أمّا أمانته في النّقل فظاهرة تستحقّ الإعجاب والمدح والثناء، فأنت لا تجد بين النصّ الذي ينقله والنصّ المنقول عنه كبير فرق، بل كلّ ما تجده هو ما يوجد من الفروق بين نسخة وأخرى من الكتاب الواحد، من سقط لفظة، أو زيادة لفظة أخرى، أو تقديم كلمة
[ المقدمة / ٩٣ ]
على أخرى، وهذا شيء مألوف كثير الوقوع غير متعمّد، قد يكون مردّه إلى اختلاف النّسخ، لكنّ الإخلال غير المألوف ما نجده لدى المؤلّف من تعمّد حذف بعض العبارات التي فيها استنقاص من المترجم أو الطّعن عليه أو الاستنقاص من شأن شيوخه، وحذف العبارات التي توحي بذمّ الحنابلة، وخاصّة نصوص الحافظ السّخاوي- وهذا وإن كان قليلا في الكتاب- لا نرتضيه من المؤلّف، ولا شكّ أنه يخدش ما قلنا في أمانة نقله وتحرّيه في النّقل، ففي ترجمة أحمد بن نصر الله ذات الرّقم: (٤٠) أسقط المؤلّف بعض عبارات منها: بعد قوله: «وكان بيته مجمع طائفة من الأرامل ونحوهن …» أسقط بعدها: «وله من حسن العقيدة والتّبجيل والمحبّة ما يفوق الوصف وما علمت من استأنس به بعده»، ولم يشر إلى أنه أسقط مثل هذه العبارة أو تجاوزها، وقال في التّرجمة نفسها عند ذكر وفاته: «فشهد السّلطان فمن دونه الصّلاة عليه في جمع حافل …»، وأسقط بعدها قول السّخاوي: «تقدّمهم الشّافعيّ» وله أمثلة كثيرة.
وفي بعض الأحيان ينقل المؤلّف كلام السّخاوي أو غيره- وهو نصوص عن السّخاوي أوضح- ينقله كاملا ولا يحذف منه شيئا مع أنه كان بحاجة إلى الحذف، لأنّ العبارة تستقيم في كتاب السّخاوي ولا يستقيم في كتاب ابن حميد أو تكون موهمة، قال في التّرجمة
[ المقدمة / ٩٤ ]
رقم (٢٨): «والد أحمد الآتي»، وقال في التّرجمة رقم (٨١): «الآتي أبوه»، وقال في التّرجمة رقم (٣٦٣): «والآتي ولده يحيى»، وهذه عبارة السّخاوي، وذكرهم السخاوي ولم يذكرهم ابن حميد؛ لأنهم ليسوا من الحنابلة، أو من الحنابلة وغفل ابن حميد عن ذكرهم.
ومثل هذه العبارات كثير، يراجع مثلا التراجم: (٤٦١) و(٤٩٦) و(٥٤٤) و(٨١٤) … وكان ينبغي له أن يحذف عبارة السّخاوي، ويشير إلى الحذف، أو يعلّق بعد كلامه بما يدفع هذا الوهم الذي قد يطرأ على أذهان القاصرين أمثالي.