قال تلميذه الشّيخ صالح بن عبد الله البسّام «تولى منصب الإفتاء ومقام الحنبلي في مكّة المشرفة أظنّه في حدود سنة ١٢٨٢ هـ ولقد قام بحقوق الإمام القيام التّامّ إلى أن توفي ..».
وعلّق أحد قرّاء الكتاب- أظنّه حفيد المؤلّف- على هامش الورقة بقوله: «قلت: تولّى الإمامة لمقام الحنبلي سنة ١٢٦٤ هـ، وأمّا الإفتاء فلا أعلم متى، لعلّه كما ذكر تلميذه والله أعلم».
أقول: أما تولّيه المقام الحنبلي فهو كما ذكر صاحب التّعليقة سنة ١٢٦٤ هـ كذا نقل شيخنا عبد الله البسّام (^١) عن نسخة من خطّ المؤلّف في رسالة بعث بها إلى صديقه محمد بن عبد الله بن مانع- رحمهما الله- جاء فيها: «من المحب الدّاعي محمد بن عبد الله بن حميد إلي جناب الشّيخ الأجلّ الأمجد الأنبل محبّنا وحبيبنا، أخي الرّوح وشيققها، ووردها وشقيقها، بل شيخنا، المكرم، الأحشم، الشيخ محمد بن عبد الله بن مانع من اتحد اسمى واسمه فكان ذلك دليلا على أنّ اتحاد المسمى أقوى دليل، ومن دام لي ودّه حتّى كاد أن يبطل قول القائل: «لا يدوم خليل» أمّا بعد إبلاغ السلام التامّ عليكم فقد صدرت الأحرف من بطن مكّة المشرّفة ومحبّكم بحال الصّحة والسّلامة، أمّا ما أخبرتكم عنه سابقا من جهة السّفر فإنّني صمّمت
_________________
(١) علماء نجد: ٨٦٤.
[ المقدمة / ٤٦ ]
واتخذت في أهبة السّفر بحيث ما بقي إلّا أن أمشي، وإذا ببعض أصحابنا من العلماء الذين يجالسون الشّريف قد أتوا إلىّ وقالوا: قد جرى اليوم عند الشّريف ذكر المقام الحنبليّ، وأنّ إمامه الذي يباشره الآن ضعف وعجز عن النّهوض، وأنه ليس من يسدّ بدله إلّا فلان، وهو عازم على السّفر يعنون الحقير، وإذا بالشّريف قد أرسله إلي، فامتنعت عن ذلك لعلمي بأنّى لست أهلا، ولكوني قد عزمت على السّفر، فأشار الحاضرون بترك السّفر والالتزام بهذا الأمر، ولا سيما شيخنا أحمد الدّمياطي، وصاحبنا حسين مفتى المالكية، فإنّهما ألحا على الحقير وبالغا في ذلك، وإذا بالشّيخ حسين قد أتى من الغد ومعه تقرير من الشّريف كما جرت به العادة، وصورته- بعد الصدر-:
«إننا قد قررنا ونصّبنا فلان بن فلان في المقام الحنبلي فلا يعارضه في ذلك معارض ولا ينازعه منازع … إلى آخره».
فاستخرت الله﷾- وعزمت على الإقامة إلى أن يوافى الإنسان حمامه فيها، وأرجو أنه عين الخير دنيا وأخرى، وحال التأريخ برز أمر من سيّدنا الشّريف أن كل أهل مذهب يقرءون على أعلم من يوجد منهم، وعين للحنفية عالم منهم يقال له:
الشيخ محمد الكتبي، وللشّافعية شيخنا أحمد الدّمياطي، والمالكية الشيخ حسين، وقالوا للحقير في جمادى ١٢٦٤ هـ».
هذا نص واضح في توليه المقام والتّدريس. ونقل الشيخ عبد الله مرداد في كتابه «نشر النّور والزّهر» (الأصل) وكانت الفتوى
[ المقدمة / ٤٧ ]
على مذهب الحنابلة بمكّة متعطلة سنين من بعد موت مفتيها الشّيخ محمد بن يحيى بن ظهيرة المكّي سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف إلى أن وليها المترجم كما أفاد بعض الأفاضل، وقد أرّخ ذلك الأديب السيّد محمد شكري أفندي المكّي بقوله:
تاج المفاخر قد تكلّل … والدّهر بالبشرى تهلّل
لمّا ولى الفتوى بمذ … هب [أحمد] الورع المفضّل
العالم العلم الشّهي … ر محمّد الشّرقي المبجّل
الألمعى الفطن الأري … ب اللّوذعي حلّال معضل
من شاد مذهب أحمد … من بعد ما قد كاد يهمل
من وافت الفتوى له … كالبدر برج السّعد حل
أرخه طاب لقد زهى … بمحمّد فتوى ابن حنبل
أقول: والشّيخ حسين مفتى المالكيّة: هو حسين بن إبراهيم المالكيّ (١٢٢٢ - ١٢٩٢ هـ) مغربي الأصل، من أهل طرابلس، تولى الإفتاء بمكّة سنة ١٢٦٢ هـ.