أخرج حسام الدّين حسن الغوري من مصر بعد عَزله من قَضَاء الْقُضَاة الْحَنَفِيَّة فَتوجه إِلَى الْعرَاق. وَسبب ذَلِك أَنه كَانَ قد توحش مَا بَينه وَبَين الْقُضَاة
[ ٣ / ٣٦٨ ]
الثَّلَاثَة لقبح أَفعاله. وَكَانَ إِذا جلس مَعَ السُّلْطَان احتوى عَلَيْهِ وخاطبه بِاللِّسَانِ التركي ونكب على الْقُضَاة. وَكَانَ يتجرأ على النَّاس وَيَضَع مِنْهُم وَلَا يزَال ينصر الْمَرْأَة على زَوجهَا إِذا شكته إِلَيْهِ حَتَّى يخرج فِي ذَلِك عَن الْحَد. فادعت امْرَأَة عِنْده على زَوجهَا بِمَا اسْتحق من صَدَاقهَا وكسوتها وأظهرت صَدَاقهَا عَلَيْهِ فَإِذا فِيهِ أَن المنجم فِي كل سنة دِينَار. فاستدناها مِنْهُ وأمرها فكشف عَن وَجههَا وأعجبته وَقَالَ لأَبِيهَا وَكَانَ قد حضر مَعهَا: يَا مدمغ ﴿مثل هَذِه تزوحها بِدِينَار كل سنة وَالله يَا مدمغ يُسَاوِي مبيتها كل لَيْلَة مائَة دِرْهَم﴾ والتفت القَاضِي إِلَى زَوجهَا: وَقَالَ. يَا تَيْس ﴿تستغلي هَذِه بِهَذَا الْقدر وَالله أَنْت أدمغ من أَبِيهَا هَذِه يُسَاوِي مبيتها كل لَيْلَة مائَة دِرْهَم. وَحكى القَاضِي الغوري عَن نَفسه فِي مجْلِس الْأَمِير قوصون بِحَضْرَة الْأُمَرَاء أَنه لما كَانَ محتسبًا بِبَغْدَاد وقف على حَانُوت حلواني قد حل صَاحبه تَمرا وقصره حَتَّى أَبيض فَسَأَلَ عَنهُ فَقَالَ هَذِه قسب وقصرته بالبيض فَقَالَ لَهُ: وَيلك﴾ مَجْنُون أَنْت أَنا عِنْدِي جَارِيَة سَوْدَاء لي عشر سِنِين أقصرها بالبيض وَمَا ابْيَضَّتْ. وَادعت امْرَأَة على زَوجهَا عِنْده بِحَق وَجب عَلَيْهِ فَكتب بحبسه فَقَالَ لَهُ الزَّوْج: وَالْمَرْأَة أَيْضا تكون برواق البغدادية حَتَّى أحصل لَهَا حَقّهَا فَقَالَ لَهُ الغوري وَيلك! أَنْت مَجْنُون أَنا أكون أَحَق من البغدادية بهذي وَتَكون عِنْدِي أحفظها وَأَشَارَ لنقيبه فَأخذ الْمَرْأَة إِلَى طبقته وأقامت عِنْده مُدَّة حَتَّى أصلح أمرهَا مَعَ زَوجهَا. وَكَانَ القَاضِي الغوري إِذا تداعى عِنْده اثْنَان يَأْمر موقعه فَيكْتب مَا يَقُول أَحدهمَا فِي غيبَة الآخر فَإِذا انْتهى كَلَامه أخرجه وأحضر خَصمه فَيكْتب أَيْضا مَا يَقُول. وَكَذَلِكَ إِذا شهد عِنْده جمَاعَة فرق بَينهم وَكتب مَا يَقُول كل وَاحِد على انْفِرَاد فَكَانَت المحاكمة لَا تَنْتَهِي عِنْده إِلَّا بعد مُدَّة. وَكَانَ من الغي على جَانب كَبِير. ودعى مرّة إِلَى عقد نِكَاح أَوْلَاد الْأُمَرَاء هُوَ والقضاة الثَّلَاثَة فَلَمَّا دخل مَعَهم وَقد فرش الْبَيْت بالحرير والزركش تجنب الْقُضَاة الْجُلُوس على ذَلِك وتنجوا عَنهُ. فَجَلَسَ هُوَ على مقْعد
[ ٣ / ٣٦٩ ]
حَرِير مزركش وَقَالَ: يَا جمَاعَة الْجند أتبصروا كَذَا فعل هَؤُلَاءِ يدعوا كَذَا الْجُلُوس على هَذَا الْحَرِير وَأقسم با لله لَو قدرُوا عَلَيْهِ باعوه فِي الْأَسْوَاق وأكلوا ثمنه فَضَحِك من فِي الْمجْلس وَنزل بالقضاة من الخجل مَا لَا يعبر عَنهُ وَتقدم إِلَيْهِ مرّة مديون وضامنه فِي الدّين ضَمَان إِحْضَار فَادّعى عَلَيْهِ غَرِيمه فاعترف بِمَا عَلَيْهِ وَأقر الضَّامِن لَهُ بضمانه. وَكَانَ الْمَدْيُون رث الْهَيْئَة زري الْحَال فصاح القَاضِي: أخرجُوا هَذَا المعثر من قدامي وَنظر إِلَى ضامنه وَقَالَ. أعْط هَذَا مَاله. فَقَالَ: يَا مَوْلَانَا هَذَا غَرِيمه أحضرته إِلَيْهِ فَقَالَ: هاتوا الجحش - يَعْنِي الفلقة - واقتلوا هدا حَتَّى يُعْطي المَال وَأَنت تلبس المسنجب والفرجيات واللباس الرفيع حَتَّى أحْوج هَذَا أَن يُعْطي مَاله لمعثر فَلم يجد الضَّامِن بدا من الْتِزَامه بِالْمَالِ خوفًا من الإخراق. وَرَأى القَاضِي الغوري مرّة رجلا بِيَدِهِ فروجين قد مسك أرجلهما بِيَدِهِ وَصَارَت رأسهما إِلَى أَسْفَل فَأمر بِهِ أَن يصلب فمازال بِهِ النَّاس حَتَّى ضربه ضربا مؤلمًا وَتَركه. وألزم القَاضِي الغوري الشُّهُود أَن يكون فِي كل مسطور شَهَادَة أَرْبَعَة وَأَن يكتبوا سكن الْمَدْيُون ومجونه وجنونه كثير لَهُ فِيهِ نَوَادِر مستقبحة وقبائح شنيعة. فَلَمَّا رسم بعزله أَثْبَتَت عَلَيْهِ محَاضِر توجب إِرَاقَة دَمه فَقَامَ بعض الْأُمَرَاء مَعَه ومازال بِبَعْض قُضَاة الشَّافِعِيَّة حَتَّى حكم بحقن دَمه وتسفيره من مصر. وَفِي هده السّنة: اتّفقت وَاقعَة غَرِيبَة وَهِي أَن رجلا بوارديًا يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن خلف - بِخَط السيوفيين من الْقَاهِرَة - قبض عَلَيْهِ فِي يَوْم السبت سادس عشر رَمَضَان وأحضر إِلَى الْمُحْتَسب فَوجدَ بخزنه من فراخ الْحمام والزرازير المملوحة عدَّة أَرْبَعَة وَثَلَاثِينَ ألف وَمِائَة وسته وَتِسْعين من دلك فراخ حمام عدَّة ألف وَمِائَة وَسِتَّة وَتِسْعين فرخًا وزرازير عدَّة ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ ألف زرزور وجميعها قد نتنت وتغيرات ألوانها. فأدب وَشهر وأتلفت كلهَا. وفيهَا قدم الْأَمِير بيبرس الأحمدي نَائِب صفد بِمن مَعَه إِلَى دمشق وَلَيْسَ بهَا نَائِب. فجَاء مرسوم السُّلْطَان من الكرك بِمَكَّة فَقبض عَلَيْهِ أمراؤها وأنزلوه بقصر تنكز. وَمَات فِي هَذِه السّنة من الْأَعْيَان
[ ٣ / ٣٧٠ ]
جمال الدّين إِبْرَاهِيم بن أيبك الصَّفَدِي أَخُو الصّلاح الصَّفَدِي فِي رَابِع جُمَادَى الْآخِرَة بِدِمَشْق. وَكَانَ يتقن عدَّة صنائع وَسمع بِالْقَاهِرَةِ وَالشَّام وَشد أطرافًا من الْحساب والفرائض وَغير ذَلِك. وَمَات السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين أَبُو بكر ابْن الْملك النَّاصِر مُحَمَّد ابْن الْملك الْمَنْصُور قلاوون الألفي الصَّالِحِي مقتولًا بقوص وَحمل رَأسه إِلَى قوصون. وَمَات الْأَمِير عَلَاء الدّين ألطنبغا الصَّالِحِي نَائِب دمشق وَهُوَ أحد المماليك المنصورية قلاوون وربي عِنْد السُّلْطَان النَّاصِر مُحَمَّد وَتوجه مَعَه إِلَى الكرك. فَلَمَّا عَاد النَّاصِر إِلَى السلطنة أنعم عَلَيْهِ بإمرة وَعَمله جاشنكيره ثمَّ ولاه حاجبًا وَنَقله من الحجوبية إِلَى نِيَابَة حلب بعد موت أرغون النَّائِب فَسَار سيرة مشكورة. ثمَّ عَزله السُّلْطَان النَّاصِر فِي سَبِيل رضى الْأَمِير تنكز وأقدمه إِلَى مصر ثمَّ ولاه غَزَّة. ثمَّ ولاه قوصون نِيَابَة الشَّام وَآل أمره إِلَى أَن مَاتَ مسجونًا بالإسكندرية. وَمَات القان أزبك بن طغرلجا بن منكوتمر بن طغان بن باطو بن دوشي خَان بن جنكز خَان ملك الططر بالمملكة الشمالية بَعْدَمَا حكم بهَا مُدَّة ثَمَان وَعشْرين سنة وَقَامَ بعده ابْنه جاني بك خَان. وَكَانَ أزبك قد أسلم وَحسن إِسْلَامه. وَتُوفِّي قَاضِي الْقُضَاة الشَّافِعِيَّة بحلب برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن الْفَخر خَلِيل بن إِبْرَاهِيم الرَّسْعَنِي. وَمَات الْأَمِير بشتاك الناصري مقتولًا بالإسكندرية فِي ربيع الآخر. وَكَانَ إقطاعه سبع عشرَة إمرة طبلخاناة تعْمل مِائَتي ألف دِينَار كل سنة. وأنعم عَلَيْهِ النَّاصِر مُحَمَّد فِي يَوْم بِأَلف ألف دِرْهَم وَكَانَ راتب سماطه كل يَوْم خمسين رَأس غنم وفرسًا لابد من ذَلِك وَكَانَ كثير التيه لَا يحدث مباشريه إِلَّا بترجمان وَيعرف بالعربي وَلَا يتَكَلَّم بِهِ. وَمَات الْأَمِير طاجار الدوادار قتلا. وَمَات الْأَمِير جركتمر بن بهادر رَأس نوبَة قتلا. وَمَات أَمِير عَليّ ابْن الْأَمِير سلار يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث عشر ربيع الآخر. وَمَات الْأَمِير سيف الدّين قوصون مقتولًا بسجن الْإسْكَنْدَريَّة. رقاه السُّلْطَان النَّاصِر
[ ٣ / ٣٧١ ]
مُحَمَّد حَتَّى صَار أكبر الْأُمَرَاء يركب فِي ثَلَاثمِائَة فَارس صفّين قُدَّام كل صف رجل يضْرب بالقبز كَمَا يركب مُلُوك الْمغل وَكَانَ يفرق كل سنة ثَلَاثِينَ حياصة ذهب وَمِائَة قبَاء بسنجاب وَيفرق فِي وَتُوفِّي خطيب الْجَامِع الْأمَوِي بِدِمَشْق بدر الدّين مُحَمَّد ابْن قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين مُحَمَّد الْقزْوِينِي. وَمَات وَكيل بَيت المَال بِدِمَشْق نجم الدّين مُحَمَّد بن عمر بن أبي الْقَاسِم بن عبد الْمُنعم بن أبي الطّيب الدِّمَشْقِي. وَتُوفِّي الْملك الْأَفْضَل مُحَمَّد بن الْمُؤَيد إِسْمَاعِيل بن الأفصل عَليّ ابْن المظفر مَحْمُود ابْن الْمَنْصُور مُحَمَّد ابْن المظفر تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن نجم الدّين أَيُّوب بن شادي بن مَرْوَان صَاحب حماة وَكَانَ بَاشَرَهَا عشر سِنِين ثمَّ نقل إِلَى إمرة مائَة بِدِمَشْق فَمَاتَ بهَا فِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء حادي عشر ربيع الآخر عَن ثَلَاثِينَ سنة. وَمَات الْأَمِير مُوسَى بن مهنا بن عِيسَى بن مهنا بن مَانع بن حَدِيثَة بن عصية بن فضل ابْن ربيعَة أَمِير آل فضل بتدمر. وَمَات الْأَمِير بيبرس السِّلَاح دَار الناصري نَائِب الفتوحات بأياس. وَمَات شرف الدّين ابْن الْملك المغيث صَاحب الكرك بِالْقَاهِرَةِ. وَمَات عز الدّين أيبك يَوْم الْإِثْنَيْنِ تَاسِع الْمحرم. وَمَات الْحَافِظ جمال الدّين أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن الزكي أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف وَمَات الْأَمِير عز الدّين الكبكي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثامن عشر الْمحرم. وَمَات الْأَمِير تمر الساقي يَوْم الْأَحَد ثامن عشرى ذِي الْعقْدَة. وَتُوفِّي تَاج الدّين بن الفكهاني الْمَالِكِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ سَابِع ذِي الْحجَّة. وَمَات مسمرًا وَالِي الدولة أَبُو الْفتُوح بن الخطير وَكَانَ قد تزوج وَهُوَ نَصْرَانِيّ بابنة
[ ٣ / ٣٧٢ ]
شرف الدّين عبد الْوَهَّاب النشو نَاظر الْخَاص قبل اتِّصَاله بالسلطان النَّاصِر مُحَمَّد فَلَمَّا تولى النشو نظر الْخَاص عظم وَالِي الدولة وَتقدم على أخوة النشو وباشر عِنْد عدَّة من الْأُمَرَاء فَلَمَّا أمسك النشو أمسك مَعَه وصودر هُوَ وَأَخُوهُ الشَّيْخ الأكرم ومازالا فِي الْحَبْس حَتَّى أفرج عَنْهُمَا فِي مرض السُّلْطَان النَّاصِر مُحَمَّد الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَفِي جملَة من أفرج عَنهُ. وخدم أَبُو الْفتُوح عِنْد ملكتمر الْحِجَازِي إِلَى أَن نكب وَسمر فِي يَوْم السبت سادس عشرى صفر. وَكَانَ جميل الْوَجْه حسن الْخلق يَذُوق الْأَدَب ويحفظ الْأَشْعَار والوقائع وَيعرف الأحاجي والتصحيف. وَمَات الْأَمِير بدر الدّين لُؤْلُؤ الْحلَبِي. وَكَانَ ضَامِن حلب وَقدم الْقَاهِرَة غير مرّة وَرَافِع أَهلهَا إِلَى أَن سلمهم السُّلْطَان لَهُ فعاقبهم وَأخذ أَمْوَالهم. ثمَّ ولي شدّ الدَّوَاوِين بحلب فَكثر شاكوه فتسلمه الأكز مشد الْجِهَات بديار مصر ثمَّ نقل إِلَى شدّ الدَّوَاوِين بِالْقَاهِرَةِ وعزل وَأخرج بعد محنة إِلَى حلب شاد الدَّوَاوِين. ثمَّ ضرب بالمقارع حَتَّى مَاتَ قَالَ ابْن الوردي: نثر الْجنُوب بل الْقُلُوب بِسَوْطِهِ فَمَتَى أشاهد لؤلؤًا منثورا
[ ٣ / ٣٧٣ ]
فارغة
[ ٣ / ٣٧٤ ]