نشأ الشّيخ محمّد بن حميد﵀- محبّا للعلم، حريصا على حضور حلقات العلماء مبكّرا منذ نعومة أظفاره، يساعده على الطّلب أنّه نشأ في بيئة علمية، أو على أقلّ تقدير في بيئة مثقّفة تثقيفا لا بأس به، مما شجّعه على المضيّ في طلب العلم، مع ما يتمتّع به من ذهن وقّاد، وحضور قلب، وذاكرة جيّدة، وذكاء، وقوة نفس، وتصميم، ونيّة صادقة في طلب العلم، جعله ذلك يتّجه لطلب العلم بكلّيته لا يصرفه عنه صارف؛ لتوافر دواعي طلب العلم وتحصيله، وإمكان الاستمرار فيه. وقد رأيناه يشيد بعمّه عثمان بن علي بن حميد، ويصفه بأنّه كان من طلبة العلم المحصّلين. قال في ترجمة (عبد العزيز بن سليمان) ابن أخي الشّيخ محمّد بن عبد الوهاب (ت بعد سنة ١٢٦٣ هـ) (^٢)
_________________
(١) السحب الوابلة: ٦٤٤ رقم الترجمة: (٣٩٠).
(٢) المصدر نفسه: ٦٨٠.
[ المقدمة / ١٩ ]
«أخبرني عمّي عثمان وهو من طلبة العلم، وله اعتقاد عظيم في الشّيخ المذكور ..» وفي ترجمة عبد العزيز بن حمد بن مشرّف (ت ١٢٤١ هـ) قال (^١): «وكذلك ذكر لي عمّي عثمان وخالي عبد الله بن تركي، وكانا من طلبة العلم ومجالسيه كثيرا». وهكذا تكرّر ذكر عمّه مرتين، وذكره ثالثة في كتابه أيضا (^٢) ولم يرد لأبيه أيّ إشارة تذكر، فلعلّه مات مبكّرا فلم يدركه، ولم تحصل له مجالسة يفيد منها، هذا على فرض أنّ لأبيه كعمّه تحصيل في العلم، ومن الجائز أن يكون أبوه غير مشتغل بالعلم أصلا، وكم وجدنا من آباء العلماء من لا طلب لهم ولا اشتغال.
وكما أشاد بعمّه أشاد أيضا بخاله عبد العزيز بن عبد الله بن منصور التّركي، وكذا جدّه لأمّه عبد الله بن منصور التّركي. قال عن الأوّل: - عند ذكر عمّه عثمان في النّصّ السّابق: وكانا من طلبة العلم، وقال عن جدّه (^٣): «أخبرني بعض كبار أقاربي الّذين أدركتهم في حال الشّيخوخة- وكان صالحا متعبّدا، له مذاكرة في أطراف العلم- عن جدّي لأمّي الشّيخ عبد الله بن منصور بن تركي كان من أهل العلم أيضا. وهو أخو الشّيخ حميدان بن تركي العالم المشهور المترجم في موضعه من «السّحب الوابلة» قال المؤلّف في ترجمة حميدان المذكور (^٤): «وحصّل كتبا نفيسة أكثرها شراء من
_________________
(١) السحب الوابلة: ٦٩٣.
(٢) المصدر نفسه: ٦٤٢.
(٣) المصدر نفسه: ٣٨١.
(٤) المصدر نفسه: ٣٨٠.
[ المقدمة / ٢٠ ]
تركة شيخه المذكور [ابن عضيب] ومن تركة أخيه منصور بن تركي».
ومن (آل تركي) الشّيخ حميدان المذكور هذا (^١) وابنه محمّد (^٢) وحفيده عبد الوهاب بن محمّد (^٣) صاحب (التّأريخ) ومنهم ناصر ابن محمّد بن تركي المعروف ب (السّميريّ) كان معاصرا للمؤلّف له ذكر في ترجمة الشّيخ عليّ بن محمّد الرّاشد (^٤).
والدّليل على حرصه المبكّر على حضور مجالس العلم، وأنّه كان يجالس كبار العلماء ما ورد في «السّحب الوابلة» أنّه كان يصحب بعض أقاربه لحضور حلقات التّلاوة والتّفسير في مجلس الشّيخ عبد الله بن فايز أبا الخيل (ت ١٢٥١ هـ) وهو في العاشرة من عمره قال (^٥): «وكنت أحضر وأنا ابن عشر مع بعض أقاربي فيغلبني النّوم، فإذا فرغوا حملني إلى بيتنا وأنا لا أشعر». وكان حريصا على الأخذ عن الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبابطين (ت ١٢٨٢ هـ) في زمن مبكّر من حياته قال في وصف شيخه المذكور (^٦): «فلمّا رأوا علمه وعدله وسمته وعبادته أحبّوه، وقرأ عليه طلبتهم، وكنت إذ ذاك صغيرا عن القراءة عليه عمري اثنتا
_________________
(١) السحب الوابلة: ٣٨٠.
(٢) المصدر نفسه: ٣٨٣.
(٣) المصدر نفسه: ٣٨٣.
(٤) علماء نجد: ٣٧٠.
(٥) السحب الوابلة: ٦٤٤.
(٦) السحب الوابلة: ٦٣٠.
[ المقدمة / ٢١ ]
عشرة سنة فأحضر مع بعض أقاربى للاستماع خلف الحلقة، ثمّ إنّه رجع إلى بلده. وذكر أنّ أهل عنيزة رغبوا في المذكور أن يكون لهم قاضيا ومفتيا ومدرّسا وخطيبا وإماما فركب أميرهم وجماعة معه جاءوا به وبعياله، وتبعه كثيرون من أصهاره، فلمّا قدم عنيزة هرع أهلها للسّلام عليه، وأقاموا له الضّيافة نحو شهر، وشرعوا في القراءة عليه فشرعت مع صغارهم في ذلك، إلى أن أنعم الله وتفضّل وقرأت مع كبارهم …».
كان قدوم الشّيخ إلى عنيزة في حدود سنة ١٢٥١ هـ واستمرّ قاضيا نحو عشرين سنة حتّى حصلت الفتنة بين أهل عنيزة والإمام فيصل بن تركي﵀- وتوسّط الشّيخ بين الطّرفين فلم ينجح في مساعيه، فارتحل عنهم تاركا القضاء سنة ١٢٧٠ هـ.
ومع حرصه الشّديد على طلب العلم كان يعمل في الزّراعة في بستان لهم غربي عنيزة في حيّهم (الجوز) قال في «السّحب الوابلة» (^١) في ترجمة (عبد الوهاب بن سليمان) والد الإمام المجدّد محمّد بن عبد الوهّاب﵀- عند ذكر عبد العزيز بن سليمان بن عبد الوهّاب: أخبرني عمّي عثمان- وهو من طلبة العلم- قال: «رأيت النّبيّ ﷺ في النّوم كأنّه في مسجدنا (مسجد الجوز) غربيّ عنيزة ..».
_________________
(١) السحب الوابلة: ٦٨٠.
[ المقدمة / ٢٢ ]
وبستانهم هذا مشهور ومعروف إلى اليوم يعرف ب (الأربع) وقد نقل شيخنا ابن بسّام أنّ ابن حميد المؤلّف ألجأته الحاجة إلى بيع كتاب «بدائع الفوائد» للإمام العلّامة ابن القيّم (ت ٧٥١ هـ) ليشتري بثمنه أرشية وسرحا للبستان المذكور، قال شيخنا (^١):
«ولقد رأيت هذه النّسخة من (بدائع الفوائد) التي يشير إليها مخطوطة بخطّ جميل جدّا، ومكتوب عليها بأنّ الذي اشتراها عمّ والدي عبد الله الحمد البسّام، وجعلها وقفا، وجعل النّظر فيها للبائع صاحب التّرجمة (ابن حميد) وفي هذا عزاء له عنها».