وهي رجل قال: إن كنت صليت صلاة فعبدي حر، وقد كان صلّى بغير وضوء حنث، ولو قال إن صليت فعبدي حر لا يحنث إذا صلّى بغير وضوء.
[ ٢٢ / ٢٣ ]
والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن الماضي موجود والموجود معرف وصفة المعرف لغو لأنه مستغن عن الصفة. اما المستقبل فهو معدوم ولا يعرف إلا بالصفة فاعتبرت الصفة في المستقبل ولم تعتبر في الماضي.
الوجه الثاني: أن الكلام في الماضي وقع خبرا وليس المطلوب من الأخبار الصحة والنفاذ والقبح والحسن، إنما المراد منه إعلام السامع لشيء ما وليس لذلك في المستقبل المطلوب منه وجود الغرض المتعلق بالفعل والإمتاع منه والغرض يتعلق في المستقبل فإن المستقبل بالصحيح لا بالفاسد، والله أعلم.
وقلت أنا: سألت رحمك الله عن قول محمد في «الجامع الكبير» في باب العتق إذا قال الرجل لآخر: أى عبيدي ضربك فهو حر فضربوه جميعا عتقوا، ولو قال لعبيده أيكم حمل هذه الخشبة فهو حر، وكانت مما يقدر على حملها واحد فحملها كلهم جملة واحدة لا يعتق أحد منهم ما الفرق بين المسألتين؟ وسألت وفقك الله عن قوله إذا حلف الرجل أنه لا يصلى صلاة فصلى بغير وضوء لا يحنث، وإذا حلف أنه ما صلّى وقد كان صلّى بغير وضوء حنث، ما الفرق بين المسألتين أيضا وأنا أذكر إن شاء الله ما وقع من الفرق بين هذه المسائل، فإن رأيت خطأ فاعذر وسامح كما قال الحريري:
وإن تجد عيبا فسد الخللا … فجل من لا عيب فيه وعلا
أو كما قال أبو على الفارسي: إن الخطأ بعد التحري موضوع عن المخطئ ومثلي من يعذر ولا سيما في مثل هذا الوقت واشتغالي فيه بما تعلم مع قلة المطالعة بل مع عدمها وذلك أن هذا الكتاب وصل إلى وأنا بنابلس في شهر المحرم سنة خمس عشرة وستمائة والفرنج على عثليث وقيسارية يبنونهما فلذلك لم يكن عندي كتاب.
أما الفرق بين ضرب العبيد وحمل الخشبة وذلك لأن أيا اسم معرب يستفهم به، ويجازى فيمن يعقل وفيما لا يعقل. قال أبو على: أيهم في الدار فمكرم محمول، وأيكم يأتينى فله درهم.
وقال الجوهري: تقول أيهم أخواك وأيهم يكرمني أكرمه. وهو معرفة بالإضافة وقد تترك الإضافة لفظا وفيه معناها، وقد تكون بمنزلة الذي فتحتاج إلى صلة، وتقول
[ ٢٢ / ٢٤ ]
أيهم في الدار أخوك وقد يكون نعتا للنكرة تقول مررت برجل أى رجل، وأيما رجل، ومرت بامرأة أى امرأة، وأية امرأة، وأيتما امرأة، وأيما امرأة، فتكون ما زائدة وتنتصب على الحال والتعجب وإذا كان هذا الاسم الذي هو أى لهذه الأقسام فإن وصفت به الجمع كان للعموم وإن وصفت به المفرد كان للخصوص فتكون أى هاهنا بمعنى الذي كما تقول أيهم في الدار أخوك أى الذي في الدار أخوك، فكأنه قال الذي يضربه من عبيدي فهو حر، وإذا كان نعتا للنكرة فالمراد منه بيان الصفة وهو حمل الخشبة التي لا يقدر على حملها الواحد فكأنه أراد بيان صفة الخشبة بالثقل والخفة وإذا كان كذلك اعتبر مراده قال الله تعالى: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا﴾ فهذا للعموم. وقال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ فهذا للخصوص، والعامل في أى ما بعده وقوله أيكم يحمل هذه الخشبة لفظ للعموم والإفراد، فإن كانت الخشبة يطيق حملها الواحد كان كلامه لاختبار القوة، فكأنه قال أيكم أطلق حملها كما يقال في المسابقة أيكم سبق فله الجعل، فيستحق الجزاء السابق. ألا ترى أن عادة الأمراء أن يسابقوا الحلبة فيقولون من سبق فله كذا فلا يأخذ قصب السبق إلا من جاء أول الخيل كلها وإن كان الثاني سبق خيلا كثيرة أيضا لا يستحق أن يذكر، وكذلك الثالث وقوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ إنما تقديره أيكم يأتينى به أولا وإلا فالكل منهم كان قادرا على الإتيان به، وإنما أراد السابق وقد فهم هذا آصف فكان جوابه ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ ولا فرق بين أن تقول من سبق وأيكم سبق وإن كانت الخشبة لا يطيق حملها الواحد كان المراد من اللفظ إزالتها عن مكانها حملا فيستوى فيها الاثنان والجماعة، كما يقال أيكم شرب الماء الذي في هذا الكوز ويقدر على شربه واحد، فإذا شربه أكثر من واحد لا يستحق الجعل. وإن قال أيكم شرب ماء الفرات كان المراد به بيان الصفة وهو الكرع لا استيعاب شربه لاستحالة ذلك، فمن كرع منه استحق الجعل فيختص الصفة ولا يختص لأن العامل في أى ما بعده لصلاحيته للمعنيين، فتبين بالإضافة وليس الضرب كذلك لأن الضرب راجع إلى إيقاع الفعل من غير اختبار القوة والضعف فأيهم وجد منه الضرب كان داخلا تحت الجزاء كالشارب من الفرات والقائل إنما يحمل كلامه على الصحة لا الفساد. ولذلك فرق محمد ﵀ في قوله أى عبيدي ضربك، وأى عبيدي ضربته. فإذا ضرب أحدهم عتق في قوله ضربته لأن العائد ضمير واحد ولو ضرب الجميع واحدا بعد واحد عتق الأول ولو ضربهم جملة عتق أحدهم والبيان إلى المولى.
[ ٢٢ / ٢٥ ]
لأنه أبهم العتق وأعاد الضمير على واحد كما لو قال أحد عبيدي حر واستشهد بمسألة الطلاق فقال: أى نسائي شاءت الطلاق فهي طالق فشئن جميعا، لأنه أعاد الضمير على الجماعة. ولو قال أى نسائي شاءت طلاقها فهي طالق لا يقع إلا على واحدة فصار الفرق بينهما من حيث اختبار القوة واتحاد الفعل، فإذا لا فرق بين الخشبة التي يقدر على حملها الواحد إذا حملت الخشبة على التفريق بحملها واحدا بعد واحد، هذا إذا لم يكن له نية لأنا نحمله على العرف في مثل هذا لاختبار القوة يكون غالبا وبين مسألة الضرب فاستويا. وأما الخشبة التي لا يقدر على حملها الواحد فتفارقهما من حيث أن المراد إزالتها عن مكانها بالحمل لأن القائل عالم أن الواحد لا يزيلها فكأنه قال إن أزلتموها عن مكانها حملا فأنتم أحرار، وأما مسألة الصلاة وهي قوله إنه إذا حلف الرجل أنه لا يصلى صلاة فصلى بغير وضوء لا يحنث، وإذا حلف أنه ما صلّى وكان قد صلّى بغير وضوء حنث. فالفرق بينهما من وجهين؛ أما قوله لا يصلى صلاة فصلاة مصدر والمصدر لا يكون إلا بعد تمام الكلام ويكون مؤكدا للجملة والتأكيد إنما يكون للحقيقة وإذا تناول الكلام الحقيقة انتفى المجاز فكأنه قال إن صليت صلاة صحيحة أو مقبولة وعلى هذا التأويل الخبر الوارد «لا صلاة إلا بوضوء» تقديره لا صلاة صحيحة أو مقبولة.
والوجه الثاني: أنه حلف على المستقبل واليمين في المستقبل يكون لبيان الأمر وبيانه بالصحة يكون فإذا حلف أنه ما صلّى وقد كان صلّى بغير وضوء كان إخبارا عنه يحتمل الصدق والكذب لفظا وعرفا كما إذا قال إن أخبرتنى أن فلانا قدم فلك كذا فأخبره أنه قدم استحق الجعل، وإن كذب. وكذلك لو قال إن أخبرتنى أن هذا الشهر رمضان وهو شوال فأخبره أنه رمضان استحق وإن كذبا حقيقة. ولو قال إن أخبرتنى بقدوم فلان فله كذا لا يستحق الجعل إلا إذا أخبره بقدومه، وقد قدم لدخول حرف التحقيق وهو الباء كما إذا قال إن أخبرتنى بدخول شهر رمضان لا يكون إلا علىالتحقيق فلذلك افترقا.