمذي وأبو حاتم ولا تضاد بين هذه الأقوال كلها؛ إذ يجوز أن يكون أحد الأبوين لقبه بذلك لمعنى ثم تابعه الآخر عليه له أو لمعنى آخر، ثم استعملته قريش وأقرته عليه، ثم أقر عليه بعد الإسلام.
وما يروى عن عائشة أن النبي -ﷺ- قال: "يا أبا بكر، أنت عتيق الله من النار" فمن يومئذ سمي عتيقًا فمعناه والله أعلم، فمن ذلك اليوم اشتهر به حتى لا يعرف له اسم سواه.
[ ١ / ٧٨ ]
"ذكر اسمه الصديق":
واختلف في ذلك لأي معنى فقيل: كان هذا اللقب قد غلب عليه في الجاهلية؛ لأنه كان في الجاهلية وجيهًا رئيسًا من رؤساء قريش، وكانت إليه الأشناق وهي الديات كان إذا تحمل شنقًا قالت قريش: صدقوه، وأمضوا حمالته وحملها من قام معه، وإذا تحملها غيره خذلوه ولم يصدقوه.
قال الجوهري: الشنق ما دون الدية، وقيل: سمي صديقًا؛ لتصديقه النبي -ﷺ- في خبر الإسراء. عن عائشة قالت: لما أسري بالنبي -ﷺ- إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك، فارتد ناس كانوا آمنوا به، وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: وقد قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك لقد صدق قالوا: تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ فقال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك في خبر السماء في غدوة وروحة؛ فلذلك سمي الصديق. خرجه الحاكم في المستدرك وابن إسحاق وقال مكان غدوة وروحة: في ساعة من ليل أو نهار، وزاد: فهذا أبعد مما تعجبون منه.
ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله -ﷺ- وقال: يا نبي الله، حدث هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: "نعم" قال: يا نبي الله فصفه لي فإني قد جئته، قال الحسن فقال رسول الله -ﷺ: "رفع لي حتى نظرت إليه" فجعل رسول الله -ﷺ- يصفه لأبي بكر فيقول أبو بكر: صدقت أشهد أنك رسول الله، كلما وصف له منه شيئًا قال: صدقت أشهد أنك رسول الله قال حتى إذا انتهى قال رسول الله -ﷺ- لأبي بكر: "وكنت يا أبا بكر الصديق" فسماه يومئذ الصديق.
قال الحسن: وإن الله -﷿- أنزل فيمن ارتد عن إسلامه لذلك: ﴿وَمَا
[ ١ / ٧٩ ]
جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ١ وقول أبي بكر: صفه لي يحتمل معنيين:
أحدهما: إظهار صدق النبي -ﷺ- لقومه، فإنهم كانوا يثقون بقول أبي بكر فإذا طابق خبره -ﷺ- ما كان يعلم أبو بكر وصدقه به كان حجة عليهم ظاهرة.
الثاني: طمأنينة قلبه كقول٢ إبراهيم -﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٣ لا أن أبا بكر كان عنده شك، كلا بدليل تصديقه أول وهلة والله أعلم.
وعن جابر بن عبد الله عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إن الله تعالى رفع لي بيت المقدس وأنا عند الكعبة، فجعلت أنظر إليه وإلى ما فيه، ولقد رأيت جهنم وأهلها فيها وأهل الجنة في الجنة قبل أن يدخلوها كما أنظر إليك، فخبرت بذلك قومي فكذبوني غير أبي بكر الصديق".
وعن مولى أبي هريرة قال أبو بكر بن أبي قحافة: أراه قال عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال ليلة أسري به: "قلت لجبريل -﵇: إن قومي لا يصدقونني، قال لي جبريل: يصدقك أبو بكر وهو الصديق". خرجهما في فضائل أبي بكر وخرج الباقي الملا في سيرته وقيل: سمي صديقًا لبداره إلى تصديق رسول الله -ﷺ- في كل ما جاء به عمومًا، ويشهد لراجحية هذا القول أن الصديق في اللغة -فعيل- معناها المبالغة في التصديق أي: يصدق بكل شيء أول وهلة.
ويؤيده حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله -ﷺ: "هل أنتم
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية: ٦٠. ٢ أي: الذي حكاه عنه الله تعالى بقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ . ٣ سورة البقرة الآية: ٢٦.
[ ١ / ٨٠ ]
تاركون لي صاحبي؟ قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت" وسيأتي الحديث مستوعبًا إن شاء الله تعالى.
وعن النزال بن سبرة قال: وافقت من علي ذات يوم طيب نفس ومزاحًا فقلنا: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أصحابك قال: كل أصحاب رسول الله -ﷺ- أصحابي فقلنا: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أصحابك خاصة قال: لم يكن لرسول الله -ﷺ- صاحب إلا وهو لي صاحب، قلنا: فأخبرنا عن أصحاب رسول الله -ﷺ- قال: سلوني قالوا: أخبرنا عن أبي بكر بن أبي قحافة قال: ذاك امرؤ سماه الله الصديق على لسان جبريل -﵇- وعلى لسان محمد -ﷺ- كان خليفة رسول الله -ﷺ- رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا، خرجه الخلعي وابن السمان في الموافقة.
وعن أبي إسحاق السبيعي عن أبي يحيي قال: لا أحصي كم سمعت عليا على المنبر يقول: إن الله -﷿- سمى أبا بكر على لسان نبيه -ﷺ- صديقًا، خرجه في فضائله.
وعن علي بن أبي طالب أنه كان يحلف بالله العظيم أن الله -﷿- أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق، خرجه السمرقندي وصاحب الصفوة.
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ: "عرج بي إلى السماء فما رأيت شيئًا إلا وجدت اسمي فيه مكتوبًا: محمد رسول الله، وأبو بكر الصديق خليفتي" خرجه ابن عرفة العبدي والثقفي الأصبهاني.
وعن الزهري يرفعه إلى النبي -ﷺ- قال: "يكون خلفي اثنا عشر خليفة، أبو بكر الصديق لا يلبث إلا قليلًا" خرجه صاحب الصفوة وقد سبق هذا الحديث في مناقب الثلاثة من رواية عمر، وفيه ذكر الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان، خرجه ابن الضحاك والصوفي عن يحيى بن معين. ولا حجة في هذه الأحاديث لأحد المعنيين بعينه، بل يجوز أن يكون سماه
[ ١ / ٨١ ]