ذكر اختصاصه بأنه أول من سل سيفًا في سبيل الله -﷿- ودعا النبي -ﷺ- لسيفه:
عن سعيد بن المسيب قال: كان الزبير أول من سل سيفا في سبيل الله -﷿- فدعا النبي -ﷺ- له بخير.
وعن هشام بن عروة عن أبيه: أن أول رجل سل سيفه في سبيل الله -﷿- الزبير، وذلك أنه نفحت نفحة من الشيطان وأخذ رسول الله -ﷺ- فأقبل الزبير يشق الناس بسيفه والنبي -ﷺ- بأعلى مكة فقال له رسول الله -ﷺ: "ما لك يا زبير؟" فقال: أخبرت بأنك أخذت. قال: فصلى عليه ودعا لسيفه. أخرجه أبو عمر، وأخرج الفضائلي معناه عن سعيد بن المسيب، ولفظه: بينا الزبير بمكة إذ سمع نغمة أن النبي -ﷺ- قد أخذ، فخرج عريانا ما عليه شيء، بيده السيف مصلتا، فتلقاه النبي -ﷺ- فقال: "ما لك يا زبير؟" قال: سمعت أنك قد قتلت قال: "فما كنت صانعا؟" قال: أردت والله أن أستعرض أهل مكة، فدعا له النبي -ﷺ. وأخرجه صاحب الصفوة كذلك وأخرجه الملاء وزاد بعد قوله "أستعرض أهل مكة": وأجري دماءهم كالنهر، لا أترك أحدًا منهم إلا قتلته حتى أقتلهم عن آخرهم. قال: فضحك النبي -ﷺ- وخلع رداءه وألبسه، فنزل جبريل وقال: "إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: أقرئ مني على الزبير السلام، وبشره أن الله أعطاه ثواب كل من سل سيفا في سبيل الله منذ بعثت إلى أن تقوم الساعة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا؛ لأنه أول من سل سيفا في سبيل الله ﷿".
[ ٤ / ٢٧٤ ]
"شرح" نفحت نفحة: يجوز أن يكون من نفحت الريح إذا هبت، أو من نفح العرق ينفح إذا نزل منه الدم، أو من نفحت الناقة: ضربت برجلها، ونفحه بالسيف: تناوله من بعيد كل هذا يناسبه نفحة الشيطان؛ ويقال: نفح الطيب ينفح إذا فاح، وله نفحة طيبة، ولا يزال لفلان نفحات من المعروف، ونفحة من العذاب: قطعة منه، ونغمة: كلام خفي، يقال منه: نغم ينغم وينغم نغما، وفلان حسن النغمة إذا كان حسن الصوت، مصلتًا: مجردًا وأصلت سيفه: إذا جرده من غمده فهو مصلت بفتح اللام، أستعرض أهل مكة أي: أقتل من جانب، ولا أسأل عن واحد من العرض الجانب، يقال للخارجي: إنه يستعرض الناس أي: يقتلهم ولا يسأل عن مسلم ولا كافر.
ذكر اختصاصه بأنه حواري النبي -ﷺ:
عن جابر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ: "إن لكل نبي حواريًّا، وحواريي الزبير" أخرجه البخاري والترمذي ومسلم بزيادة ولفظه: ندب رسول الله -ﷺ- الناس يوم الخندق فندب الزبير ثم ندبهم، فانتدب الزبير فقال النبي -ﷺ: "لكل نبي حواري، وحواريي الزبير" وأخرجه الترمذي عن علي بن أبي طالب وقال: حسن صحيح. وأخرجه أحمد عن عبد الله بن الزبير بزيادة ولفظه: "لكل نبي حواري والزبير حواريي وابن عمتي" وأخرجه أبو معاوية ولفظه: "الزبير ابن عمتي، وحواريي من أمتي".
وسمع ابن عمر رجلا يقول: أنا ابن الحواري، فقال: إن كنت ابن الزبير وإلا فلا. أخرجه أبو عمر.
"شرح" الحواري تقدم شرحه في فضائل طلحة، وندب أي: دعا، فانتدب أي: أجاب.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
ذكر اختصاصه بنزول الملائكة يوم بدر، عليها عمائم على لون عمامة الزبير:
عن هشام بن عروة عن عبادة بن حمزة بن الزبير قال: كانت على الزبير عمامة صفراء، معتجرًا بها يوم بدر، ونزلت الملائكة عليها عمائم صفراء يوم بدر. أخرجه أبو عمر.
وروي أنه كان يوم بدر على الميمنة وعليه ريطة صفراء، فنزلت الملائكة على سيماه. أخرجه أبو الفرج في مشكل الصحيحين.
"شرح" الاعتجار: لفّ العمامة على الرأس، والمعجر: ما تشده المرأة على رأسها، يقال: اعتجرت المرأة بالمعجر، والمعجرة بالكسر: نوع من العمة، يقال: فلان حسن المعجرة. والريطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقين، والسيما: العلامة. ويجوز أن يكون والله أعلم إنما نزلت على سيماه؛ لأنه أول حربها فنزلت على سيما أول محارب لله -﷿- وفي سبيله، وقد تقدم ذلك في هذا الفصل.
ذكر اختصاصه بالقتال بعنزة رسول الله -ﷺ- يوم بدر:
عن الزبير -﵁- قال: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وكان يكنى أبا ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه بالعنزة، فطعنته في عينه فمات، قال هشام بن عروة: فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه، ثم تمطيت، وكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفها، قال عروة: فسأله إياها رسول الله -ﷺ- فأعطاه إياها، فلما قبض ﷺ أخذها، فطلبها أبو بكر فأعطاه إياها، فلما قبض أخذها، ثم سألها عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم سألها عثمان فأعطاه إياها، فلما قتل وقعت
[ ٤ / ٢٧٦ ]
إلى آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتى قتل. أخرجه البخاري.
"شرح" قوله: مدجج: يروى بكسر الجيم وفتحها أي: عليه سلاح تامّ، فسمي به لأنه يدج أي: يمشي رويدًا لثقله بالسلاح، وقيل: لأنه يتغطى به من دججت السماء: إذا تغيمت. وقوله: تمطيت أي: تمددت، ومددت مطاي، المطا: الظهر.
ذكر اختصاصه بجمع النبي -ﷺ- له أبويه يفديه بهما يوم الأحزاب:
عن عبد الله بن الزبير قال: كنت عند الأحزاب أنا وعمر بن أبي سلمة مع النساء في أطم حسان، فنظرت فإذا الزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثا، فلما رجعت قلت: يا أبة، رأيتك تختلف، فقال: رأيتني يا بني؟ قلت: نعم، قال: كان رسول الله -ﷺ- قال: "من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟" فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله -ﷺ- أبويه فقال: "فداك أبي وأمي" أخرجاه وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن.
وهذا القول لم ينقل أن النبي -ﷺ- قاله يوم الأحزاب لغيره.
وأخرج أحمد عنه قال: جمع لي رسول الله -ﷺ- أبويه يوم أحد. والمشهور في ذلك يوم أحد أنه كان لسعد، وسيأتي في خصائصه، ويحتمل أن يكون جمعهما لهما، واشتهر في سعد لكثرة ترديد القول له بذلك.
وقد روي عنه أنه قال: جمع لي رسول الله -ﷺ- أبويه مرتين، في أحد وفي قريظة.
"شرح" أطم حسان أي: حصنه، تضم وتسكن؛ والجمع آطام، والأجم مثله.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
ذكر اختصاصه بالقتال مع النبي -ﷺ- وهو ابن اثنتي عشرة سنة:
عن عمر بن مصعب بن الزبير قال: قاتل الزبير مع رسول الله -ﷺ- وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وكان يحمل على القوم ويقول له: ههنا بأبي أنت وأمي، ههنا بأبي أنت وأمي. أخرجه البغوي في معجمه، وصاحب الصفوة ولم يقل: بأبي وأمي.
ذكر اختصاصه بمرافقة النبي -ﷺ- إلى وفد الجن:
عن الزبير بن العوام قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- الصبح في مسجد المدينة، فلما انصرف قال: "أيكم يتبعني إلى وافد الجن الليلة؟" فأسكت القوم فلم يتكلم منهم أحد، قال ذلك ثلاثًا، فلم يتكلم منهم أحد، فمر بي يمشي وأخذ بيدي، فجعلت أمشي معه وما أجد من مس، حتى خنس عنا نخل المدينة كله وأفضينا إلى أرض بوار، فإذ رجال طوال كأنهم رماح مستثفرو ثيابهم بين أرجلهم فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تمسكني رجلاي من الفرق، فلما دنونا منهم خط لي رسول الله -ﷺ- برجله في الأرض خطا وقال لي: "اقعد في وسطها" فلما جلست فيها ذهب كل شيء كنت أجده، ومضى رسول الله -ﷺ- وتلا عليهم القرآن حتى طلع الفجر، ثم أقبل حتى مر بي، فقال: "الحق" فجعلت أمشي معه، فمضينا غير بعيد فقال لي: "التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد؟" فقلت: يا رسول الله أرى سوادًا كثيرًا، قال: فخفض رسول الله -ﷺ- بيده الأرض، وأخذ بروثة ثم رمى بها إليهم، وقال: "رشد أولئك من وفد قوم" أخرجه ابن الضحاك في الآحاد والمثاني.
[ ٤ / ٢٧٨ ]
ذكر اختصاصه بكسوة رسول الله -ﷺ- في طريق الهجرة:
عن عروة بن الزبير أن رسول الله -ﷺ- لما هاجر لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله -ﷺ- وأبا بكر ثيابًا بيضاء. أخرجه الحميدي في جامعه من الصحيحين.
ذكر اختصاصه بنزول قرآن بسببه:
عن عبد الله بن الزبير أن رجلًا خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال للأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه فاحتكموا عند النبي -ﷺ- فقال النبي -ﷺ- للزبير: "اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك" فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله -ﷺ- ثم قال: "يا زبير، اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر" فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم﴾ ١ الآية، أخرجاه، وعند البخاري: فاستوعى رسول الله -ﷺ- للزبير حينئذ حقه.
وعن ابن عباس -﵄- في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ ٢ الآية، وذلك أن خبيبًا أخرجه المشركون ليقتلوه فقال: دعوني حتى أصلي ركعتين، فتركوه حتى صلى ركعتين، ثم قال: لولا أن يقولوا: جزع لزدت، وأنشأ يقول:
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
فصلبوه حيا، فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس حوالي أحد يبلغ رسولك مقامي، فأبلغه سلامي، ثم رموه بسهم وطعنوه برمح، فبلغ
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية ٦٥. ٢ سورة البقرة الآية ٢٠٧.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
النبي -ﷺ- خبره فقال: "أيكم يحتمل خبيبًا من خشبته وله الجنة؟" فقال الزبير: أنا وصاحبي المقداد. فخرجا يسيران الليل والنهار حتى وافيا المكان، فإذا حول الخشبة أربعون رجلا نياما، وإذا هو رطب لم يتغير منه شيء بعد أربعين يوما، فحمله الزبير على فرسه وسار فلحقه سبعون منهم، فقذف خبيبًا فابتلعته الأرض، وقال: ما جرأكم علينا يا معشر قريش؟ ثم رفع العمامة عن رأسه، وقال: أنا الزبير بن العوام، وأمي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد الأسود، أسدان رابضان، إن شئتم ناضلتم وإن شئتم نازلتم، وإن شئتم انصرفتم فانصرفوا، فقدموا على رسول الله -ﷺ- وعنده جبريل فقال: يا محمد إن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك، ونزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ هذا أحد خمسة أقوال في سبب نزولها، وهو قول ابن عباس والضحاك. الثاني: نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وروي عن علي وعمر. الثالث: في صهيب الرومي. الرابع: في المهاجرين والأنصار، قاله قتادة. الخامس: في المهاجرين خاصة، قاله الحسن.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ نزلت في سبعين منهم أبو بكر والزبير، وقد سبق ذكر ذلك. أخرجه أبو الفرج في أسباب النزول.
[ ٤ / ٢٨٠ ]