هذا الكتاب من أشهر مؤلّفات ابن حميد﵀-، بل قد لا أكون مغاليا إذا قلت: إنه سبب شهرته في الأوساط العلميّة لا سيّما بعد وفاته، وقد عرف الكتاب في حياة مؤلّفه، وذلك أنّه أتمّه تأليفا وقراءة نقلا عن مسوّدته الثانية سنة ١٢٨٨ هـ، أي قبل سبع سنين من وفاته، وقد اشتهر الكتاب قبل ذلك وهو لا يزال في مسوّداته، وشرّق وغرّب وانتسخ، ثم بعد ذلك انتشر ووصلت نسخ منه إلى المغرب والهند …، ولقي استحسان كثير من أهل العلم.
وكثير من العلماء يعرّفون بالمؤلّف بأنّه صاحب كتاب «السّحب
[ المقدمة / ٧٣ ]
الوابلة»، قال الشّيخ عبد الله مرداد في نشر النّور والزّهر (^١) (مختصره): «… مفتي الحنابلة بمكة المكرمة النّسابة صاحب «السّحب الوابلة»، وقال الشّيخ عبد الحي الكتّانيّ في فهرس الفهارس (^٢): «العلّامة الأديب المؤرّخ المسند مذيّل «طبقات الحنابلة» للحافظ ابن رجب …»، وقال الشّيخ محمّد مراد أفندي في مسوّدة طبقات الحنابلة: مختصر طبقات الحنابلة للشّطّيّ (^٣): «وألّف مؤلفات منها: «السّحب الوابلة ..»، وقال الأستاذ الزّركليّ في «الأعلام» (^٤): ومن كتبه «السّحب الوابلة على ضرائح الحنابلة في تراجم الحنابلة «استفدت منه كثيرا، وعنه في «معجم المؤلّفين» (^٥):
وقال الشّيخ سليمان بن حمدان في كتابه «متأخّري الحنابلة»:
«وألّف ذيلا على طبقات ابن رجب سماه: «السّحب الوابلة» لم يعرّج فيه على ذكر أحد من أئمّة هذه الدّعوة النّجديّة المباركة الدّينية من أولاد الشيخ محمد وأحفاده فمن بعدهم، ولا لعلماء نجد الأعلام سترا منه للحقّ الواضح، وبخسا لميزان الفضل الرّاجح، وإن مرّ لهم ذكر بمناسبة بعض الحوادث تبرّأ منهم براءة الذئب من دم يوسف، وإنّما ذكر أناسا يعدّون بالأصابع جديرين بالذّكر، وباقي
_________________
(١) نشر النور والزهر: ٤٢٣.
(٢) فهرس الفهارس: ١/ ٥١٩.
(٣) مختصر طبقات الحنابلة: ١٩٢.
(٤) الأعلام: ٦/ ٢٤٣.
(٥) معجم المؤلفين: ١٠/ ٢٢٧.
[ المقدمة / ٧٤ ]
الذين ذكرهم وتكثّر بهم أناس قد ترجمهم ابن رجب وابن عبد الهادي وغيرهم».
أقول: ما ذكره الشّيخ ابن حمدان﵀- أنه لم يعرّج على أئمة الدّعوة صحيح، وموقف المؤلّف- ابن حميد- من الدّعوة وإمامها واضح، وهو موقف مشين ومزر بصاحبه لا شكّ في ذلك، وقد رددنا على دعاواه الباطلة ومزاعمه الفاسدة، وأوضحنا أنّ عدم ذكره لأئمّة الدّعوة ودعاتها- وهم من الحنابلة، بل من فضلاء علمائهم- مخالفة للمنهج السّليم، والتّعرّض لهم بالسلب والثّلب والانتقاص تجنّ ظاهر ليس له فيه حجّة ولا برهان، وإنّما هو اتباع للهوى، وبعد عن الإنصاف، وتأثر بالظّروف السّياسية المحيطة به، وتأثر كبير بشيوخه من الصّوفيّة وأهل البدع …، لكنّ هذا لا يمنعنا أبدا أن نقول كلمة حقّ في كتابه هذا في جودته، وشموله لأغلب علماء الحنابلة بعد ابن رجب، وأنّ جهده في الكتاب ظاهر، والفائدة منه مرجوة إن شاء الله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨).
وقول الشّيخ ابن حمدان: «إنّما ذكر أناسا يعدّون بالأصابع جديرين بالذّكر وباقي الذين ذكرهم وتكثّر بهم أناس قد ترجمهم ابن رجب، وابن عبد الهادي وغيرهم».
أقول: هذا خطأ من الشّيخ- عفا الله عنه ورحمه- فكيف
[ المقدمة / ٧٥ ]
يكون تكثّر بأناس ذكرهم ابن رجب وهو ذيل عليه؟! وكتاب ابن عبد الهادي لم يطّلع عليه ابن حميد بكلّ تأكيد، وتراجم كتاب ابن عبد الهادي بجملتها لا تصل إلى ربع كتاب ابن حميد هذا؟! وكيف تكون تراجمه تعدّ على الأصابع وقد ذكر ما يقرب من خمسين وثمانمائة ترجمة؟! هذا لا يعدّ إنصافا من الشّيخ ابن حمدان، ولا عدلا في القضيّة، عفا الله عنه ورحمه.
والشّيخ ابن حمدان في كتابه المذكور نقل كثيرا من التّراجم بأكملها عن ابن حميد نقلا حرفيّا منه دون عزو إلى الشّيخ ابن حميد أو إلى «السّحب» ولم يرد على ما ذكر من المعلومات شيئا عن غيره، فسبحان الله يعيبه ويستنقصه ثمّ ينقل عنه دون سواه في كثير من تراجمه؟! أقول هذا ولكنّي ألتمس العذر للشّيخ ابن حمدان﵀- فلا يجوز أن نتّهمه في أمانته في النّقل، ولا في نقله التراجم بأكملها فهذا منهج العلماء قديما وحديثا، ينقل متأخرهم عن متقدّمهم، وكثير منهم يهمل العزو، واعتمادا على ذكره مرة أو مرتين في سائر الكتاب، ولم يؤلّفه ابن حميد إلّا له ولأمثاله من العلماء فلينقل عنه ما شاء، ومردّ ذلك في نظري إلى أنه ترك كتابه مسوّدات على أمل أن يعود إليها فيحرّرها ويعزو الأقوال والنّقول، ويضيف إلى تراجمها ما تسعفه به المصادر المختلفة من المعلومات، إلا أنّ الزّمن لم يسعفه والمنيّة لم تمهله، غفر الله له وعفا عنه، وقد قصدت بذلك أنّ ابن حمدان﵀-، يعرف الكتاب معرفة
[ المقدمة / ٧٦ ]
الخبير به، البصير بمعلوماته، فكيف يقول هذه المقالة؟! وأمّا شيخنا ابن بسّام- حفظه الله- فإنّه ذكره في صدر مؤلّفاته في ترجمته في كتاب «علماء نجد» (^١)، وقال: «ونسخ الكتاب مختلفة اختلافا كبيرا جدّا ولا سيّما في تراجم علماء نجد الذين يمليهم تلقائيا من أفواه ومكاتبات المخبرين، وأوسع نسخة في هذا الكتاب هي نسخة الشّيخ عبد السّتار الدّهلوي، ويرجّح أنّها في مكتبة الشّيخ محمّد بن مانع، ونسخة دار الكتب المصريّة أرجّح أنّها منسوخة منها».
وكلام الشّيخ هذا ليس على إطلاقه، نعم يوجد بعض الاختلاف، أمّا أنه كبير جدا فلا، بل الاختلاف يسير، إلّا إذا كان الشّيخ قد وقف على نسخ غير تلك التي وقفنا عليها يظهر فيها فرق، فالله أعلم.
يوجد إضافات لبعض التّراجم في هوامش الكتاب وقف عليها المؤلّف- فيما يظهر- بعد إتمام الكتاب وتبييضه فألحقها في الهوامش، وهي قليلة جدّا بالنّظر إلى عدد تراجم الكتاب. وكثير من نسخ الكتاب التي وقفت عليها نسخت عن الأصل بعد زيادة هذه التّراجم، وقد يكون هناك نسخ نسخت عنه قبل هذه الزّيادة خلت منها اطلع عليها شيخنا، وقوله: «أوسع نسخة في هذا الكتاب هي نسخة الشّيخ عبد السّتّار الدّهلويّ …»، لو قال: أوسع نسخة
_________________
(١) علماء نجد: ٣/ ٨٦٨.
[ المقدمة / ٧٧ ]
اطّلعت عليها لكان أجود وأصوب، لأنّ نسختنا المعتمدة هي نسخة المؤلّف التي بخطّه وهي آخر إخراج للكتاب فيما أظنّ فهي بلا شكّ أتم وأوفى من أي نسخة أخرى.