لقد كانت الرحلة في نفوس العلماء السابقين مقصدًا أساسيًا، للازدياد من العلم، وتفتيحه، وتلوينه، وتنويعه، وتعميمه، فلا يتخلف عنها إِلَّا من أقعده ضعف الجسم، أو كثرة العياد، أو فقد الدُّرَيهمات، أو رعاية حق الوالدة والوالد (١).
لأنّهم جعلوا الرحلة مناطة الثقة بالعالم، فقالوا كلمتهم المشهورة: "من لم يرحل فلا ثقة بعلمه"، وقديمًا قال ابن معين: أربعة لا تؤنس منهم رشدًا -أي لا تبصر منهم خيرًا ولا نفعًا-، وذكر منهم "ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث" (٢). وقال عبد الله بن أحمد سألت أبي عمن طلب العلم ترى له أنّ يلزم رجلًا عنده علم فيكتب عنه، أو ترى أنّ يرحل إلى المواضع الّتي فيها العلم فيسمع منهم؟
قال: يرحل يكتب عن الكوفيين، والبصريين، وأهل المدينة، ومكة، يُشام النَّاس يسمع منهم (٣).
ويقول ابن رشيد في مدح السَّفر والاغتراب لطلب العلم:
_________________
(١) "صفحات من صبر العلماء" ص (٤٧).
(٢) أخرجه الحاكم في "المعرفة" برقم (١٦)، ومن طريقه الخطيب في "الرحلة" برقم (١٤)، و"الجامع" (٢/ ٣٣٦/ ١٧٤٧).
(٣) أخرجه الخطيب في "الرحلة" برقم (١٢).
[ ٤٦ ]
فغرِّب ولا تحفِل بفرقه مَوْطن تَفُزْ بالمنى في كلّ ماشئت من حاج
فلولا اغتراب المسك ما حل مفرقًا ولولا اغتراب الدُّرِّ ما حَلَّ في التاج
وقد مضى الإمام الحافظ البَيْهقي على سنن المحدثين من قبله، فرحل في طلب العلم، ولم يكتف بالأخذ عن شيوخ بلده خُسْرُوجر، وبيهق بل رحل وطوف الأفاق، وشمر عن ساق الجد والاجتهاد:
بهمة في الثريا إثر أخمصها وعزمة ليس من عادتها السأم
فرحل إلى بلاد خراسان، والعراق، والحجاز، والجبل.
قال أبو الحسن عبد الغافر الفارسي في "السياق" كما في "المنتخب" ص (١٠٣): رحل إلى العراق والجبال والحجار. وقال ابن الجوزي في "المنتظم": سافر وجمع الكثير. وقال ابن خلكان في "وفيات الأعيان" (١/ ٦٧): رحل في طلب الحديث إلى العراق، والجبال، والحجاز، وسمع بخراسان من علماء عصره، وكذلك بقية البلاد الّتي انتهى إليها. وقال السبكي في "طبقاته" (٤/ ٨): سمع بخراسان، والعراق، والحجاز، والجبال.
قال مقيده -أمده الله بتوفيقه-: وهاك عرضًا لرحلاته، وأسماء الشيوخ الذين صرَّح بلقائهم في المدن والأمصار الّتي دخلها، وبالله التوفيق.