قال البَيْهقي في مقدمة "دلائل النبوة" (١/ ٤٧): وعادتي في كتبي المصنفة في الأصول والفروع الاقتصار من الأخبار على ما يصح منها دون ما لا يصح، أو التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح، ليكون الناظر فيها من أهل السُّنَّة على بصيرة ممّا يقع الاعتماد عليه، لا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مِغْمَزًا فيما اعتمد عليه أهل السُّنَّة من الآثار، ، ومن وقف على تمييزي في كتبي بين صحيح الأخبار وسقيمها، وساعده التوفيق علم صدقي فيما ذكرته، ومن لم يُنْعِم النظر في ذلك، ولم يساعده التوفيق فلا يغنيه شرحي لذلك، وإن كثرت، ولا إيضاحي له، وإن بلغت، كما قال الله -﷿ -: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
وقال في مقدمة "شعب الإيمان" (١/ ٨٤): وأنا على رسم أهل الحديث أحب إيراد ما أحتاج إليه من المسانيد والحكايات بأسانيدها، والاقتصار على ما لا يغلب على القلب كونه كذبًا، ففي الحديث الثابت عن سيدنا المصطفى - ﷺ - أنّه قال: "من حدث بحديث وهو يرى أنّه كذب فهو أحد الكاذبين".
وقال في جزء الجويباري ص (٢٣١): أعاذن الله من الكلام في كتابه بالرأي، أو رواية أحاديث رسول الله - ﷺمن غير ثبت؛ لئلا نكون داخلين في قوله - ﷺ -: "من كذب علي متعمدًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ١٥٤):
[ ١٠٨ ]
البَيْهقي ينقي الآثار، ويميز بين صحيحها وسقيمها أكثر من الطحاوي.
وقال السبكي في "طبقاته" (٤/ ١٠): وكلها مُصنَّفات نِظاف. وقال الكتاني في الرسالة ص (٣٣): وللبيهقي كتب كثيرة، قيل إنها نحو الألف، وقد التزم في جميعها أنّه لا يخرج فيها حديثًا يعلمه موضوعًا.
وقال السيوطيّ في "التدريب" (١/ ٤٧٥): التزم البَيْهقي أنّ لا يخُزج فيها -يعني مصنفاته- حديثًا يعلمه موضوعًا.
وقال السيوطيّ -أيضًا - في "اللآلئ المصنوعة" (١/ ١٢ في أوائل كتاب التّوحيد) عقب حديث: "لما كلم الله موسى يوم الطور ": الحديث أخرجه البَيْهقي في الأسماء والصفات، وهو قد التزم أنّ لا يخرج حديثًا يعلم أنّه موضوع.
وقال في "اللآلئ" -أيضًا -: (٢/ ٢٦١/ ك اللباس) عقب حديث: "اللَّهُمَّ اغفر للمتسرولات ": أخرجه البَيْهقي في "الأدب"، ، وعرفت جلالة البَيْهقي في كونه لا يخرج في كتبه شيئًا من الموضوع كما التزمه، والله أعلم.
وقال في "اللآلئ" -أيضًا - (٢/ ٢٧٥/ ك المواعظ والوصايا): وأخرج البَيْهقي في أوله في "الدلائل" ثمّ قال: وهو حديث طويل في الرغائب والآداب، قال وهو حديث موضوع، قال: وقد شرطت في أول الكتاب أنّ لا أخرج في هذا الكتاب حديثًا أعلمه موضوعًا، والله أعلم.
وقد تابع السيوطيّ على هذه الطريقة الشّيخ ابن عَرَّاق في مواضع كثيرة من كتابه "تنزيه الشّريعة المرفوعة" (١/ ١٣٩) فقال فيها: عقب حديث: "إنَّ الله قرأ طه ويس قبل أنّ يخلق آدم ": قال السيوطيّ: أخرجه البَيْهقي
[ ١٠٩ ]
في "الشعب"، وقد قال: إنّه لا يخرج في مصنفاته خبرًا يعلمه موضوعًا. وقال التهانوي في "قواعد في علوم الحديث" ص (١١١ - ١١٢): التزم البَيْهقي أنّ لا يخرج في تصانيفه حديثًا يعلمه موضوعًا. قاله السيوطيّ في "تدريب الراوي"، وانظر -أيضًا - (١/ ١٤١، ١٩٢).
قال مقيده -أمده الله بتوفيقه-: لم يف البَيْهقي - ﵀ تعالي- بما التزمه، بل أحل بذلك في مواضع كثيرة من كتبه كما بينه غير واحد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الرَّدِّ على البكري" (/): والبَيْهقي يعزو ما رواه إلى الصّحيح في الغالب، وهو من أقلهم استدلالًا بالموضوع، لكن يَرْوي في الجهة الّتي يَنْصُرها من "المراسيل" والآثار ما يَصْلحُ للاعتضاد، ولا يصلح للاعتماد، ويترك في الجهة الّتي يضعفها ما هو أقوى من ذلك الإسناد".
وقال في "منهاج السُّنَّة" (٥/ ٥١٠): والبَيْهقي يروي في الفضائل أحاديث كثيرة ضعيفة، بل موضوعة كما جرت عادة أمثاله من أهل الحديث.
وقال اللكنوي في "الأجوبة الفاضلة" (٧٨): وأمّا تصانيف البَيْهقي فهي -أيضًا - مشتملة على الأحاديث الضعيفة.
وقال أبو الفيض أحمد بن الصديق الغماري في كتابه "المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير" ص (٦): " قلت: المؤلِّف - يعني السيوطيّ- يعتمد كثيرًا على قول البَيْهقي: إنّه لا يخرج في كتبه حديثًا يعلم أنّه موضوع. وليس كذلك، بل يخُرج الموضوعات بكثرة "، وينظر -أيضًا - ص (٢٦،٩، ٧٩،٧٧،٧٣،٤٨،٣٥، ١٠٢).
[ ١١٠ ]
وقال العلامة محدث العصر محمَّد ناصر الدِّين الألباني -﵀ تعالي- في "الضعيفة" (١/ ٩٦/ ٢٥): وهو يردّ على مقولة من قال: إنَّ البَيْهقي قد التزم أنّ لا يذكر في كتابه "دلائل النبوة" حديثًا موضوعًا، ووفى بذلك قال: الالتزام المذكور غير مُسلّم به، فقد أخرج فيه غيرما حديث موضوع، وقد نصّ على ذلك بعض النقاد، ومن يتتبع مقالاتنا هذه في "الأحاديث الضعيفة والموضوعة"، يجد أمثلة على ذلك بناء على ما نقله هو غير مرّة عنه؛ أنّه لا يورد في "الشعب" ما كان موضوعًا، فاعلم أنّ هذا ليس صحيحًا على إطلاقه، أو هو رأي البَيْهقي وحده في كتابه، وإلا فكم فيه من موضوعات سبق بعضها، ويأتي الكثير منها.