من المعلوم أنّ هذا الكتاب ذيل على كتاب الحافظ ابن رجب (ت ٧٩٥) «الذّيل على طبقات الحنابلة»، والحافظ ابن رجب ذيّل على كتاب القاضي ابن أبي يعلى (ت ٥٢٦ هـ).
ومنهج الحافظ ابن رجب في كتابه هو منهج القاضي ابن أبي يعلى، وهو ترتيب المترجمين طبقات كما توحي به التّسمية، لكنّ ابن حميد رأى أنّه من المفيد ترتيب الكتاب على حروف المعجم؛ لأنّ ذلك أسهل للكشف عن موقع التّرجمة، ولأنّ كثيرا من المترجمين لا تعرف وفياتهم أصلا، أو لاتعرف وفياتهم على التّعيين، وترتيبهم على حروف المعجم لا يتأثر بذلك، واشتمل الكتاب على ما يقرب من خمسين وثمانمائة ترجمة، أورد تراجم الرّجال أولا، ورتبهم على حروف المعجم- كما أسلفت- ثم ذكر جملة من العلماء الذين لم يعثر على تراجمهم، وأهاب بمن يجد في نفسه القدرة في الوقوف عليها أن يضمّنها الكتاب مأجورا مشكورا، وختم الكتاب، ثم أورد تراجم النّساء مرتبة على حروف المعجم أيضا.
ومن بين العلماء الذين سجّل المؤلّف تراجمهم في الكتاب طائفة
[ المقدمة / ٧٨ ]
من علماء نجد تقرب من سبعين عالما (^١)، وبقيّة العلماء والعالمات من بلاد الشّام، ومصر، والعراق، والحجاز، والأحساء، وأكثرهم من بلاد الشّام، وهذا شيء غير مستنكر؛ لأنّ بلاد الشّام في الفترة التي جمع المؤلّف تراجمها من أكثر البلاد حنابلة، وهم يقيمون بشكل ظاهر في صالحية دمشق، وبعض قرى الغوطة، ولهم في الجامع الأمويّ كرسيّ معروف بهم للوعظ، وحلقة إلقاء للدّروس، ولهم في فلسطين وجود في جبل نابلس والقرى التّابعة لها مثل مردا، وكفل حارس، وغيرهما، ثم بعض نواحي بيت المقدس كأرسوف، وجمّاعيل، والفندق، ولهم في بعلبك وقراها وطرابلس وجود ملحوظ أيضا، ويوجدون في حلب، وحمص وحماة، وغزّة …
بشكل أقلّ بكثير يظهر هذا في نسبهم أثناء التراجم، وتولّيهم القضاء والإمامة والتّدريس والفتوى هناك. وعدد تراجمه أكثر بكثير من تراجم الحافظ ابن رجب الذي اشتمل كتابه على واحد وخمسين وخمسمائة ترجمة، وفترة ابن رجب- وإن كانت أقلّ من فترة ابن حميد- فهي أكثر ثراء وانتشارا للمذهب، ومصادرها أوسع وأكثر وأخصب، وهو بكثير من المترجمين حديث عهد، والمكتبات في بلاد الشّام- محل إقامة ابن رجب- مكتظّة بالكتب النّادرة آنذاك، فهي ملاذ للكتب النّاجية من ظلم التّتار في العراق والمشرق وبطشه
_________________
(١) أفرد شيخنا حمد الجاسر- حفظه الله تعالى- مقالة في مجلته الغراء (العرب) عن علماء نجد المذكورين في «السحب الوابلة» وخرج تراجمهم وعرّف بهم فله منا جزيل الشكر والثناء والعرفان بالجميل، ومن الله المثوبة إن شاء الله تعالى، وقد أفدنا منها إفادات جليلة.
[ المقدمة / ٧٩ ]
وعسفه، كما أنّها ملاذ لكثير من الكتب الخارجة من مصر بعد سقوط دولة العبيديّين وقل ما شئت عن الكتب المهاجرة من الأندلس، مع كثير من علمائها الذين فضّلوا سكنى الشّام. ويظهر ذلك جليا من خلال معرفتنا بأماكن نسخ الكتب، ثم التملكات المدونة عليها، مما يدل على رحلات هذه الكتب وتنقّلاتها بين البلاد والعباد.
وفي زمن ابن حميد﵀- لا يوجد من الكتب في بلاد الحرمين ونجد إلا أقلّها، لأنّ نوادر الكتب ومختارها ارتحل إلى دار الخلافة في استانبول وبلاد الدّولة العليّة العثمانيّة مع قلّة ذات يد المؤلّف وعدم قدرته على جلب نوادر الكتب واقتنائها.
التزم ابن حميد التّذييل على كتاب ابن رجب وعدم الاستدراك عليه؛ لأنّه كان قد عقد العزم على الاستدراك على كتاب الحافظ ابن رجب في كتاب غير هذا، وشرع في جمعه فعلا (يراجع: مبحث مؤلّفاته)، لكنّه قد سها وذكر من كان حقّه أن يذكر في المستدرك ولا يذكر هنا، لأنّه أخطأ في تواريخ وفياتهم، وربما ذكر أناسا، ولم تذكر وفياتهم، وبعد البحث والتّحقيق تبيّن أن وفياتهم متقدّمة عليه، وبعضهم لم تذكر وفياتهم أصلا لكنّ ملامح الترجمة تدلّ على أنّهم غير داخلين في شرطه. وذكر أناسا قلائل جدّا من غير الحنابلة ظنا منه أنّهم منهم، وإليك تفصيل ذلك: