وقد تقدم منها طرف جيد في أبواب الأعداد، خصوصًا في باب الشيخين وتقدم من ذلك اختصاصه بسؤال النبي -ﷺ- ربه -﷿- أن يعز الإسلام بعمر خاصة، وأن المسلمين ما زالوا أعزة منذ أسلم عمر، وتسمية الفاروق في فصل اسمه وإعلان هجرته في الفصل قبله.
ذكر اختصاصه بتأهله للنبوة، لو كان نبي بعد النبي -ﷺ:
عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله -ﷺ: "لو كان نبي بعدي، لكان عمر بن الخطاب" خرجه أحمد والترمذي، وقال: حسن غريب، وفي بعض طرق هذا الحديث: "لو لم أبعث، لبعثت يا عمر" وفي بعضها: "لو لم أبعث فيكم لبعث عمر" خرجه القلعي.
ذكر اختصاصه بالتحديث:
عن عائشة قالت: قال رسول الله -ﷺ: "قد كان في الأمم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فهو عمر بن الخطاب" خرجه أحمد ومسلم وقد قال ابن وهب: تفسير "محدثون: ملهمون" وأخرجه الترمذي وصححه وأبو حاتم وخرجه البخاري عن أبي هريرة، وخرج عنه من طريق آخر قال: قال رسول الله -ﷺ: "لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي فيهم أحد فعمر" ومعنى محدثون والله أعلم أي: يلهمون الصواب، ويجوز أن يحمل على ظاهره وتحدثهم الملائكة لا بوحي، وإنما بما يطلق عليه اسم حديث، وتلك فضيلة عظيمة.
ذكر اختصاصه بالخيرية:
عن جابر قال: قال عمر لأبي بكر: يا خير الناس بعد رسول الله -ﷺ، فقال أبو بكر: "أما إنك إن قلت ذلك، فلقد سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "ما طلعت شمس على رجل خير من عمر" خرجه الترمذي وقال: غريب، وهذا محمول على أنه كذلك بعد أبي بكر جمعًا بين هذا وبين
[ ٢ / ٢٨٧ ]
الأحاديث المتقدمة في أبي بكر.
وعن ثابت بن الحجاج قال: خطب عمر ابنة أبي سفيان فأبوا أن يزوجوه، فقال رسول الله -ﷺ: "ما بين لابتي المدينة خير من عمر" خرجه البغوي في الفضائل، وأراد بعده -ﷺ- وبعد أبي بكر، أما الأول فبالإجماع، وأما الثاني فلما تقدم.
ذكر اختصاصه بأنه أزهدهم في الدنيا:
عن طلحة بن عبيد الله قال: ما كان عمر بأولنا إسلامًا ولا أقدمنا هجرة، ولكنه كان أزهدنا في الدنيا وأرغبنا في الآخرة، خرجه الفضائلي.
ذكر اختصاصه بموافقة التنزيل في قضايا، منها اتخاذ مقام إبراهيم مصلى:
عن ابن عمر قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر، خرجه مسلم. وعن طلحة بن مصرف قال: قال عمر: يا رسول الله، أليس هذا مقام إبراهيم أبينا؟ قال: "بلى" قال عمر: فلو اتخذته مصلى؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ١ خرجه المخلص الذهبي.
ومنها: مشورته في أسارى بدر، عن ابن عباس عن عمر قال: لما كنا يوم بدر قال رسول الله -ﷺ: "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟" فقال أبو بكر: يا رسول الله، بنو العم وبنو العشيرة والإخوان، غير أنا نأخذ منهم الفداء، فيكون لنا قوة على المشركين وعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام ويكونوا لنا عضدًا، قال: "فما ترى يابن الخطاب؟" قلت: يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدهم فنقربهم فنضرب أعناقهم، قال: فهوى رسول الله -ﷺ- ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء، فلما أصبحت غدوت على رسول الله -ﷺ- فإذا هو
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ١٢٥.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وأبو بكر قاعدان يبكيان، قلت: يا نبي الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت لبكائكما، فقال: "لقد عرض علي عذابكم أدنى من الشجرة وشجرة قريبة حينئذ، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَة﴾ " ١ أخرجه مسلم، وعند البخاري معناه.
وذكر أنه قتل من المشركين سبعون رجلًا وأسر سبعون رجلًا، فاستشار النبي -ﷺ- أبا بكر وعمر وعليًّا فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدًا، فقال ﷺ: "ما ترى يابن الخطاب؟" قال: فقلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم، فهوى رسول الله -ﷺ- ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، ثم ذكر معنى ما بعده وزاد: فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون وفر أصحاب رسول الله -ﷺ- عنه، وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، وأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٢ بأخذكم الفداء ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
_________________
(١) ١ سورة الأنفال الآية: ٦٧. ٢ سورة آل عمران الآية: ١٦٥.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وعن أنس بن مالك قال: استشار النبي -ﷺ- الناس في الأسارى يوم بدر فقال: "إن الله قد أمكنكم منهم" فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي -ﷺ- ثم عاد رسول الله -ﷺ- فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس" فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي -ﷺ- ثم عاد النبي -ﷺ- فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء، قال: فذهب عن وجه رسول الله -ﷺ- ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، فأنزل الله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ ١ الآية، أخرجه أحمد.
وفي طريق أن النبي -ﷺ- لقي عمر فقال: "لقد كاد يصيبنا في خلافك بلاء" خرجه الواحدي في أسباب النزول، وفي بعضها: "لقد كان يصيبنا بخلافك شر يابن الخطاب". وفي رواية: "لو نزل من السماء نار لما نجا منها إلا عمر".
وفي رواية: "لو نزل عذاب " وفي رواية: "لو عذبنا في هذا الأمر لما نجا غير عمر" خرجهما القلعي.
وفي هذه الأحاديث دليل على أنه -ﷺ- كان يحكم باجتهاده، ومنها إشارته بحجب أمهات المؤمنين وقوله لهن: "لتكفن عن رسول الله -ﷺ- أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكن" تقدم في الأولى طرف من الحجاب.
وعن أنس بن مالك قال: قال عمر: "وافقت ربي في ثلاث أو وافقني في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ٢ وقلت: يدخل عليك
_________________
(١) ١ سورة الأنفال الآية: ١٦٨. ٢ سورة البقرة الآية: ١٢٥.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
البر والفاجر، فلو حجبت أمهات المؤمنين؟ فأنزل الله آية الحجاب، وبلغني شيء من معاتبة أمهات المؤمنين فقلت: لتكفن عن رسول الله -ﷺ- أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكن، حتى انتهيت إلى إحدى أمهات المؤمنين فقالت: يا عمر أما في رسول الله -ﷺ- ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ ١ أخرجاه وأبو حاتم.
وفي رواية بعد ذكر مقام إبراهيم والحجاب: اجتمع نساء رسول الله -ﷺ- في الغيرة فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت كذلك.
وعن ابن مسعود قال: فضل الناس عمر بأربع فذكر الأسرى يوم بدر أمر بقتلهم، فأنزل الله: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢ وبذكره الحجاب أمر نساء رسول الله -ﷺ- أن يحتجبن، فقالت له زينب: وإنك علينا يابن الخطاب والوحي ينزل بيوتنا، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وبدعوة النبي -ﷺ: "اللهم أيد الإسلام بعمر" وبرأيه في أبي بكر كان أول الناس بايعه. خرجه أحمد.
وعن عائشة قالت: كنت آكل من النبي -ﷺ- حيسًا في قعب، فمر عمر فدعاه فأكل فأصابت أصبعه أصبعي فقال: "حس أوه، لو أطاع فيكن ما رأتكن عين" فنزلت آية الحجاب، خرجهن الطبراني.
"شرح" حس: هي بكسر السين والتشديد كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضه وأحرقه، كالجمرة والضربة ونحوهما. ومنها قوله في قضية نسائه: "فإن الله معك وجبريل والمؤمنين".
_________________
(١) ١ سورة التحريم الآية: ٥. ٢ سورة الأنفال الآية ١٦٨.
[ ٢ / ٢٩١ ]
عن ابن عباس أن عمر حدثه قال: لما اعتزل رسول الله -ﷺ- نساءه كان قد وجد عليهن فاعتزلهن في مشربة من خزانته، قال عمر: فدخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالعصا ويقولون: طلق رسول الله -ﷺ- نساءه، فقلت: لأعملن في هذا اليوم وذلك قبل أن يؤمر نبي الله -ﷺ- بالحجاب، فدخلت على عائشة بنت أبي بكر فقلت: يابنة أبي بكر، بلغ من أمرك أن تؤذي رسول الله -ﷺ؟ قالت: ما لي وما لك يابن الخطاب، عليك بعيبتك فأتيت حفصة بنت عمر فقلت: يا حفصة والله قد علمت أن رسول الله -ﷺ- لا يحبك ولولا أنا لطلقك، قال: فبكت أشد بكاء قال: فقلت لها: أين رسول الله -ﷺ؟ قالت: هو في خزانته، قال: فذهبت فإذا أنا برباح غلام رسول الله -ﷺ- قاعدًا على أسكفة الغرفة مدليًا رجليه على نقير، يعني جذعًا منقورًا، قلت: يا رباح استأذن لي على رسول الله -ﷺ- فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فسكت، قال: فرفعت صوتي فقلت: استأذن يا رباح على رسول الله -ﷺ- فإني أظن أن رسول الله -ﷺ- يظن أني إنما جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله -ﷺ- أن أضرب عنقها لضربت عنقها، قال: فنظر رباح إلى الغرفة ونظر إلي ثم قال هكذا، يعني أشار بيده أن ادخل، فدخلت فإذا هو مضطجع على حصير وعليه إزاره فجلس، وإذا الحصير قد أثر في جنبه وقلبت عيني في الخزانة، فإذا ليس فيها شيء من الدنيا غير قبضتين من شعير وقبضة من قرص نحو الصاعين، وإذا أفيق معلق أو أفيقان، قال: فابتدرت عيناي فقال رسول الله -ﷺ: "ما يبكيك يابن الخطاب؟" فقلت: يا رسول الله، ما لي لا أبكي وأنت صفوة الله ورسوله وخيرته من خلقه، وهذه الأعاجم كسرى وقيصر في الثمار والأنهار وأنت هكذا؟! فقال: "يابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟" قلت: بلى يا رسول الله، فأحمد اللهقلما تكلمت في شيء إلا أنزل الله تصديق قولي من السماء، قال: قلت: يا رسول الله إن كنت طلقت
[ ٢ / ٢٩٢ ]
نساءك فإن الله -﷿- معك وجبريل وأنا وأبا بكر والمؤمنين، فأنزل الله -﷿: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ الآية. قال: فما أخبرت ذلك نبي الله -ﷺ- وأنا أعرف الغضب في وجهه حتى رأيت وجهه يتهلل، وكشر فرأيت ثغره وكان من أحسن الناس ثغرًا، فقال: "إني لم أطلقهن" قلت: يا نبي الله فإنهم قد أشاعوا أنك قد طلقت نساءك، فأخبرهم أنك لم تطلقهن، قال: "إن شئت فعلت" فقمت على باب المسجد فقلت: ألا إن رسول الله -ﷺ- لم يطلق نساءه، فأنزل الله -﷿- في الذي كان من شأنه وشأنهم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٢ قال عمر: فأنا الذي استنبطه منهم، أخرجاه وأبو حاتم.
وفي رواية: أنه لما قال له عمر: لو اتخذت يا رسول الله فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: "يا عمر، ما لي وللدنيا أو ما للدنيا وما لي، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة، ثم راح وتركها" خرجه الثقفي في الأربعين، ومنها منعه -ﷺ- من الصلاة على المنافقين.
عن ابن عمر قال: لما مات أبي بن سلول، جاء ابنه عبد الله إلى النبي -ﷺ- فسأله أن يعطيه قميصه يكفنه فيه، وسأله أن يصلي عليه فقال النبي -ﷺ: "ليصل عليه" فقام عمر فأخذ ثوب النبي -ﷺ- وقال: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال: "إنما خيرني، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٣ وسأزيده على السبعين" قال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) ١ سورة التحريم الآية: ٤. ٢ سورة النساء الآية: ٨٣. ٣ سورة التوبة الآية: ٨٠.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
فأنزل الله -﷿: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ أخرجاه.
وعن ابن عباس عن عمر أنه قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول الله -صلى الله عليهوسلم- وصلى عليه، فلما قام رسول الله -ﷺ- وثبت إليه فقلت: يا رسول الله أتصلي على ابن أبي سلول وقد قال يوم كذا وكذا؟ أعد عليه قوله، فتبسم رسول الله -ﷺ- وقال: "أخر عني يا عمر" فلما أكثرت عليه قال: "أما إني خيرت فاخترت، لو أعلم أني إذا زدت علىالسبعين يغفر له لزدت عليها" قال: فصلى عليه رسول الله -ﷺ- ثم انصرف، فلم يمكث يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ﴾ ١ إلى: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قال: فعجبت بعد من جراءتي على رسول الله -ﷺ- يومئذ، أخرجه البخاري. ومنها في رواية: أن النبي -ﷺ- لما نزل عليه: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٢ قال: "فلأزيدن على السبعين" وأخذ في الاستغفار فقال عمر: يا رسول الله، والله لا يغفر الله لهم سواء استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، فنزلت: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ خرجهما في الفضائل، فتجيء موافقة أخرى على هذه الرواية، ومنها موافقته في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ . عن أنس بن مالك قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع؛ قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، وقلت: يا رسول الله لو اتخذت على نسائك حجابًا، فإنه يدخل عليك البر والفاجر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ٣ وقلت لأزواج النبي -ﷺ: لتنتهن أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكن، ونزل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا
_________________
(١) ١ يدل القول الكريم على أن صوت المرأة ليس بعورة. ٢ سورة التوبة الآية: ٨٠. ٣ سورة الأحزاب الآية: ٥٣.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ ١ إلى قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٢ خرجه الواحدي في أسباب النزول وأبو الفرج.
وفي رواية: فقال ﷺ: "تزيد في القرآن يا عمر؟" فنزل جبريل بها وقال: إنها تمام الآية، خرجها في الفضائل والسجاوندي في تفسيره، وقد روي ذلك٣ عن عبد الله بن أبي سرح كاتب رسول الله -ﷺ- فلما أملى كذلك قال: إن كان محمد يوحى إليه فأنا كذلك فارتد، وقد روي أنه راجع الإسلام واستعمله عمر، وسيأتي في مناقبه.
ومنها موافقته في قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ ٤ لكنه فيه حديث أنس المتقدم آنفًا، ومنها موافقته في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ٥ عن النبي -ﷺ- استشار عمر في أمر عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فقال: يا رسول الله من زوجكما؟ فقال: "الله تعالى" قال: أفتظن أن ربك دلس عليك فيها؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ فأنزل الله ذلك على وفق ما قال عمر، فتحصلنا على تسع لفظات وكلها مشهورة غير الثلاث الأخر: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ روى ذلك عن رجل من الأنصار، ومنها موافقة معنوية عن علي أن عمر انطلق إلى اليهود فقال: إني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون وصف محمد في كتابكم؟ قالوا: نعم، قال: فما يمنعكم من اتباعه؟! قالوا: إن الله لم يبعث رسولًا إلا كان له من الملائكة كفيل، وإن جبريل هو الذي يكفل محمدًا وهو الذي يأتيه، وهو عدونا من الملائكة وميكائيل سلمنا
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون الآية: ١٢. ٢ سورة المؤمنون الآية ١٤. ٣ اشتهر نطق عبد الله بن أبي سرح بالقول الكريم: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ قبل إملائه. ٤ سورة التحريم الآية: ٥. ٥ سورة النور الآية: ١٦.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
فلو كان هو الذي يأتيه اتبعناه، قال: فإني أشهد أنه ما كان ميكائيل ليعادي سلم جبريل، وما كان جبريل ليسالم عدو ميكائيل، قال: فمر نبي الله فقالوا: هذا صاحبك يابن الخطاب، فقام إليه وقد نزل الله عليه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ ١ إلى قوله: ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ خرجه ابن السمان في الموافقة، وخرج أبو الفرج معناه في أسباب النزول، وزاد: فقلت: والذي بعثك بالحق، ما جئت إلا لأخبرك بقول اليهود، فإذا اللطيف الخبير قد سبقني بالخبر. وذكر الواحدي في تفسيره الوسيط قال: ثم أتى عمر النبي -ﷺ- فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فقرأ النبي -ﷺ- هذه الآية وقال له: "وافقك ربك يا عمر" قال عمر: فلقد رأيتني في دين الله أصلب من الحجر، ومنها أخرى معنوية:
إن عمر كان حريصًا على تحريم الخمر فكان يقول: اللهم بيّن لنا في الخمر؛ فإنها تذهب المال والعقل، فنزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ٢ الآية، فدعا رسول الله -ﷺ- عمر فتلاها عليه فلم ير فيها بيانًا فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ٣ الآية، فدعا رسول الله -ﷺ- عمر فتلاها عليه فلم ير فيها بيانًا ثم قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ ٤ الآية، فدعا رسول الله -ﷺ- عمر فتلاها عليه فقال عمر عند ذلك: انتهينا. خرجه القلعي، وذكر الواحدي أنها نزلت في عمر ومعاذ ونفر من الأنصار قالوا: يا رسول الله، إنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزلت، ومنها أخرى معنوية:
عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- أرسل غلامًا من الأنصار إلى عمر بن
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ٩٧. ٢ سورة البقرة الآية: ٩٨. ٣ سورة البقرة الآية: ٢١٩. ٤ سورة النساء الآية: ٤٣.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر على حال كره رؤيته عليها، فقال: يا رسول الله، وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ١ الآية خرجه أبو الفرج، وخرجه صاحب الفضائل وقال بعد قوله فدخل عليه: وكان نائمًا وقد انكشف بعض جسده فقال: اللهم حرم الدخول علينا في وقت نومنا فنزلت، ومنها معنوية أيضًا عن كذا قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ ٢ بكى عمر وقال: يا رسول الله ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ آمنا برسول الله -ﷺ- وصدقناه ومن ينجو منا قليل، فأنزل الله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ فدعا رسول الله -ﷺ- عمر وقال: "لقد أنزل الله تعالى فيما قلت، فجعل ثلة من الآخرين".
ومنها موافقته كما في التوراة عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل يهودي إلى عمر بن الخطاب فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣، فأين النار؟ فقال: لأصحاب محمد -ﷺ- أجيبوه فلم يكن عندهم فيها شيء فقال عمر: أرأيت النهار إذا جاء أليس يملأ السموات والأرض؟ قال: بلى قال: فأين الليل؟ قال: حيث شاء الله -﷿- قال عمر: فالنار حيث شاء الله -﷿- قال اليهودي: والذي نفسك بيده يا أمير المؤمنين، إنها لفي كتاب الله المنزل كما قلت، خرجه الخلعي وابن السمان في الموافقة، ومنها موافقة أخرى كما في التوراة:
أن كعب الأحبار قال يومًا عند عمر: ويل لملك الأرض من ملك السماء فقال عمر: إلا من حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنها
_________________
(١) ١ سورة النور الآية: ٥٨. ٢ سورة الواقعة الآية: ١٣. ٣ سورة آل عمران الآية: ١٣٣.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
لتابعتها في كتاب الله -﷿- التوراة، فخر عمر ساجدًا لله تعالى، فتحصلنا في الموافقات لما أنزل الله على خمس عشرة، تسع لفظيات وأربع معنويات واثنتان في التوراة.
وعن ابن عمر أنه قال: ما اختلف أصحاب رسول الله -ﷺ- في شيء فقالوا وقال عمر، إلا نزل القرآن بما قال عمر. خرجه ابن وركان وسعدان بن نصر المحرمي.
وعن علي أن عمر ليقول القول فينزل القرآن بتصديقه، وعنه كنا نرى أن في القرآن لكلامًا من كلامه ورأيًا من رأيه. خرجهما ابن السمان في الموافقة.
ذكر اختصاصه بشهادة النبي -ﷺ- أن الله جعل الحق على لسانه وقلبه، وأن الحق بعده معه:
عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن الله قد جعل الحق على لسان عمر وقلبه" خرجه أحمد وأبو حاتم والترمذي وصححه، وعن ابن عمر مثله. خرجه أبو حاتم.
وفي رواية بعد قوله: "وقلبه": "يقول الحق ولو كان مرًّا" خرجهما القلعي. وفي رواية على لسان عمر: "يقول به" خرجهما المخلص. وفي رواية: "إن الله نزل الحق على قلب عمر ولسانه" خرجها البغوي في الفضائل.
وقد تقدم في باب الأربعة من حديث الترمذي عن علي أن رسول الله -ﷺ- قال: "رحم الله عمر يقول الحق وإن كان مرًّا، تركه الحق وما له من صديق".
وعن الفضل بن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ: "عمر معي وأنا مع عمر، والحق بعدي مع عمر حيث كان" خرجه البغوي في معجمه وفي الفضائل، وفي رواية: "ادن مني فأنت مني وأنا منك، والحق بعدي
[ ٢ / ٢٩٨ ]
معك" خرجهما في الفضائل، وخرجه أبو القاسم السمرقندي بزيادة ولفظه: أن عمر قال كلمة ضحك منها رسول الله -ﷺ- وقال: "عمر مني" الحديث إلى آخره.
ذكر اختصاصه بأن السكينة تنطق على لسانه:
عن علي قال: كنا نرى ونحن متوافرون أصحاب محمد -ﷺ- أن السكينة تنطق على لسان عمر، خرجه ابن السمان في الموافقة، والحافظ أبو الفرج في محبة الصحابة.
ذكر اختصاصه بالهيبة، ونفران الشيطان منه:
عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: لقد دخل عمر بن الخطاب على رسول الله -ﷺ- وعنده نسوة من قريش يسألنه ويستكثرنه رافعات أصواتهن، فلما سمعن صوت عمر انقمعنَ وسكنّ، فضحك رسول الله -ﷺ- فقال عمر: يا عدوات أنفسهم، تهبنني ولا تهبن رسول الله -ﷺ؟! فقال رسول الله -ﷺ: "يا عمر، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك" خرجه النسائي وأبو حاتم وأبو القاسم في الموافقات، وأخرجاه وأحمد وقالوا: فلما استأذن عمر قمنا فبادرنا الحجاب فدخل عمر ورسول الله -ﷺ- يضحك فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله، فقال رسول الله -ﷺ: "عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب" قال عمر: يا عدوات أنفسهن تهبنني ولا تهبن رسول الله -ﷺ؟ فقلن: نعم!! أنت أفظ وأغلظ من رسول الله -ﷺ، فقال رسول الله -ﷺ: "يابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان " وذكر باقي الحديث.
"شرح" انقمعن: ذللن وارتدعن، وقمعته وأقمعته: إذا قهرته وأذللته، وأقمعت الرجل عني: إذا رددته، والفج: الطريق الواسع بين الجبلين،
[ ٢ / ٢٩٩ ]
والجمع فجاج. وعن علي -﵇- قال: والله إن كنا لنرى أن شيطان عمر يهابه أن يأمره بالخطيئة. وعن عائشة قالت: كان رسول الله -ﷺ- جالسًا فسمعنا لغطًا وصوت صبيان فقام رسول الله -ﷺ- فإذا حبشية تزفن والصبيان حولها فقال: "يا عائشة تعالي فانظري" فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله -ﷺ- فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال: "أما شبعت؟ أما شبعت؟" قالت: فجعلت أقول: لا، لأنظر عنده منزلتي، إذ طلع عمر قالت: فارفض الناس عنها، قالت: فقال رسول الله -ﷺ: "إني لأنظر إلى شياطين الإنس والجن قد فروا من عمر" خرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب.
"شرح" تزفن: ترقص، وارفضوا: تفرقوا.
وعن بريدة قال: خرج رسول الله -ﷺ- في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله، إني كنت نذرت إن ردك الله سالمًا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله -ﷺ: "إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا" فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها وقعدت عليه، فقال رسول الله -ﷺ: "إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسًا وهي تضرب، ثم دخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف" خرجه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب.
وعن عائشة قالت: دخلت امرأة من الأنصار إلي فقالت: إني أعطيت الله عهدًا إذا رأيت النبي -ﷺ- في أمن لأنقرن على رأسه بالدف، قالت عائشة: فأخبرت النبي -ﷺ- بذلك فقال: "قولي لها: فلتفي بما حلفت" فقامت بالدف على رأس النبي -ﷺ- فنقرت نقرتين أو ثلاثًا فاستفتح عمر
[ ٢ / ٣٠٠ ]
فسقط الدف من يدها وأسرعت إلى خدر عائشة، قالت لها عائشة: ما لك؟ قالت: سمعت صوت عمر فهبته، فقال رسول الله -ﷺ: "إن الشيطان ليفرّ من حس ١ عمر" خرجه ابن السمان في الموافقة.
وعن بريدة أن النبي -ﷺ- قال: "إني لأحسب الشيطان يفر منك يا عمر". وعن عليقال: كنا نرى أن شيطان عمر يخافه أن يجره إلى معصية الله تعالى، خرجه ابن السمان أيضًا.
وعن عائشة أنها قالت: أتيت رسول الله -ﷺ- بخزيرة طبختها له فقلت لسودة والنبي -ﷺ- بيني وبينها: كلي فأبت، فقلت: لتأكلن أو لألطخن وجهك فأبت، فوضعت يدي في الخزيرة ولطخت بها وجهها، فلطخت وجهي فضحك النبي -ﷺ، فوضع فخذه لها وقال لسودة: "لطخي وجهها" فلطخت وجهي، فضحك النبي -ﷺ- أيضًا، فمر عمر فنادى: يا عبد الله، يا عبد الله، فظن رسول الله -ﷺ- أنه سيدخل فقال: "قوما فاغسلا وجوهكما" فقالت عائشة: فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله -ﷺ- إياه، رواه ابن غيلان من حديث الهاشمي وخرجه الملاء في سيرته.
وعن ابن أبي مليكة أن عمر مر بامرأة مجذومة وهي تطوف بالبيت فقال لها: يا أمة الله "لو قعدت في بيتك لا تؤذين الناس" قال: فقعدت، فمر بها رجل بعد ذلك فقال: إن الذي نهاك قد مات فاخرجي، فقالت: والله ما كنت لأطيعه حيا وأعصيه ميتا. خرجه البصري من حديث أنس بن مالك.
ذكر اختصاصه بأنه صارع جنيًّا فصرعه:
عن ابن مسعود أن رجلًا من أصحاب محمد -ﷺ- لقي رجلًا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي، فقال له الجني: عاود فعاوده فصرعه أيضًا،
_________________
(١) ١ حسّ بمعنى: صوت، لفظ عربي.
[ ٢ / ٣٠١ ]
فقال له الإنسي: إني لأراك ضئيلًا سخيفًا كأن ذراعيك ذراعا كلب، أفكذلك أنتم معشر الجن أم أنت منهم كذا؟ قال: والله إني منهم لضليع، ثم قال: عاودني الثالثة، فإن صرعتني علمتك شيئًا ينفعك فعاوده فصرعه، قال: هات علمني، قال: هل تقرأ آية الكرسي؟ قلت: نعم، قال: فإنك لا تقرؤها في بيت إلا خرج منه الشيطان ثم لا يدخله حتى يصبح، فقال رجل من القوم: من ذلك الرجل يا أبا عبد الله من أصحاب محمد؟ أهو عمر؟ قال: من يكون إلا عمر بن الخطاب؟
ذكر اختصاصه بشهادة النبي -ﷺ- بنفي حب مطلق الباطل عنه:
عن الأسود بن سريع قال: أتيت رسول الله -ﷺ- فقلت: يا رسول الله، إني قد حمدت الله ﵎ بمحامد ومدح وإياك، فقال رسول الله -ﷺ: "إن ربك تعالى يحب المدح، هات ما امتدحت به ربك تعالى" قال: فجعلت أنشده، فجاء رجل يستأذن، أدلم طوال أعسر أيسر، قال: فاستنصتني له رسول الله -ﷺ- ووصف لنا أبو سلمة كيف استنصته قال: كما يصنع بالهر، فدخل الرجل فتكلم ساعة ثم خرج، ثم أخذت أنشده أيضًا ثم رجع بعد، فاستنصتني رسول الله -ﷺ- ووصفه أيضًا، فقلت: يا رسول الله، من ذا الذي تستنصتني له؟ فقال: "هذا رجل لا يحب الباطل، هذا عمر بن الخطاب" خرجه أحمد.
"شرح" الأدلم: الأسود، أعسر أيسر تقدم في فصل صفته، وأطلق على هذا باطلًا وهو متضمن حقا؛ لأنه حمد ومدح لله تعالى ولرسوله لأنه من جنس الباطل، إذ الشعر كله من جنس واحد.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
ذكر اختصاصه بالشدة في أمر الله تعالى:
عن أنس بن مالك أن رسول الله -ﷺ- قال: "أشد أمتي في أمر الله تعالى عمر" خرجه في المصابيح الحسان.
ذكر اختصاصه بأمر النبي -ﷺ- إياه بإجابة أبي سفيان يوم أحد:
قال ابن إسحاق: إن أبا سفيان لما أراد الانصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته: إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، اعل هبل!! فقال ﷺ: "قم يا عمر فأجبه" فقال: الله أعلى وأجل لا سواه، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فلما أجاب عمر أبا سفيان قال له: هلم يا عمر، فقال ﷺ لعمر: "ائته، فانظر ما شأنه" فجاءه عمر فقال: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدًا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة، إنه يقول: إني قتلت محمدًا.
وفي رواية: أن أبا سفيان وقف عليهم فقال: أفيكم محمد؟ فقال ﷺ: "لا تجيبوه" قال: أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه، ثم قال الثالثة فلم يجيبوه، ثم قال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ قالها ثلاثًا فلم يجيبوه، ثم قال: أفيكم ابن الخطاب ثلاثًا؟ فلم يجيبوه، فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم، فلم يملك عمر نفسه أن قال: كذبت يا عدو الله، ها هو رسول الله -ﷺ- وأبو بكر وإنا أحياء، فقال: يوم بيوم بدر، ثم ذكر معنى ما تقدم، قال ابن إسحاق: وبينا رسول الله -ﷺ- بالشعب يوم أحد مع أولئك النفر من الصحابة إذ علت عالية من قريش الجبل، فقال ﷺ: "إنه لا ينبغي أن يعلونا" فقام عمر ورهط معه من المهاجرين حتى أنزلوهم من الجبل.
ذكر اختصاصه بمباهاة الله تعالى به، خاصة يوم عرفة:
عن بلال بن رباح أن رسول الله -ﷺ- قال له يوم عرفة: "يا بلال
[ ٢ / ٣٠٣ ]
أسكت الناس، أو أنصت الناس" ثم قال: "إن الله تطول عليكم في جمعكم هذا، فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا على بركة الله تعالى، إن الله باهى ملائكته بأهل عرفة عامة وباهاها بعمر بن الخطاب خاصة" خرجه البغوي في الفضائل، وتمامه في فوائده، وخرجه ابن ماجه من أوله إلى قوله: "ادفعوا باسم الله" مكان: "على بركة الله".
وفيه دلالة على فضل عمر على الملائكة؛ لأن المباهاة إنما تتحقق إذا كان للمباهى به فضل على المباهى.
ذكر اختصاصه بثوب يجره دون سائر الأمة، في رؤيا رآها النبي -ﷺ:
عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ- قال: "بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما هو أسفل من ذلك، وعرض علي عمر وعليه قميص يجره" فقال من حوله: ما أولت يا نبي الله ذلك؟ قال: "الدين" أخرجاه وأحمد وأبو حاتم، وفسر الثوب بالدين والله أعلم؛ لأن الدين يشمل الإنسان ويحفظه ويقيه المخالفات، كوقاية الثوب وشموله.
ذكر اختصاصه بشرب فضل لبن شربه رسول الله -ﷺ- في رؤيا رآها، وأول ذلك -ﷺ- بالعلم:
عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- أنه قال: "بينا أنا نائم، إذ رأيت قدحًا أتيت به فيه لبن، فشربت حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب" قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: "العلم" أخرجاه وأحمد وأبو حاتم والترمذي وصححه، وقد تقدم لأبي بكر مثله من حديث أبي حاتم خاصة. والظاهر أن الرؤيا تكررت،
[ ٢ / ٣٠٤ ]
فشرب فضله في إحداهما أبو بكر وفي الأخرى عمر، ويؤيده تغاير ألفاظ الحديثين؛ ولهذه الخصوصية بلغ علمه ما روي عن ابن مسعود أنه قال: لو جمع علم أحياء العرب في كفة ميزان ووضع علم عمر في كفة، لرجح علم عمر، ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم، ولمجلس كنت أجلسه من عمر أوثق في نفسي من عمل سنة. خرجه أبو عمر والقلعي.
ذكر اختصاصه بفضل طول على الناس في رؤيا أبي بردة:
عن أبي بردة أنه رأى في المنام كأن ناسًا جمعوا، فإذا فيهم رجل فرعهم فهو فوقهم بثلاثة أذرع، قال: فقلت: من هذا؟ قالوا: عمر، قلت: لم؟ قالوا: لأن فيه ثلاث خصال: لا يخاف في الله لومة لائم، وخليفة مستخلف، وشهيد مستشهد، قال: فأتى أبا بكر فقصها عليه فأرسل إلى عمر فدعاه فبشره، فجاء عمر قال: فقال لي أبو بكر: اقصص رؤياك، فلما بلغت: خليفة مستخلف زأرني عمر وانتهرني وقال: تقول هذا وأبو بكر حي، قال: فلما ولي عمر، فبينا هو على المنبر إذ دعاني وقال: اقصص رؤياك فقصصتها، فلما قلت: إنه لا يخاف في الله لومة لائم قال: إني لأرجو أن يجعلني الله منهم، قال: فلما قلت: خليفة مستخلف قال: قد استخلفني الله، وأسأله أن يعينني على ما ولاني، فلما ذكرت: شهيد مستشهد قال: أنى لي الشهادة وأنا بين أظهركم، تغزون ولا أغزو؟ ثم قال: بلى، يأتي الله بها إن شاء الله، يأتي الله بها إن شاء الله.
ذكر اختصاصه بأن الناس ما دام فيهم، لا تصيبهم فتنة:
عن الحسن الفردوسي قال: لقي عمر أبا ذر فأخذ بيده فعصرها فقال أبو ذر: دع يدي يا قفل الفتنة، فعرف أن لكلمته أصلًا، فقال: يا أبا ذر ما قفل الفتنة؟ قال: جئت يومًا ونحن عند النبي -ﷺ- فكرهت أن أتخطى رقاب الناس، فجلست في أدبارهم، فقال ﷺ: "لا تصيبكم فتنة ما
[ ٢ / ٣٠٥ ]
دام هذا فيكم" خرجه المخلص الذهبي والرازي والملاء في سيرته.
ومعناه في الصحيح من حديث حذيفة ولفظه عن حذيفة قال: كنا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله -ﷺ- في الفتنة؟ وما قال؟ فقلت: أنا، فقال: هات إنك لجريء، وكيف قال؟ قلت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر، قال: قلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقًا؟ قال: فيكسر الباب أو يفتح؟ قال: لا بل يكسر، قال: ذاك أحرى أن لا يغلق أبدًا، قال: قلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غد ليلة، إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب، فقلنا لمسروق: سله فسأله فقال: عمر، أخرجاه١.
وعن عبد الله بن سلام أنه مر بعبد الله بن عمر وهو نائم فحركه برجله وقال: من هذا؟ قال: أنا عبد الله ابن أمير المؤمنين، قال: قم يابن قفل جهنم، فقام عبد الله وقد تغير لونه حتى أتى والده عمر وقال له: يا أبت أما سمعت ما قال ابن سلام؟ قال: وما قال لك يا بني؟ قال: قال لي: قم يابن قفل جهنم، فقال عمر: الويل لعمر إن كان بعد عبادة أربعين سنة ومصاهرته لرسول الله -ﷺ- وقضاياه بين المسلمين بالاقتصاد أن يكون مصيره إلى جهنم، قال: فقام عمر وتقنع بطيلسان له وألقى الدرة على عاتقه، فاستقبله عبد الله بن سلام فقال له: يابن سلام بلغني أنك قلت لابني: قم يابن قفل جهنم، قال: نعم قال: وكيف قلت: إني في جهنم حتى أكون قفلًا لجهنم؟ قال: معاذ الله يا أمير المؤمنين أن تكون في جهنم ولكنك قفل جهنم، قال: وكيف؟ قال: أخبرني أبي عن آبائه عن
_________________
(١) ١ البخاري ومسلم.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
موسى بن عمران عن جبريل أنه كان يقول: يكون في أمة محمد رجل يقال له: عمر بن الخطاب أحسن الناس وأحسنهم يقينًا، ما دام فيهم فالدين عالٍ واليقين فاشٍ، فاستمسك بالعروة الوثقى من الدين فجهنم مقفلة، فإذا مات عمر مرق الدين وافترق الناس على فرق من الأهواء، وفتحت أقفال جهنم فيدخل فيها كثير، خرجه في فضائله.
وعن عبد الله بن دينار قال: جاء رجل إلى عمر قال: سمعت كعبًا يقول: إنك على باب من أبواب النار، قال: ففزع عمر لذلك وقال: ما شاء الله يرددها مرارًا ثم أرسل إلى كعب فقال: مرة في الجنة ومرة في النار، قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ وما بلغك عني؟ قال: أخبرني فلان أنك قلت كذا وكذا، قال: أجل، والذي نفسي بيده إني لأجدك على باب من أبواب النار قد سددته أن يدخل، قال: فكأنه جلا عنه ما كان في نفسه، خرجه عبد الرزاق في جامعه.
ذكر اختصاصه بأنه أول من تنشق عنه الأرض بعد النبي -ﷺ- وبعد أبي بكر، تقدم حديث الذكر في خصائص أبي بكر:
ذكر اختصاصه بأنه أول من يعطى كتابه بيمينه يوم القيامة، ودعاء الإسلام له فيه:
تقدم في باب الشيخين من حديث زيد بن ثابت طرف منه خرجه في الديباج، وعن عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إذا كان يوم القيامة وحشر الناس، جاء عمر بن الخطاب حتى يقف في الموقف فيأتيه شيء أشبه به، فيقول: جزاك الله يا عمر عني خيرًا، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا الإسلام جزاك الله يا عمر خيرًا، ثم ينادي منادٍ: ألا لا يدفعن لأحد كتاب حتى يدفع لعمر بن الخطاب، ثم يعطى كتابه بيمينه
[ ٢ / ٣٠٧ ]
ويؤمر به إلى الجنة" فبكى عمر وأعتق جميع ما يملكه وهم تسعة، خرجه في فضائله.
ذكر اختصاصه بأن الله جعله مفتاح الإسلام:
عن ابن عباس قال: نظر رسول الله -ﷺ- إلى عمر ذات يوم وتبسم، فقال: "يابن الخطاب، أتدري لم تبسمت إليك؟" قال: الله ورسوله أعلم، قال: "إن الله -﷿- نظر إليك بالشفقة والرحمة ليلة عرفة، وجعلك مفتاح الإسلام" خرجه الملاء في سيرته.
ذكر اختصاصه بأنه أول من يسلم عليه الحق يوم القيامة:
ورد عن النبي -ﷺ- أنه قال: "عمر أول من يسلم عليه الحق يوم القيامة، وكل أحد مشغول بأخذ الكتاب وقراءته" خرجه في فضائله، ولا تضاد بينه وبين ما تقدم في الذكر قبله، إذ يعطى كتابه أولا، ثم يسلم عليه الحق والناس مشغولون حينئذ بإعطاء كتبهم.
ذكر اختصاصه بأنه أول من تسمَّى بأمير المؤمنين:
وعن الزبير قال: قال عمر لما ولي: كان أبو بكر يقال له: خليفة رسول الله -ﷺ- وكيف يقال لي خليفة رسول الله يطول هذا، قال: فقال له المغيرة: أنت أميرنا ونحن المؤمنون، فأنت أمير المؤمنين، قال: فذاك إذًا. وعن الشفاء -وكانت من المهاجرات الأول- أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل العراق: أن ابعث إليَّ برجلين جلدين نبيلين أسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه عامل العراق لبيد بن ربيعة العامري وعدي بن حاتم الطائي، قال: فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد، فإذا هما بعمرو بن العاص، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين يا عمرو، فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه نحن المؤمنون وهو أميرنا، فوثب عمرو فدخل على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال عمر: ما بالك في هذا الاسم؟ قال: إن لبيد بن ربيعة
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وعدي بن حاتم قدما فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد وقالا لي: استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين، فهما والله أصابا اسمك، أنت الأمير ونحن المؤمنون، قال: فجرى الكتاب من يومئذٍ؛ خرجهما أبو عمر.
ذكر اختصاصه بأنه أول من أمر بالجماعة في قيام رمضان:
عن عبد الرحمن بن عبد القارئ قال: خرجت مع عمر في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقونيصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد كان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله، أخرجه البخاري.
وعن علي قال: أنا حرضت عمر على القيام في شهر رمضان، أخبرته أن فوق السماء السابعة حضيرة يقال لها: حضيرة القدس يسكنها قوم يقال لهم: الروح، فإذا كان ليلة القدر استأذنوا ربهم في النزول إلى الدنيا فلا يمرون بأحد يصلي أو على الطريق إلا أصابه منهم بركة، فقال عمر: يا أبا الحسن فتحرض الناس على الصلاة حتى تصيبهم البركة، فأمر الناس بالقيام، خرجه ابن السمان في الموافقة. وعنه أنه مر على المساجد في شهر رمضان وفيها القناديل فقال: نور الله على عمر في قبره، كما نور علينا مساجدنا.
وفي رواية: سمع القرآن في المساجد ورأى القناديل تزهر في المسجد فقال: نور الله لعمر، الحديث. خرجهما ابن السمان أيضًا، وخرج الرواية الأخيرة ابن عبدكويه وأبو بكر النقاش عن ابن إسحاق الهمداني قال: خرج علي الحديث.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
ذكر اختصاصه بآي نزلت فيه:
تقدم من ذلك آيات الموافقات.
وفي الخامسة منهن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ نزلت فيه، وقد تقدم بيانها ثمة، وتقدم في فصل إسلامه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ١ الآية،
نزلت فيه في قول بعضهم.
ومنها قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ٢، نزلت فيه وفي أبي جهل في قول زيد بن أسلم، وقال ابن عباس: نزلت في حمزة وأبي جهل.
وعنه أيضًا أنها في عمار وأبي جهل، وقال مقاتل: في النبي -ﷺ- وأبي جهل، وقال الحسن: عامة.
ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
قال ابن عباس: أسلم مع رسول الله -ﷺ- تسعة وثلاثون، ثم أسلم عمر فصاروا أربعين فنزلت الآية.
ومنها: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ ٤ قال الكلبي: نزلت في عمر حين شتمه رجل من المشركين من بني غفار فهمّ أن يبطش به، وقيل غير ذلك. ذكر جميع ذلك الواحدي وأبو الفرج وصاحب الفضائل.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ٥٤. ٢ سورة الأنعام الآية: ١٢٢. ٣ سورة الأنفال الآية: ٦٤. ٤ سورة الجاثية الآية: ١٤.
[ ٢ / ٣١٠ ]