مع أنّ كتاب «السّحب الوابلة» جمع واستوعب كثيرا من علماء الحنابلة إلا أنّ علماء نجد الذين ذكرهم قلة في الكتاب فلا تزيد تراجمهم على سبعين ترجمة تقريبا، وقد أمكن استدراك ما يزيد على مائتي ترجمة أسقطها جهلا منه أو تجاهلا، ونحن نعلم أنّ المذهب الحنبليّ انتشر في نجد وخاصّة في القرون الثلاثة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وعلماؤها منهم خاصّة أكثر من علماء مصر، والشّام، والعراق، من الحنابلة أيضا، في ذلك الوقت بلا شك، واتباع الهوى والعصبيّة العمياء جعلاه يغفل كثيرا من علماء الدّعوة الإصلاحية التي قام بها الإمام المجدّد شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب﵀- وهي دعوة سلفيّة ينادي بها الشيخ إلى تحكيم كتاب الله وسنّة نبيه محمّد ﷺ والتّمسّك بهما ظاهرا وباطنا وعدم البعد عنهما، وعلماء هذه الدّعوة
[ المقدمة / ١٠٣ ]
من فقهاء الحنابلة فلا يجوز إغفالهم، وهم جمهور كبير لا يجهل أغلبهم، إن جهل بعضهم، وعدم ذكره لهم إخلال ظاهر بالكتاب، وانحطاط عن درجة الشّمول والإحاطة، وهما مطلبان من مطالبه، كما أنّه جانب الموضوعيّة والأمانة في ذلك كما لا يخفى.
نعم قد أطلق المؤلّف الصّيحات والنّداءات، وجأر بالشّكوى والزّفرات، لعدم توافر تراجم كثير من علماء نجد المذكورة أسماؤهم في الكتب والاستدعاءات، والمشهورين بالفتاوى والإجازات، والموصوفين بالعلم والتّقدّم فيه، بل والإمامة فيه أحيانا، وذلك راجع لعدم اهتمام علمائها بالتّاريخ والتّراجم والأخبار والآداب، وقصر اهتمامهم على الفقه والفرائض والمواريث والأوقاف، ثم العقائد والتّفسير والحديث، وبعضهم له اهتمام محدود في النّحو واللّغة والآداب
يقول تلميذ المؤلّف الشّيخ صالح بن عبد الله البسّام في ترجمة الشّيخ علي بن محمّد الرّاشد في آخر نسخته من «السّحب الوابلة» بعد أن ذكر شيخه في الزّبير الشّيخ عبد الله بن حمود النّجديّ ثم الزّبيريّ: «وشيخه عبد الله بن حمود المذكور لم نقف على ترجمته، أخبرني شيخنا المرحوم الشّيخ محمّد بن حميد أنّه ما وقف له على ترجمة، ولا حصّل من يخبره عن حاله بيقين، من تأريخ ولادته ووفاته، فلذلك لم يذكره في كتابه «السّحب الوابلةفي تراجم …» كغيره ممّن لم يقف لهم على تراجم.
[ المقدمة / ١٠٤ ]
وفي ترجمة سليمان بن عليّ بن مشرّف (ت ١٠٧٩ هـ) صاحب المنسك المشهور ترجمة رقم (٢٦٦) وهو جدّ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهّاب﵀- قال المؤلّف (ابن حميد) - عند ذكر عبد الله بن أحمد بن إسماعيل وحفيده عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن أحمد بن إسماعيل-: «ولكوني لم أقف على أحوالهما، لم أفردهما بترجمة ككثير من علماء نجد وبغداد والشّام ومصر وبلد سيّدنا الزّبير ﵁ ومهما وقفت عليه إن شاء الله ألحقته، ومن عثر على شيء من ذلك فليلحقه مثابا عليه إن شاء الله تعالى لتتمّ الفائدة».
ومثله فعل المؤرّخ عثمان بن بشر﵀- (ت ١٢٩٠ هـ) صاحب «عنوان المجد» فإنّه أسف أشدّ الأسف أن لا يجد من يهتمّ من علماء نجد السّابقين بتراجم العلماء وسيرهم ويدوّن أخبارهم ومناقبهم وفوائدهم.
ومن المؤكّد أنّ للعلماء وجودا في نجد منذ زمن ليس بالقريب في القرون السّادس والسّابع والثّامن والتّاسع، فالعيينة وأشيقر ومقرن (في الرّياض) وعنيزة … وغيرها مراكز للعلم، وللعلماء بها وجود ظاهر، وقد دخل الإمام العلّامة ابن الجزريّ (ت ٨٣٣ هـ) عنيزة ونظم بها قصيدته المشهورة ب «الدّرة في القراءات» يقول فيها:
غريبة أوطان بنجد نظمتها … وعظم اشتغال البال واف وكيف لا
[ المقدمة / ١٠٥ ]
فأدركني اللّطف الخفيّ وردّني … عنيزة حتى جاءني من تكفّلا
فنجد أحيانا في أوراق الأوقاف والوصايا والاستدعاءات والمبايعات … وغيرها ما يشعر بوجود طلبة علم لهم قدم راسخة في المعارف وينبئ بوجود علم وعلماء في بلدانهم:
إنّ آثارنا تدلّ علينا … فاسألوا بعدنا عن الآثار
ولعدم اهتمام المتقدّمين كما ذكرت في علم الرّجال في ذلك الزمان في نجد انطمست آثارهم، واختفت أخبارهم، ولذا إذا رحل بعضهم عن نجد ووصل إلى مراكز الحضارة والعلم في العراق، ومصر، والشّام ظهر نبوغه، ودوّن تاريخه، وعرف طريقه إلى الشّهرة، وسجّلت ترجمته وعرفت سيرته وأنا أشكّ بأنّ في نجد أمثال هذا وزملائه من هو أكثر منه علما ومعرفة واختفى أثره، ولم يعلم خبره.
ومن هؤلاء المتقدّمين ما ذكره الحافظ ابن ناصر الدّين الدّمشقيّ (ت ٨٤٢ هـ) ﵀ في كتابه «التّوضيح»: «قال: وممّن نسب إلى نجد: الفقيه وليّ الدّين سالم بن نافع بن رضوان النّجديّ الحنبليّ، سمع بالبصرة من أبي عبد الله الحسين بن أبي الحسين بن
[ المقدمة / ١٠٦ ]
ثابت الطّيبيّ الضّرير في سنة ٦٣٥ هـ.
- وذكر ابن عبد الهادي (ت ٩٠٩ هـ) في «الجوهر المنضّد»:
١٢ اثنين ممّن قرأ عليه في الفقه، كلّ واحد منهم اسمه (أحمد النّجدي) ورجّحت أن يكون أحدهما: أحمد بن يحيى بن عطوة، ولم أعرف الثّاني.
- وذكر ابن عبد الهادي أيضا في الكتاب المذكور: (رحمة النّجديّ) وقال: «وصف له بعلم ببلاد نجد وأنّه قاض هناك، ورجّحت أنّه عبد الله بن رحمة النّاصريّ الذي ذكره ابن بشر في عنوان المجد: ٢/ ٣٠٣.
- وذكر ابن عبد الهادي أيضا في الكتاب المذكور: (فضل بن عيسى النّجديّ) (ت ٨٨٢ هـ) وقال: «صاحبنا قرأ على (المقنع) وغيره، وكان ذا دين وفضل كاسمه».
- وذكر ابن عبد الهادي أيضا في الكتاب المذكور: (قاسم النّجديّ)، وقال: «قدم علينا بعد السّتّين، له فضل ومعرفة لا سيّما في الفرائض».
- وذكر العليميّ وغيره: داود بن أحمد بن شدّاد بن مبارك النّجديّ الأصل الرّبيعيّ الحنبليّ الحمويّ، وقال: ولي قضاء طرابلس، وتوفي بحماة سنة ٨٦٢ هـ.
[ المقدمة / ١٠٧ ]
الاستدراك على ابن حميد:
حاول ابن حميد أن يكون جمعه شاملا لأغلب علماء الحنابلة الذين عاشوا في الفترة ما بين سنة ٧٥١ - ١٢٩١ هـ، ومع حرصه على ذلك فاته عدد غير قليل من العلماء، فقد أمكن استدراك ما يزيد على خمسمائة ترجمة أخل بعدم ذكرها أشرنا إلى تراجمهم في هوامش الكتاب، وهذا الاستدراك غير شامل لكل ما يمكن استدراكه، لأننا لم نعن بالاستدراك العناية التّامة اللّازمة لذلك، وهذا عدد غير قليل، لكن توافر لدينا من كثرة المصادر وتنوّعها ما لم يستطع هو الوقوف عليه؛ لسهولة وسائل الاتصال وتنوّع مصادر البحث والاطلاع في زماننا، مع وجود الرّغبة الأكيدة كتلك الرّغبة التي لدى المؤلّف في البحث والتّتبّع، ومحاولة الجمع والاستقصاء، وكثرة القراءة في الكتب والفهارس، والمجاميع والمشيخات، والأثبات والسّماعات، وضمّ الشّبيه إلى الشّبيه، ووصل ابن الحفيد والحفيد والابن بالأب والجدّ وجدّ الجدّ.
وهؤلاء المستدركون منهم من ورد في مصادر رجع إليها المؤلّف لكنّه غفل عنها أو سها وتجاوزه ولم يسجّل ترجمته في كتابه مثل من ورد في (الدّرر الكامنة) و«الضّوء اللّامع» و«الشّذرات ..» وغيرها، وهذا قليل، ومنهم من ورد في مصادر لم يعرفها المؤلّف ولا وقف عليها مثل: «تاريخ ابن قاضي شهبة» و«تذكرة النّبيه»
[ المقدمة / ١٠٨ ]
و«ودرّة الأسلاك» و«تتمّته» وكلاهما لابن حبيب، والتتمّة لولده و«المقصد الأرشد» لابن مفلح، و«المنهج الأحمد» للعليميّ و«النّعت الأكمل» للغزّيّ، و«المنهج الجليّ ..» تخريج تقيّ الدّين الفاسيّ و«ذيل التّقييد» له، و«معاجم الشّيوخ»، وفيها كثرة كمعجم ابن ظهيرة المكي واسمه «إرشاد الدّارسين» و«معجم ابن رجب» والد الحافظ، و«مشيخة المراغي»، و«معجم السّبكيّ»، و«المشيخة الباسمة للقبابي وفاطمة» تخريج الحافظ ابن حجر، و«معجمه» و«معجم السّخاويّ» وأثبات السّفّارينيّ الثلاثة، و«ثبت البخاري» عن عبد العزيز بن فهد المكيّ، وثبت ابن زريق المقدسيّ الحنبليّ، وثبت ابن جمعة الحلبيّ، وثبت الشّماع الحلبيّ، وثبت ابن إمام الفاضليّة، و«وثبت ابن قاضي فصّه»، و«وثبت» ابنه أبي المواهب»، وغيرها كثير، والإجازات والسّماعات والتّواريخ الكثيرة المشتملة على مناقب العلماء وتراجمهم، ولو كان لدي مزيد من الوقت لزاد عدد المستدركين أضعافا لكنّه بداية عمل، وعلى الحريص على جمعها أن يسلك هذا الطّريق أو مثله.
- ومنهم من تعمّد الإخلال بعدم ذكره كأئمة الدّعوة ودعاتها وعلمائها وقضاتها من علماء نجد كما أسلفنا.
[ المقدمة / ١٠٩ ]