لقد اهتم الإمام البَيْهقي -﵀ تعالي- بتتبع أخبار الرواة، ودراسة أحوالهم؛ لمعرفة من تقبل روايته منهم، ومن تُردّ، فخاض غمار هذا الفن بما آتاه الله من علم، وبما بذله من جهد، فهو يعد من فرسانه، ومن المبرزين فيه في زمانه، فقد ذكر العلماء بعده المصنفون في هذا الفن مقولاته في "الجرح والتعديل" في كتبهم احتجاجًا بها، أو اعتمادًا عليها، فنقل عنه الذهبي في "ميزانه"، والحافظ في "تهذيبه" و"لسانه"، ونص غير واحد منهم على اعتماد قوله، وحذقه، وخبرته، وإنصافه في ذلك.
قال ابن الصلاح في "طبقاته" (١/ ٣٣٢): كان ظاهر الإنصاف بعيدًا عن الاعتساف.
وقال الذهبي في "تاريخه" (٣٠/ ٤٤٠): ودائرته في الحديث ليست كبيرة، بل بُورك له في مروياته وحُسْن تصرفه فيها، لحِذقه وخبرته بالأبواب (١) والرجال. وذكره في الطبقة الرّابعة عشرة من كتابه "تذكرة
_________________
(١) فائدة: نقل البَيْهقي في "المدخل" عن شيخه الحاكم تعريفه للتصنيف على الأبواب فقال: وأمّا الأبواب فإن مصنفها يقول: كتاب الطّهارة مثلًا، فكأنّه يقول: ذكر ما صح عن النّبيّ - ﷺ - في أبواب الطهارف ثمّ يوردها اهـ "فتح المغيث" (١/ ١٠٣).
[ ١٧٠ ]
الحفاظ" (٣/ ١١٣٢) الّتي يقول في مقدمتها: هذه تذكرة بأسماء معدلي حملة العلم النبوي، ومن يرجع إلى اجتهاد هم في التوثيق والتضعيف، والصّحيح والتزييف".
وذكره -أيضًا - في الطبقة الثّالثة عشرة في رسالته "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" ص (٢١٤)، الّتي يقول في مقدمتها ص (١٧٥): فنشرح الآن بتسمية من كان إذا تكلم في الرجال قُبِلَ قوله، ورُجع إلى نَقْدِه. وقال قبل ذلك في ص (١٧٢): وقسم في مُقابَلَة هؤلاء كأبي عيسى التّرمذيّ، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البَيْهَقيِّ متساهلون.
وقال السبكي في "طبقاته" (٤/ ٩): صار أوحد زمانه، وفارس ميدانه، وأحذق المحدثين، وأحدَّهم ذهنًا، وأسرعَهم فهمًا، وأجودهم قريحة.
وقال الإسنوي في "طبقاته" (١/ ٩٨): كان كثير التحقيق والإنصاف.
وذكر ابن ناصر الدِّين الدمشقي في كتابه "الرَّدِّ الوافر" ص (٣٧): طبقات النقاد الذين يقبل قولهم في الجرح والتعديل، وذكره منهم فقال ص (٤٢): ثمّ من كان بعد الخمسين إلى حدود أربعمائة وثمانين كأبي بكر البَيْهقي الإمام.
وقال السخاوي في "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ" (٣٣٨): وأمّا المتكلمون في الرجال فخلق من نجوم الهدى، ومصابيح الظلم؛ المستضاء بهم في دفع الردى، لا يتهيأ حصرهم، ثمّ ذكر طائفة وذكره معهم.
وقال في "فتح المغيث" (١/ ٣٩): وخذ أيها الطالب زيادة الصّحيح إذا
[ ١٧١ ]
تنص صحتها من إمام معتمد كأبي داود، والترمذي، والنسائي، والدارقطني، والخطابي، والبَيْهقي، وغيرهم.
وقال العلامة المعلمي في "التنكيل" (١/ ٤٧٧)؛ ابن حبّان، والخطيب أعرف بالفن ودقائقه من البَيْهقي.
وقال الشّيخ الألباني في "الضعيفة" (١/ ٣٧٥) برقم (٢٠٨): والحق قول البَيْهقي، وهو أعلم من شيخه -يعني الحاكم- بالجرح والتعديل. وقال -أيضًا - كما في "الدرر في مسائل المصطلح والأثر" ص (٧٥): البَيْهقي ما أعرف عنه إِلَّا التوسط، فإذا انفرد- مثلًا - بتوثيق أو تضعيف يقبل.
قال مقيده- أمده الله بتوفيقه-: وقد قام بجمع ما تباعد وتناثر من كلام الإمام البَيهقي في الرواة.
(أ) د. نجم عبد الرّحمن خلف في رسالته الّتي أسماها "معجم الجرح والتعديل لرجال السنن الكبرى"، وذكر الدكتور في مقدمته ص (٦) أنّ أحكامه النقدية بلغت أكثر من ثلاثة آلاف مقالة موجهة لستمائة وبضع وعشرين راويًا.
(ب) حسين بن قاسم تاجي الكلداري في كتاب أسماها "الدر النقي من كلام الإمام البَيْهقي في الجرح والتعديل"، وقد ناقش في مقدمة كتابه هذا بعض الأوهام والأغلاط الّتي وقع فيها د. نجم خلف -حفظه الله تعالي-.
[ ١٧٢ ]
[*] إبراهيم بن عبد الله، أبو إسحاق، الأصبهاني.
كذا في "السنن الكبرى" (١/ ٤١٢) بإثبات حرف العطف الدال على كونه شيخًا للبيهقي: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ، وأنبأ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، ثنا محمَّد بن إسحاق بن خزيمة. والصواب حذف حرف العطف بين أبي بكر أحمد بن علي الحافظ، وأبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله هذا، كما في "السنن الكبرى" ففسها (١/ ٨، ١٣١).
وثانيًا: إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني الراوي عن ابن خزيمة لا يمكن أنّ يكون شيخًا للبيهقي، فقد ذُكر في ترجمته أنّه توفي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، أي قبل ولادة البَيْهقي بعشر سنين، فقد ذكر أنّ البَيْهقي ولد سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وقد أثبت الدكتور نجم عبد الرّحمن خلف إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني هذا في "معجم شيوخ البَيْهقي" الّذي أودعه كتابه "الصناعة الحديثية في السنن الكبرى" ص (٥٧٩)، ولم يتنبه لما سبق بيانه، ولعله قلد في ذلك الدكتور عبد المعطي قلعجي، فإنّه ذكره في فهرسه الّذي أعده لشيوخ البَيْهقي في مقدمته لكتاب "السنن الصغير" (١/ ٥٣)، وقد وهما في ذلك، والله الموفق.