قال عبد الغافر الفارسي في "السياق" كما في "منتخبه" ص (١٠٤):
استدعي منه الأئمة في عصره انتقاله إلى نيسابور من الناحية لسماع كتاب "المعرفة" لاحتوائه على أقاويل الشّافعيّ على ترتيب "المختصر" الّذي صنفه المزني بذكر المواضع الّتي منها نقلها من كتب الشّافعيّ، وذكر
[ ٣٧ ]
حججه ودلائله، من الكتاب والسُّنَّة وأقاويل الصّحابة والآثار الّتي خصه الله تعالي بجمعها وبيأنّها وشرحها. وقال السمعاني في "الأنساب" (١/ ٤٦١): كان تتبع نصوص الشّافعيّ وجمع كتابًا فيها سماه كتاب "المبسوط". وقال ابن الجوزي في "المنتظم" (١٦/ ٩٧): جمع نصوص الشّافعيّ -﵁ - في عشر مجلدات. وقال ابن الصلاح في "طبقاته" (١/ ٣٣٢): كان إمامًا قيِّمًا بنصرة مذهب الشّافعيّ، وتقريره. وقال ابن خلكان في "وفيات الأعيان" (١/ ٧٦): كان من أكثر النَّاس نصرًا لمذهب الشّافعيّ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (٣٢/ ٢٤٠): البَيْهقي أعلم أصحاب الشّافعيّ بالحديث، وأنصرهم للشافعي، وقال الحافظ ابن عساكر في "التبيين" ص (٢٦٦): سمعت الشّيخ أبا بكر محمَّد بن عبد الله بن أحمد بن حبيب العامري ببغداد يقول: سمعت من يحكي عن الإمام أبي المعالي الجويني أنّه قال: ما من شافعي إِلَّا وللشافعي عليه مِنَّة إِلَّا أحمد البَيْهقي فإن له على الشّافعيّ مِنَّة؛ لتصانيفه في نصرة مذهبه وأقاويله أو كما قال.
قال مقيده -أمده الله بتوفيقه-: جزم بنسبة هذه الحكاية إلى الإمام الجويني ابن خلكان في "وفيات الأعيان" (١/ ٧٦)، والملك المؤيد عماد الدِّين إسماعيل في المختصر (١/ ١٨٥ - ١٨٦)، واليافعي في "مرآة الجنان" (٣/ ٨٢).
وقال ابن عبد الهادي في "طبقاته" (٣/ ٣٣١): رُوي عن إمام الحرمين أنّه قال فذكرها. وقال الذهبي في "التذكرة" (٣/ ١١٣٣)، وعن إمام الحرمين أبي المعالي قال الخ. وقال في "التاريخ" (٣٠/ ٤٤١): وقال غير عبد الغافر: قال إمام الحرمين الخ. وفي "النُّبَلاء" (١٨/ ١٦٨ -
[ ٣٨ ]
١٦٩): بلغنا عن إمام الحرمين أبي المعالي الجُويني ثمّ قال: قلت: أصاب أبو المعالي، هكذا هو، ولو شاء البَيْهقي أنّ يعمل لنفسه مذهبًا يجتهد فيه؛ لكان قادرًا على ذلك، لسعة علومه، ومعرفته بالاختلاف، ولهذا تراه يُلوِّح بنصر مسائل ممّا صح فيها الحديث.
وأمّا ابن أبي الوفاء فقد قال في "الجواهر المضية" (٤/ ٥٧٣): ويقول النَّاس: إنَّ الشّافعيّ له فَضل على كلّ أحد، والبَيْهقي فضله على الشّافعيّ. فوالله ما قال هذا من شَمَّ ترجمته الشّافعيّ وعظمته ونشأته في العلوم، ولقد أخرج الشّافعيّ بابًا من العلم ما اهتدى إليه النَّاس من قبله، وهو علم الناسخ والمنسوخ، فعليه مدار الإسلام. مع أنّ البَيْهقي إمام حافظ كبير، نشر السُّنَّة، ونصر مذهب الشّافعيّ في زمنه.
قلت: وفيما سبق نقله عن الحافظ الذهبي رد على من رمى الإمام البَيْهقي بالتعصب لمذهب الشّافعيّ - ﵀ تعالي-، كالسيد مرتضى الزبيدي في "عقود الجواهر المنيفة" (٢/ ١١)، والشيخ عبد الرشيد النعماني في كتابه "الإمام ابن ماجه وكتابه السنن" ص (١٦١).
* أول من جمع نصوص الشّافعيّ:
قال ابن خلكان في "وفيات الأعيان" (١/ ٧٦): هو أول من جمع نصوص الإمام الشّافعيّ -رضي الله تعالي عنه -، في عشر مجلدات. وقال الذهبي في "تاريخه" (٣٠/ ٤٤٠): وهو أول من جمع نصوص الشّافعيّ، واحتج لها بالكتاب والسُّنَّة.
قال السبكي في "طبقاته" (٤/ ١٠) متعقبًا كلام شيخه الذهبي: ليس كذلك، بل هو آخر من جمعها؛ ولذلك استوعب أكثر ما في كتب السابقين،
[ ٣٩ ]
ولا أعرف أحدًا بعده جمع النصوص؛ لأنّه سد الباب على من بعده.
قال مقيده -أمده الله بتوفيقه-: وكلام السبكي صحيح؛ يؤيده ما زبره البَيْهقي نفسه في رسالته إلى الجويني من أنّ جماعة جمعوا نصوص الإمام الشّافعيّ - ﵀ تعالي-. انظر: "طبقات الشّافعيّة" لابن السبكي (٥/ ٨٦)، إِلَّا أنّ يردّ الذهبي بكلامه هذا التوسع والاستقصاء في الجمع فهو حق، ولا يردّ عليه ما ذكر السبكي، ولعلّ ممّا يؤيد أنّ الذهبي أراد هذا لا مجرد الجمع قوله: "أول من جمع في عشر مجلدات". والله أعلم.
[ ٤٠ ]