عن علي بن أبي طالب قال بعثني رسول الله -ﷺ- والزبير وطلحة والمقداد فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن فيها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها" فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتيننا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا لها أخرجي الكتاب فقالت ما معي من كتاب فقلنا لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله -ﷺ- فإذا فيه من حاطب ابن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ- "يا حاطب ما هذا" فقال يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقًا في قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون قرابتهم وأهليهم ولم يكن لي قرابة أحمي بها أهلي فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي وأهلي والله يا رسول الله ما فعلت ذلك ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد السلام فقال رسول الله -ﷺ- "إنه قد صدقكم"
_________________
(١) ١ لا شك أن الإسلام دين السلام.
[ ١ / ١٩ ]
فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: "إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" هذا تمام، وعن سهل بن مالك عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -ﷺ: "يا أيها الناس، إن الله قد غفر لأهل بدر والحديبية" أخرجه الخلعي والحافظ الدمشقي في معجمه، وعن أم مبشر قالت: قال رسول الله -ﷺ- في بيت حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، قالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال النبي -ﷺ: "إنه قال الله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ١ " أخرجه مسلم، وعن ابن عباس أن رسول الله -ﷺ- قال لعمر في قصة حاطب بن أبي بلتعة: "وما يدريك لعل الله اطلع على هذه العصابة من أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفر لكم" تفرد مسلم بإخراجه وسيأتي في مناقب عمر، وعن جابر أن عبدا لحاطب جاء إلى رسول الله -ﷺ- يشكو حاطبا فقال لرسول الله -ﷺ: ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله -ﷺ: "كذبت لا يدخلها؛ فقد شهد بدرا والحديبية" وعن ابن عباس قال: أتى جبريل النبي -ﷺ- فقال: يا محمد من أفضل أصحابك عندكم؟ فقال: "الذين شهدوا بدرًا" قال: كذلك الملائكة الذين في السموات، أفضلهم عندنا الذين شهدوا بدرًا، أخرجه ابن بشران، وعن رفاعة بن رافع قال: جاء جبريل إلى النبي -ﷺ- فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: "من أفضل المسلمين" أو كلمة نحوها قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة، أخرجه الملاء في سيرته، وعن جابر قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة" أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح وأخرجه الملاء في سيرته وزاد يعني بالحديبية: "ولا تمس النار أحدًا ممن رآني أو رأى من رآني
_________________
(١) ١ سورة مريم الآية: ٧٢.
[ ١ / ٢٠ ]
ممن آمن بي" وجملة العشرة داخلون في حكم البدريين من حضر ومن لم يحضر، فإن من لم يحضر أعطي حكم الحاضر في الأجر والسهم على ما سنقرره في أبوابه، وكذلك من غاب عن بيعة الشجرة وهو عثمان بايع عنه رسول الله -ﷺ- فضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: "هذه لعثمان".
ذكر ما جاء في الحث على حبهم، والإحسان إليهم بالاستغفار لهم، والكف عما شجر١ بينهم:
عن عبد الله بن مسعود قال: جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحب قوما ولما لحق بهم؟ فقال رسول الله -ﷺ: "المرء مع من أحب" أخرجاه، وعن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: "وما أعددت لها؟ " قال: حب الله ورسوله قال: "فإنك مع من أحببت" قال: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي -ﷺ: "فإنك مع من أحببت" قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم، أخرجه مسلم. وعن أنس بن مالك أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ فقال رسول الله -ﷺ: "وما أعددت لها؟ " قال: ما أعددت لها من كثير أحمد عليه نفسي، إلا أني أحب الله ورسوله فقال رسول الله -ﷺ: "فإنك مع من أحببت" أخرجه مسلم. وعن جابر بن سمرة قال: جاءنا عمر بالجابية فقال: إن رسول الله -ﷺ- قام في مثل مقامي هذا فقال: "أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم" أخرجه المخلص الذهبي وأخرجه الحافظ ابن ناصر السلامي وقال: حديث صحيح رجاله ثقات مخرج عنهم في الصحيحين. وهذه توصية من رسول الله -ﷺ- بأصحابه والإحسان إليهم بحبهم والاستغفار لهم والترحم عليهم والكف عما شجر بينهم، وعن عبد الله بن الزبير أن عمر بن الخطاب
_________________
(١) ١ اختلف بينهم واختلط.
[ ١ / ٢١ ]
خطبهم بالجابية وقال: إن رسول الله -ﷺ- قال: "أكرموا أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" أخرجه أبو عمر بن السماك، وإكرامهم بما تقدم من الإحسان إليهم. وعن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ: "من أحسن القول في أصحابي فقد برئ من النفاق، ومن أساء القول في أصحابي كان مخالفا لسنتي ومأواه النار وبئس المصير" أخرجه في شرف النبوة أبو سعد وفي رواية: "من أحسن القول في أصحابي، فهو مؤمن" رواها ابن غيلان، وعن عائشة قالت: أُمروا أن يستغفروا لأصحاب محمد -ﷺ- فسبوهم، أخرجه مسلم وأبو معاوية وهذا يؤيد ما تقدم في تأويل إكرامهم والإحسان إليهم، وعن سهل بن مالك عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -ﷺ: "يا أيها الناس احفظوني في أختاني وأصهاري وأصحابي لا يطالبنكم الله بمظلمة أحد منهم، فإنها ليست مما يوهب، يا أيها الناس ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين، وإذا مات الرجل فلا تقفوا فيه إلا خيرا" أخرجه الخلعي والحافظ الدمشقي في معجمه، وعن عبد الرحيم بن زيد العمي قال: أخبرني أبي قال: أدركت أربعين شيخا من التابعين كلهم حدثونا عن أصحاب رسول الله -ﷺ- أن رسول الله -ﷺ- قال: "من أحب جميع أصحابي وتولاهم واستغفر لهم، جعله الله يوم القيامة معهم في الجنة" أخرجه ابن عرفة العبدي، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ: "من أحب أصحابي وأزواجي وأهل بيتي ولم يطعن في أحد منهم وخرج من الدنيا على محبتهم، كان معي في درجتي يوم القيامة" أخرجه الملاء في سيرته، وعن عبد الله بن معقل قال: قال رسول الله -ﷺ: "الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا من بعدي، من أحبهم فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" أخرجه المخلص الذهبي وأخرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي في معجمه وقال: "من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم" وذكر ما قبله وما بعده بمثل لفظه، وهو من حديث نبيط بن شريط الأشجعي عن النبي -ﷺ- نحو رواية ابن معقل من رواية الحافظ الدمشقي.
[ ١ / ٢٢ ]