ذكر مَا كَانَ عَلَيْهِ الكافة قبل قيام مِلَّة الْإِسْلَام اعْلَم أَن النَّاس كَانُوا بأجمعهم، قبل مبعث نَبينَا مُحَمَّد ﷺ، مَا بَين عَرَبِيّ وعجمي، سبع أُمَم كبار هم: الصين وهم فِي جنوب مشرق الأَرْض، والهند وهم فِي وسط جنوب الأَرْض، والسودان وَلَهُم جنوب مغرب الأَرْض، والبربر وَلَهُم شمال مغرب الأَرْض، وَالروم وهم فِي وسط شمال الأَرْض، وَالتّرْك وهم فِي شمال مشرق الأَرْض، وَالْفرس وهم فِي وسط هَذِه الممالك، قد أحاطت بهم هَذِه الْأُمَم السِّت. وَكَانَت الْأُمَم كلهَا فِي قديم الدَّهْر، قبل ظُهُور الشَّرَائِع الدِّينِيَّة، صفا وَاحِد مسمين باسمين: سمنيين وكلدانيين، ثمَّ صَارُوا على خَمْسَة أَدْيَان، وَهِي الصابئة، وَالْمَجُوس، وَالَّذين أشركوا، وَالْيَهُود، وَالنَّصَارَى. فَأَما الصابئة: فَإِنَّهَا الَّتِي تعبد الْكَوَاكِب، وَترى أَن سَائِر مَا فِي الْعَالم السُّفْلى الْمعبر عَنهُ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ناشيء وصادر عَن الْكَوَاكِب، وَأَن الشَّمْس هِيَ المفيضة على الْكل. وَهَذَا الدّين أقدم هَذِه الْأَدْيَان، وَبِه كَانَ يدين أهل بابل من الكلدانيين، وإليهم بعث الله نوحًا وَإِبْرَاهِيم، صلوَات الله عَلَيْهِمَا. وَكَانَت الصابئة تتَّخذ التماثيل من الجواهبر والمعادن على أَسمَاء الْكَوَاكِب وتعبدها، فتصلى إِلَيْهَا وتقرب لَهَا القرابين، وتعتقد أَنَّهَا تجلب النَّفْع وتدفع السوء. وَبقيت مِنْهُم بقايا بأر ض السوَاد من الْعرَاق وبحران
[ ١ / ١٠٤ ]
والرها أدركوا الْإِسْلَام وَعرفُوا بالنبط وبالحرنانيين وَلم يبْق لَهُم إِذْ ذَاك ملك مُنْذُ غلبهم فَارس، فَلَمَّا كَانَت أَيَّام الْمَأْمُون أسقطوا عَن أنفسهم اسْم الكلدانيين، وتسموا بالصابئين. وَأما الْمَجُوس: فَإِنَّهُم الَّذين يَقُولُونَ بإلهين اثْنَيْنِ، أَحدهمَا فَاعل الْخَيْر وَهُوَ النُّور، وَالْآخر فَاعل الشَّرّ وَهُوَ الظلام، وَيُقَال لَهُم الثنوية أَيْضا، وَاتَّخذُوا لَهُم بيُوت نيران لَا تزَال تقد أبدا، وَكَانَت إِلَى هَذِه النيرَان صلواتهم وقرابينهم، ويعتقدون فِيهَا النَّفْع والضر، وعَلى هَذَا الِاعْتِقَاد كَانَت الأكاسرة مُلُوك فَارس بالعراق.
[ ١ / ١٠٥ ]
وَولد رَسُول الله ﷺ فِي أَيَّام كسْرَى أنوشروان وأزال الْعَرَب ملكهم فِي خِلَافه أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁، وملكوا مِنْهُم الْمَدَائِن وجلولاء وَغَيرهَا، وَقتل يزدجرد آخر مُلُوكهمْ فِي خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁، وَلم يقم بعده قَائِم من الأكاسرة، وتمزق الْفرس وَذهب ملكهم إِلَى الْيَوْم. وَقد تقدم فِي كتاب عقد جَوَاهِر الأسفاط ذكر مُلُوك الْفرس فَرَاجعه. وَأما الَّذين أشركوا فَإِنَّهُم وَإِن وافقهم الصائبة وَالْمَجُوس فِي عبَادَة التماثيل وَالنَّار من دون الله، فَإِن الْعَرَب الَّذين بعث الله فيهم نَبينَا مُحَمَّد ﷺ يُقَال لَهُم الْمُشْركُونَ سمة لَهُم، واسما لَزِمَهُم، وَكَانُوا يعْبدُونَ الْأَصْنَام والأوثان والطواغيت من دون الله، فيسجدون وَيصلونَ ويذبحون الذَّبَائِح لتماثيل عِنْدهم، قد اتَّخَذُوهَا من الْحجر والخشب وَغَيره ى، ويزعمون أَنَّهَا تجلب لَهُم النَّفْع، وتدفع عَنْهُم الضّر ويعتقد الْمُشْركُونَ مَعَ ذَلِك أَن الله سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي خلقهمْ، وَهُوَ الَّذِي أوجدهم ثمَّ يميتهم، وَهُوَ الَّذِي يرزقهم، وَأَن عِبَادَتهم للأصنام وَسِيلَة تقربهم إِلَى الله سُبْحَانَهُ. وَكَانُوا إِذا مسهم الضّر فِي الْبَحْر من شدَّة هبوب رياحه وَعظم أمواجه، وأشرفوا على الْهَلَاك، نسوا عِنْد ذَلِك الْأَصْنَام الَّتِي كَانُوا يعبدونها، ودعوا الله يسألونه النجَاة وَقد محا الله - وَله الْحَمد بنبينا مُحَمَّد ﷺ الشّرك من الْعَرَب حَتَّى دخلُوا فِي دين الله افواجا، وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده، إِلَى أَن ظهر دين الْإِسْلَام بهم على سَائِر الْأَدْيَان، وملكوا مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا مِمَّا تطؤه الدَّوَابّ، وتمر فِيهِ السفن. وَقد ذكرنَا أَيْضا فِي كتاب عقد جَوَاهِر الأسفاط قبائل الْعَرَب وبطونها ذكر شافيا فَتَأَمّله. وَأما الْيَهُود: فَإِنَّهُم أَتبَاع نَبِي الله مُوسَى بن عمرَان، صلوَات الله عَلَيْهِ، وكتابهم التوارة. ولكهم أَبنَاء إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، ويعرفون أَيْضا ببني إِسْرَائِيل، وَهُوَ يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، صلوَات الله عَلَيْهِم، وَكَانُوا اثنى عشر سبطا، وملكوا الشَّام بأسره
[ ١ / ١٠٦ ]
إِلَّا قَلِيلا مِنْهُ إِلَى أَن زَالَت دولتهم على يَد بخْتنصر، ثمَّ على يَد طيطش، وَجَاء الله بِالْإِسْلَامِ وَلَيْسَ لَهُم ملك وَلَا دولة، وَإِنَّمَا هم أُمَم متفرقون فِي أقطار الأَرْض، تَحت أَيدي النَّصَارَى. وَقد ذكرنَا أَيْضا جَمِيع مُلُوكهمْ فِي كتاب عقد جَوَاهِر الأسفاط. وَأما النَّصَارَى، فَإِنَّهُم أَتبَاع نَبِي الله الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم، صلوَات الله عَلَيْهِ، وكتابهم الْإِنْجِيل، وَجَاء الله الْمَسِيح إِلَى بني إِسْرَائِيل فَكَذبُوهُ إِلَّا طَائِفَة مِنْهُم، ثمَّ انْتَشَر دينه بعد رَفعه بدهر، فَدخل فِيهِ الرّوم والقبط والحبشة وَطَائِفَة من الْعَرَب، وَمَا زَالُوا على ذَلِك حَتَّى جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ، فقاتل الْمُسلمُونَ من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ رضى الله وأخرجوه إِلَى جزائر الْبَحْر، ثمَّ قَاتل الْمُسلمُونَ القوط والجلالقة، وملكوا مِنْهُم إقريقية والأندلس وَسَائِر بِلَاد الْمغرب، وتابعوا الْمُسلمُونَ القوط والجلالقة، وملكوا مِنْهُم إفريقية من بعدهمْ الإفرند. وَقد ذكرنَا فِي كتاب عقد جَوَاهِر الأسفاط وَفِي كتاب المواعظ وَالِاعْتِبَار بِذكر الخطط والْآثَار، جملَة من حروب الر وم والفرنج للْمُسلمين. وَإِلَى وقتنا هَذَا مُلُوك الفرنج ورعتيهم، وملوك أَكثر بِلَاد الْحَبَشَة ورعيتهم، يدينون بدين النَّصْرَانِيَّة فَهَذِهِ - أعزّك الله - ديانات أهل الأَرْض عِنْد مبعث نَبينَا مُحَمَّد ﷺ. وَكَانَت الممالك يَوْمئِذٍ على خَمْسَة أَقسَام: مملكه فَارس وَيُقَال لمن ملك مِنْهُم كسْرَى، ومملكه الرّوم وَيُقَال لملكها قَيْصر، وَكَانَت الْحَرْب لَا تزَال بَين الرّوم وَفَارِس وبيدهما أَكثر الْمَعْمُور، ومملكه التّرْك وَكَانَت مُلُوكهمْ تحارب مُلُوك الْفرس، وَلم يكن لَهُم قطّ فِيمَا بلغنَا من أَخْبَار الخليقة غَلَبَة على الممالك، ومملكه الْهِنْد وَحسب مُلُوكهمْ ضبط مَا بِيَدِهَا فَقَط، ومملكه الصين. وَأما بنوحام من الْحَبَشَة والزنج والبربر فَلم يكن لَهُم ملك يعْتد بِهِ.