كما أصبح الإمام البَيْهقي -﵀ تعالي- مرجعًا للعلماء وطلاب العلم في زمانه، فقد أصبحت مصنفاته مرجع النَّاس من لدن زمانه إلى وقتنا الحاضر، لما اتصفت به من الوفرة والجودة، وحسن التصنيف، وابتكاره، فهاهم المؤرخون يعرفون الإمام البَيْهقي بها، ويشيدون بجودتها، ويستدلون على إمامته من خلالها، وقد قيل: "يستدل على عقل الرَّجل بعد موته بكتب صنفها، وشعرٍ قاله، وكتاب أنشأه". (١)
قال أبو الحسن عبد الغافر الفارسي في "السياق": ثمّ اشتغل بالتصنيف
_________________
(١) أخرجه الخطيب في "الجامع" (٢/ ٤٢٩/ ١٩٢٧) عن هلال بن العلاء الرقي بإسناد صحيح.
[ ١٠٢ ]
فألف من الكتب ما لعله يبلغ قريبًا من ألف جزء ممّا لم يسبقه إليه أحد، وعد بعض مصنفاته ثمّ قال: وغير ذلك من المصنفات المتفرقة المفيدة، جمع فيها بين علم الحديث وعلله، وبيان الصّحيح والسقيم، وذكر وجوه الجمع بين الأحاديث، ثمّ بيان الفقه والأصول، وشرح ما يتعلق بالعربيّة على وجه وقع من الأئمة كلهم موقغ الرضا، ونفع الله تعالي به المسترشدين والطالبين، ولعل آثاره تبقى إلى يوم القيامة. (١) وقال السمعاني في "الأنساب" (١/ ٤٦١): سمع الحديث وصنف فيه التصانيف الّتي لم يسبق إليها، وهي مشهورة موجودة في أيدي النَّاس. وقال ابن الجوزي في "المنتظم" (١٦/ ٩٧): له التصانيف الكثيرة الحسنة. وقال ابن الصلاح في "مقدمته" (ص (١٩٢): سبعة من الحفاظ أحسنوا التصنيف، وعظم الانتفاع بتصانيفهم في أعصارنا، ، ثمّ أبو بكر أحمد بن الحسين البَيْهقي. وقال في "طبقاته" (١/ ٣٣٢): كان مصنِّفًا كثير التصنيف، قويَّ التحقيق، جيد التأليف. وقال ياقوت في "معجم البلدان" (١/ ٦٣٩): ألف من الكتب ما لم يسبق إلى مثله. وقال ابن الأثير في "اللباب" (١/ ٢٠٢): له كتب مصنفه تدل على كثرة فضله. وقال ابن عبد الهادي في "طبقاته" (٣/ ٣٢٩): صاحب التصانيف. وقال الذهبي في "التذكرة" (٣/ ١١٣٢): عمل كُتبًا لم يسبق إلى تحريرها. وقال في "النُّبَلاء" (١٨/ ١٦٥): بُورِك له في علمه، وصنَّف التصانيف النافعة. وقال في "تاريخ الإسلام" (٣٠/ ٤٤٠): ودائرته في الحديث ليست كبيرة، بل بورك له في مروياته، وحسن تصرفه فيها.
_________________
(١) "المنتخب من السياق" ص (١٠٣ - ١٠٤).
[ ١٠٣ ]
وقال في "النُّبَلاء" -أيضًا - ترجمته ابن سيد النَّاس: كان عنده كتب نفيسة، وأصول جيدة. وقال في "العبر" (٢/ ٣٠٨): بلغت تصانيفه ألف جزء، ونفع الله بها المسلمين شرقًا وغربًا، لإمامة الرَّجل ودينه وفضله وإتقانه، فالله يرحمه. وقال في "زغل العلم" ص (١٢): وطالب الحديث اليوم ينبغي له أنّ ينسخ أوَّلًا "الجمع بين الصحيحين"، و"أحكام عبد الحق"، و"الضياء"، ويدمن النظر فيهم، ويكثر من تحصيل تواليف البَيْهقي، فإنها نافعة. وقال اليافعي في "مرآة الجنان" (٣/ ٨١): له مناقب شهيرة، وتصانيف كثيرة، نفع الله بها المسلمين شرقًا وغربًا، وعجمًا وعربًا. وقال السبكي في " طبقاته" (٤/ ١٠): كلها مُصنَّفات نِظافٌ، مليحة التّرتيب والتهذيب، كثيرة الفائدةُ، يشهد من يراها من العارفين بأنّها لم تتهيَّأ لأحدٍ من السابقين. وقال الإسنوي في "طبقاته" (١/ ٩٨): كان حسن التصنيف. وقال ابن كثير في "البداية" (١٦/ ٩): له التصانيف الّتي سارت به الرُّكْبان في سائر الأمصار والأقطار، ، جمع أشياء كثيرة، نافعة جدًا، لم يُسْبَق إلى مثلها، ولا يُدْرَك فيها، ، وغير ذلك من المصنفات الكبار والصغار المفيدة الّتي لا تُسامى ولا تُدانى. وقال ابن الملقن في "العقد المذهب" ص (٩٣): له مصنفات جليلة. وقال أبو علي إسماعيل بن أحمد البَيْهقي، حدّثنا والدي، قال: وسمعت الفقيه أبا محمَّد الحسن بن أحمد السمرقندي الحافظ يقول: سمعت الفقيه أبا بكر محمَّد بن عبد العزيز المروزي الحبوجردي يقول: رأيت في المنام كأن تابوتًا علا في السَّماء يعلوه نور،
[ ١٠٤ ]
فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا تصنيفات أحمد البَيْهقي. (١) قال الذهبي في "النُّبَلاء" (١٨/ ١٦٨): قلت: هذه رؤيا حق، فتصانيف البَيْهقي عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، قل من جوَّد تواليفه مثل الإمام أبي بكر، فينبغي للعالم أنّ يعتني بهؤلاء، سيما "سننه الكبرى".