مؤاخذات على المؤلف في كتابه باعتباره (قائلا).
وهذه في مواقف له تعارض الدعوة الإصلاحية التي قام بها الإمامان المحمدان: محمد بن سعود المتوفّى سنة ١١٧٩ هـ، ومحمد ابن عبد الوهاب، المتوفى سنة ١٢٠٦ هـ، - رحمهما الله-. كما في عدد من التراجم ابتداء من الترجمة رقم: ٣٣، والمشار في حاشيتها إلى المواضع الأخرى.
وهذا الحمل منه على علماء التوحيد، وولاة أمر المسلمين قد جرّ المؤلّف إلى التجاهل، بإسقاط تراجمهم الحافلة بدءا من الإمامين المحمدين المذكورين، وأقرانهما وتلاميذهما، إلى الآخر، فأمسى تأليفه هذا بفعله: مشوّها، مخدّجا.
وخلاصة تحطّطه: ثورة غضبية، فيها سباب ولجّة، ونبز بالألقاب وخفّة، لم أر فيها للحجة مكانا، وسياقا، ولا للرأى دليلا، وتبيانا، وأنّى له؟
ولهذا قرّر عامة مترجميه أن مسلكه هذا، نفثة مصدور، وصحبة منكود، يجمع ذلك أمران:
الأول: أنه في الطّلب تلقّى عن بعض العلماء في التوحيد، والفقه، على الاتباع والصفاء، ثمّ تلقّى العلم عن من يجمع الطّمّ
[ المقدمة / ٧ ]
والرّم، فأثّرت فيه المشارب الكدرة.
الثاني: كانت له نوع وجاهة في المسجد الحرام بالدخول تحت مظلة المناوئين للدعوة، ولحماتها.
ومعلوم أنّ التخلص من حظوظ النفس يحتاج إلى رسوخ في الاعتقاد، وأعوان أخيار.
وإلا فالمؤلّف كان معظّما لشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم- رحمهما الله تعالى- حفيّا بكتبهما، مولعا بخدمة المذهب، وتراجم علمائه.
وقد مضى لسبيله، نسأل الله العفو والمغفرة للجميع آمين.
وكم حصل لهذه الدعوة المباركة، ولولاة أمرها من خصوم، ذهبت أصواتهم أدراج الرياح العاتية، وقامت الدعوة الإصلاحية على سوقها سالمة من شوائب الشرك والوثنية، ومن البدع والأهواء المضلّة، نافذة إلى أرجاء العالم، تحت راية التوحيد، يذب عنها ولاة الأمر آل سعود، ملوك المملكة العربية السعودية- أجزل الله مثوبتهم وخلّد ملكهم- آمين.
ولجميع ما تقدم من المؤاخذات على الكتاب ومؤلفه، اتخذ علماؤنا هذا الكتاب مهجورا، لا يعوّلون عليه، ولا يرجعون إليه إلا الفرد بعد الفرد، ينقلون منه باعتبار مؤلّفه ناقلا لا باعتباره قائلا، لكن في عام ١٤٠٩ هـ ظهر هذا الكتاب مطبوعا تحت اسم دار نشر، لا نعلم لاسمها وجودا- وقد يكون مسمّاها معلوما باسم آخر- ظهر دون التعليق على مواطن المؤاخذات والأخطاء فيه، مكتفيا
[ المقدمة / ٨ ]
ناشره بكلمات عابرة في المقدمة، والله- سبحانه- محاسب كلّ عبد على عمله وقصده.
وقد رأى سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز، أن يعاد طبع الكتاب على أصوله الخطية، ويعلّق على مواضع الخطأ فيه بما تقتضيه الأمانة، وتوجبه الديانة، فوصلتني رغبته في ذلك برسالته رقم ٧٩٥ خ بتاريخ ١٩/ ٥/ ١٤١٠ هـ الموجهة إليّ، وإلى فضيلة المحقق الشيخ عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الأستاذ بجامعة أم القرى، والمشهور بتحقيقاته الماتعة لعدد من الكتب التّراثية، فوجدت أن هذا من أداء بعض ما يجب.
حينئذ تولّى فضيلة الشيخ عبد الرحمن تحقيق الكتاب وتخريج تراجمه، وتدارك الفوت على مؤلّفه بحواش ممتعة حسان مشبعة بالعلم والتحقيق، جامعة لعزيز الفوائد، والتدقيق في التراجم، ولمّ شتات «البيوتات الحنبلية» بما لا يقوى عليه إلا هو، ولا أقول مثله؛ لأنه في زماننا متفرد بخدمة تراجم علماء المذهب عن تحقيق وتدقيق وبصيرة نافذة في تحرير التعاليق- أجزل الله مثوبته، وجعله في ميزان حسناته-.
وأما تعليقاتي على الكتاب فهي محدودة، وقليلة جدا، في حدود التعليق المختصر على المؤاخذات المذكورة بقسميها، على أن الشيخ عبد الرحمن- أثابه الله- قد كتب تعليقات متعددة على بعض هذه المؤاخذات هي غاية في التحقيق، كافية عن التطويل، وبها يتأدّى المقصود، وقد رغبت منه الاكتفاء بعمله، لكنه أبى إلا المشاركة، فتمّت بالقدر المذكور.
[ المقدمة / ٩ ]
وأدع التبيان عن معارف الكتاب، وتقويمه، لفضيلة محققه الشيخ عبد الرحمن بن سليمان العثيمين. إذ صاحب البيت أدرى بما فيه.
والله ولي التوفيق. والحمد لله رب العالمين.
وكتب بكر بن عبد الله أبو زيد في مدينة النبي «ﷺ» ٦/ ٧/ ١٤١٦ هـ
[ المقدمة / ١٠ ]