وقد ألّف جمع من الأفاضل تآليف لا تشفي غلّة، وكثير من هذه التآليف لم ير النّور بعد، ولا نعلم مقدار ما اشتملت عليه من فرائد وفوائد، فقد ألّف الشيخ سليمان بن عبد الرّحمن بن حمدان كتابا اسمه «متأخّري الحنابلة» جعله كالذّيل على الحافظ ابن رجب سلك فيه مسلك ابن حميد ولم يبلغ شأوه، ونقل تراجم بأكملها عنه، وتركه مسوّدات بخطوط مختلفة وفي ثناياه بياضات كثيرة.
وألّف الشّيخ صالح بن عبد العزيز بن عثيمين (^١) كتابا اسمه «تسهيل السّابلة …» بدأه بأحمد بن حنبل فمن بعده إلى عصره حدود سنة ١٣٩٠ هـ، اشتمل على عدد غير قليل من تراجم الحنابلة
_________________
(١) الشيخ صالح المذكور هنا- رحمه الله تعالى- لا يلتقي نسبا بأسرتنا.
[ المقدمة / ٩٨ ]
أثناء وفي حدود وبعد سنة ١٢٩١ هـ إلى ما يقرب من سنة ١٣٩٠ هـ، ولم تكن كتابتها مخصصة بالتّذييل على السّحب الوابلة.
و«تراجم كتاب التّسهيل» الأولى تكاد تخلو من الفائدة مع وجود أصولها في طبقات ابن أبي يعلى، والذّيل عليها لابن رجب «والمنهج الأحمد»، ومع ذلك هي مختصرة غير مفيدة، وتراجمه المتأخّرة فيها خلط عظيم وعدم تحرير للتّراجم، وأدخل أعدادا كبيرة من تراجم العلماء من غير الحنابلة، وخاصة تلك التي لم ينصّ فيها على مذهب المترجم في «الدّرر الكامنة» وغيره ظنّا منه أنه منهم، وخاصّة أهل الحديث، وفي مصنّفه- عفا الله عنه وغفر له- جرأة وتجاسر على إضافة عبارات المدح والثّناء على المترجم ووصفه ب (الحنبلي) وربما عزا ذلك إلى المصادر التي ينقل عنها، وقد كرّر تراجم كثيرة نظرا لاختلاف المصدر أو اختلاف سنيّ الوفاة، ولا جديد ولا مهم في مصادره.
وتراجم كتاب ابن حمدان﵀- غير محرّرة- كما أسلفت- وأغلب المتأخّرين منهم من علماء نجد خاصّة- وبعضهم من المغمورين- أنصاف العلماء، ومصادره قليلة جدّا وليس فيها غرابة، واعتمد ابن عثيمين في كتابه على مسودات كتاب ابن حمدان المذكورة التي أغلبها بخطّه.
وألّف الشّيخ جميل الشّطّي﵀- «مختصر طبقات الحنابلة» لخص فيه مؤلّفات سابقيه، واعتمد في تراجم المتأخّرين
[ المقدمة / ٩٩ ]
منهم على كتاب لعمّه محمّد مراد﵀- «مسودة في طبقات الحنابلة»، وتراجم المتقدّمين منهم اختيارات مختصرة غير مفيدة، ويظهر أنّ له تأثرا ما ب (ابن حميد) أو هما معا على منهج واحد في معاداة الدّعوة السّلفية التي قام بها الإمام المجدّد محمد بن عبد الوهّاب﵀- فلم يترجم له ولا لكثير من دعاة الدّعوة وعلمائها ﵏.
- وألّف الشّيخ إبراهيم بن ضويان النّجديّ الرّسيّ﵀- (ت ١٣٥٣ هـ) كتابا اسمه «كشف النّقاب عن تراجم الأصحاب» ضمّنه تراجم الحنابلة من لدن الإمام أحمد حتّى زمنه، وما قلته عن كتاب جميل الشّطّي أقوله عن كتاب ابن ضويّان هذا بأنّ تراجمه المتقدّمة مختصرة غير مفيدة وتراجمه المتأخرة قليلة وأغلبها لعلماء نجديّين خاصّة، كما أنّ متأخّري تراجم كتاب الشّطي شاميّون خاصة، وكثير منهم آل الشّطّي فالجمع بين هذه الكتب تحصل به الفائدة.
- وممن ذيل على كتاب ابن رجب من المتأخّرين وله اهتمام بالغ بتراجم الرّجال ومعرفة طبقاتهم، ولديه إلمام بالكتب والمصنّفات، ولديه ولع وله إشفاق، وعنده رغبة أكيدة واشتياق، الشّيخ العلّامة عبد القادر بن بدران الدّمشقيّ (ت ١٣٤٥ هـ) رحمه الله تعالى، ولم أطلع على مصنّفه ولا أعلم مقدار الزّيادة التي أضافها، لكنه جدير بأن يأتي بكلّ نادر، وأن يجمع من التّراجم ما لم يدر
[ المقدمة / ١٠٠ ]
بالخواطر، فقد أخذ القوس باريها، وصاحب الدّار أدرى بالذي فيها، وهو بلا شكّ أكثر إنصافا من المؤلّف- ابن حميد- ومن جميل الشّطي لأصحابنا علماء نجد أئمّة الدّعوة﵏- وهو أدرى بمناقب أهل الشّام، ومصر، وفلسطين، والحجاز، والعراق وأخبارهم وكتبهم ومؤلّفاتهم ومناظراتهم وأشعارهم، لأنّه صاحب رحلات وجولات، وهو حريص جدا على جمع تراث الحنابلة وتتبّع أخبارهم وآثارهم.
- وألّف الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن غملاس التّميميّ النّجديّ ثم الزّبيريّ (ت ١٣٥٤ هـ) ذيلا على السّحب الوابلة اسمه (السّابلة على السّحب الوابلة) موجود في مكتبة جامعة البصرة مخطوط في (٧٠٠) صفحة لا أعرف عنه أكثر من هذا، ولا أدري ما مقدار الزّيادة التي زادها صاحبه، وما المنهج الذي انتهجه مؤلّفه، وما موقفه من الدّعوة وإمامها ودعاتها، وهل ترجم لهم أو اتبع سبيل ابن حميد؟ وقد ذكر أنه اختصر «السّحب الوابلة» فهل حذف فضول كلام ابن حميد وهمزه ولمزه في إمام الدّعوة ودعاتها، وحذف عبارات مدحه وثنائه المفرط على خصومها وجعل ذلك من اختصاره؟. هذا ما أتوقّعه لأنّ خصوم الدّعوة اختفوا تماما ولم يعد لهم وجود يذكر في زمن ابن غملاس المذكور، أخصّ بذلك علماء نجد سواء في داخلها أو في خارجها؛ لأنّ أغلب معارضتهم لظروف سياسيّة، أو عناد وحسد أو شبه غير متأصّلة. وهذه كلّها زالت مع
[ المقدمة / ١٠١ ]
الأيام، ولم يبق لها بقية تذكر ولله الحمد والمنّة، ونظرا إلى أنّني لم أطلع على كتاب ابن غملاس المذكور ليس لدي ما أقوله عنه أكثر من هذا والله تعالى أعلم.
- وألّف حفيد المؤلّف عبد الله بن علي بن محمد بن حميد (ت ١٣٤٦ هـ) «النّعت الأكمل …» جعله ذيلا على كتاب جدّه، ولم أقف عليه ولا أعرف حقيقة ما اشتمل عليه من التراجم، ذكره شيخنا عبد الله البسام في علماء نجد: ٢/ ٦٠٠. وذكر لي بعض الإخوة أنّه اطلع عليه (^١) والله أعلم.
ولا أعرف أحدا من المتقدّمين قبل ابن حميد ذيّل على كتاب ابن رجب، بل كلّهم يبدأ بالإمام أحمد ما عدا كتاب ابن عبد الهادي، وهو كتاب صغير لا يعتد به. لذا يبقى كتاب ابن حميد هذا (السّحب الوابلة) من أجمع وأجود كتب طبقات الحنابلة بعد كتاب الحافظ ابن رجب، مع أنه خالف منهج الحافظ ابن رجب فلم يطرّز كتابه بمختارات من فوائد المترجم وفتاواه الفقهيّة، أو ما تفرّد به من روايات وأحاديث وآثار، أو نوادر لغويّة وأدبيّة ونحويّة، أو إنشاد قصائد ومقطّعات شعرية، أو فوائد أخرى مما أثر عن المترجم، وهذه
_________________
(١) الذي يطلع على رسالته في أسماء كتب المذهب (الدّرّ المنضّد) وما فيها من كثرة الأخطاء يدرك أن تحصيله في العلم محدود، واطلاعه غير واسع عفا الله عنه ورحمه، ووقفت على استدراكات قليلة استدركها على جدّه في هوامش نسخة نسخها من (السّحب الوابلة) بخطّه لم تكن جيدة ولا موفقة.
[ المقدمة / ١٠٢ ]
الفوائد تذهب السّأم والملل عن القاريء وتنقله من أسلوب علميّ محض إلى أسلوب مفيد، مع ما فيها من المتعة والدّلالة الظّاهرة على تمكّن صاحبها من العلم، وقدرته على التّصرف في فنونه، وقد ذكر ابن حميد شيئا من ذلك لكنّه لم يلح عليه ويكثر منه ويصبح ظاهرة في كتابه كما هي الحال في كتاب الحافظ ابن رجب ﵀.