رضي العلماء وأعجبوا بكتب الإمام البَيْهقي في حياته وبعد موته، فقد أطلع البَيْهقي أستاذه في الفقه الإمام الشريف أبا الفتح ناصر العمري على
_________________
(١) "تبيين كذب المفتري" ص (٢٦٧)، "الأربعين المرتبة على طبقات الأربعين" ص (٥١٧).
(٢) "المنتخب من السياق" (١٠٣).
[ ١٠٥ ]
كتابه "المبسوط" -وهو من أوائل تأليفاته- فرضية، وأعجب به، وحمد أثره فيه، فقد قال البَيْهقي في مقدمة "معرفة السنن والآثار" (١/ ١٢٦): وقد وقع الكتاب الأوّل و"المبسوط" إلى أستاذي في الفقه الشّيخ الإمام الشريف أبي الفتح ناصر بن الحسين العمري فرضيه، وحمد أثري فيه.
وقد اجتهد علماء عصره على سماع كتبه منه، فوجِّهت إليه الدّعوة إلى بلدته ببيهق سنة إحدى وأربعين وأربعمائة (٤٤١ هـ) من علماء نيسابور، وطلبوا منه الانتقال إليها لسماع كتاب "المعرفة" وغير ذلك من تصانيفه، فأجاب دعوتهم، وعقدوا له المجلس لسماع الكتاب، وحضره الأئمة والفقهاء، وأكثروا الثّناء عليه، والدعاء له في ذلك لبراعته ومعرفته وإفادته.
قال عبد الغافر الفارسي في "السياق": استدعى منه الأئمة في عصره الانتقال إلى نيسابور من الناحية، لسماع كتاب "المعرفة" - لاحتوائه على أقاويل الشّافعيّ على ترتيب "المختصر" الّذي صنفه المزني بذكر المواضع الّتي منها نقلها من كتب الشّافعيّ، وذكر حججه ودلائله من الكتاب والسُّنَّة وأقاويل الصّحابة والآثار الّتي خصه الله تعالي بجمعها وبيأنّها وشرحها -، وغير ذلك من تصانيفه، فعاد إلى نيسابور سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وعقدوا له المجلس لقراءة ذلك الكتاب، وحضره الأئمة والفقهاء، وأكثروا الثّناء عليه والدعاء له في ذلك لبراعته ومعرفته وإفادته. (١) وقال الذهبي في "تاريخه" (٣٠/ ٤٤١): أقام مدة ببيهق يصنف كتبه، ثمّ إنّه طُلِب إلى نيسابور لنشر العلم بها فأجاب، وذلك في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة،
_________________
(١) "المنتخب" من "السياق" ص (١٠٤)، "الأربعين" للحافظ شرف الدِّين المقدسي ص (٥١٦).
[ ١٠٦ ]
فاجتمع الأئمة وحضروا مجلسه لقراءة تصانيفة.
وقد تكررت هذه الحاديثة أكثر من مرّة، وإلي أواخر حياته، قال الذهبي في "النُّبَلاء" (١٨/ ١٦٨): وقد قدم قبل موته بسنة أو أكثر إلى نيسابور، وتكاثر عليه الطلبة، وسمعوا منه كتبه. وقال الإسنوي في "طبقاته" (١/ ٩٨): أول تصنيفه في سنة ست وأربعمائة، ثمّ طلب إلى نيسابور في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة لنشر العلم؛ فأجاب وأقام بها مدة، وحدَّث بتصانيفه ثمّ عاد إلى بلده، ثمّ قدم نيسابور، ثانيًا، وثالثًا.
وقد استمرت عناية العلماء بكتب الإمام البَيْهقي من عصره إلى عصرنا، فقد أنفق شيخه أبو محمَّد الجويني -والد إمام الحرمين- على تحصيل كتاب "السنن الكبرى" مبلغًا كبيرًا من المال، ولما قرأه ارتضاه، وشكر سعيه فيه، قال البَيْهقي في مقدمة "السنن والآثار" (١/ ١٢٧): ووقع الكتاب الثّاني، وهو كتاب "السنن" إلى الشّيخ الإمام أبي محمَّد عبد الله بن يوسف الجويني بعد ما أنفق على تحصيله شيئًا كثيرًا، فارتضاه وشكر سعيي فيه، فالحمد لله على هذه النعمة حمدًا يوازيها، وعلى سائر نعمه حمدًا يكافيها.
وقال الذهبي في "النُّبَلاء" (١٨/ ١٦٨): وجُلِبَتْ -يعني كتبه- إلى العراق والشام والنواحي، واعتنى بها الحافظ أبو القاسم الدمشقي، وسمعها من أصحاب البَيْهقي، ونقلها إلى دمشق هو وأبو الحسن المرادي.
وقال السمعاني في "الأنساب" (١/ ٤٦١ - ٤٦٢): هي مشهورة مجودة في أيدي النَّاس، أدركت عشرة نفر من أصحابه الذين حدثوني عنه.
قال مقيده -أمده الله بتوفيقه-: وآخر عناية بها في عصرنا طباعتها ونشرها وخدمتها بالفهرسة والدراسة.
[ ١٠٧ ]