قد سقنا عن أيوب السختياني، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وأبى بكر بن عياش، وغيرهم من الأئمة أخبارا كثيرة تتضمن تقريظ أبى حنيفة والمدح له والثناء عليه، والمحفوظ عند نقلة الحديث عن الأئمة المتقدمين وهؤلاء المذكورين منهم في أبى حنيفة خلاف ذلك وكلامهم فيه كثير لأمور شنيعة حفظت عليه يتعلق بعضها بأصول الديانات، وبعضها بالفروع. نحن ذاكروها بمشيئة الله ومعتذرون إلى من وقف عليهما وكره سماعها، بأن أبا حنيفة عندنا مع جلالة قدره أسوة غيره من العلماء الذين دونا ذكرهم في هذا الكتاب وأوردنا أخبارهم وحكينا أقوال الناس فيهم على تباينها.
أما قول الخطيب هذا فأنا إن شاء الله نبين أن قصده خلاف ما ذكر من المعذرة وإنما قصد الشناعة جرأة منه وافتراء.
أما قوله: والمحفوظ عند نقلة الحديث خلاف ذلك.
فأقول: إن نقلة الحديث ينظرون إلى طريق الحديث فمتى ما وجدوا فيه رجلا ضعيفا ضعفوا الحديث خاصة في جرح الرجال، فإنه لا يسمع إلا من عدل ثقة معروف بالعدالة والثقة، فحيث نقل الخطيب أحاديث في الجرح عن جماعة ضعفاء شهد بضعفهم أئمة الحديث تبين أن قصده خلاف ما اعتذر عنه.
قال الخطيب: ما حكى عن أبى حنيفة في الإيمان:
أخبرنا الحسين بن محمد الحسن أخو الخلال بإسناده إلى وكيع. قال سمعت الثوري يقول: نحن المؤمنون وأهل القبلة عندنا مؤمنون في الأنكحة والمواريث والصلاة
[ ٢٢ / ٤٤ ]
والإقرار، ولنا ذنوب ولا ندري ما حالنا عند الله. ثم قال وقال أبو حنيفة من قال بقول سفيان هذا فهو عندنا شاك، نحن المؤمنون هنا وعند الله حقا. قال وكيع:
ونحن نقول بقول سفيان وقول أبى حنيفة عندنا جرأة.
اعلم وفقك الله أن الإيمان هو التصديق، واعلم أنه لا يكون تصديقا بدون المعرفة والمعرفة لا تكون مع الشك إنما تكون مع اليقين وإذا ثبت هذا فنحن المؤمنون هنا وعند الله لأن المعرفة والمعرفة لا تختلف لأن من عرف هنا كان عارفا عند الله لأن المعرفة الجهل، وأما قول أبى حنيفة عن سفيان في قوله نحن المؤمنون وأهل القبلة عندنا مؤمنون محمول على قوله تعالى: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ألا تراه نفى الإيمان عن من أسلم إلا من عرف بقلبه فثبت ما قلت إنه لا يكون إيمانا إلا بمعرفة.
وقال: حدثنا على بن محمد بن عبد الله المعدل بإسناده إلى حمزة بن الحارث بن عمير عن أبيه. قال سمعت رجلا سأل أبا حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال أشهد أن الكعبة حق ولكن لا أدرى هي هذه التي بمكة أم لا؟ فقال مؤمن حقا وسأله عن رجل قال أشهد أن محمد بن عبد الله نبى ولكن لا أدرى هو الذي قبره بالمدينة أم لا؟ فقال مؤمن حقا. قال الحميدي: من قال بهذا فقد كفر. قال وكان سفيان يحدث به عن حمزة بن الحارث.
وقال أخبرنا الحسن محمد الخلال بإسناده إلى محمد الباغنديّ حدثنا أبى قال:
كنت عند عبد الله بن الزبير فأتاه كتاب أحمد بن حنبل اكتب إلى بأشبع مسألة عن أبى حنيفة فكتب إليه: حدثني الحارث بن عمير قال سمعت أبا حنيفة يقول: لو أن رجلا قال أعرف أن لله بيتا ولا أدرى هو الذي بمكة أو غيره أمؤمن هو؟ قال: نعم ولو أن رجلا قال أعلم أن النبي ﷺ قد مات ولا أدرى دفن بالمدينة أو غيرها أمؤمن هو؟ قال نعم فهذا القول لم ينقله أحد من أصحاب أبى حنيفة ولا رووا عنه مثل هذا فلو كان صحيحا لنقل كما نقلت جميع مسائله. ولكني أقول ما تقول في اليهود أصحاب موسى لما جهلوا قبر موسى أضرهم ذلك؟ لا لأنهم عرفوا أن موسى نبى حق فأما جهالة القبر لا تضر بدليل أن من لم يزر المدينة ولم يحج لا يعرف القبر ولا البيت ومع ذلك لم يقدح في إيمانه ثم ومن زار المدينة فالحجرة الشريفة حائلة بينه وبين مكان القبر حقيقة من جهة التربيع فمن ذهب إلى قول الحميدي
[ ٢٢ / ٤٥ ]
وسفيان احتاج أن يعرف بيوت مكة والمدينة وبنيانهما وصقاعهما وحدائقهما على ما كانا عليه في زمن النبي ﷺ إلى اليوم، واعلم أن معرفة الأراضى غير مشروعة في شريعة من شرائع الإسلام، واعلم أنا نقول إن الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين مبعوثون حقا ولو قال رجل لا أعرف أن موسى نبى حق أو غيره فقد كفر ومع ذلك لا يضرنا جهالة قبورهم ولا مواطنهم. فأما إذا ثبت عنده مبعث النبي ﷺ بلا شك بشرائط الإسلام فهو مؤمن حقا ولا يضره جهالته بموضع قبر النبي ﷺ فيه فإن القبر ليس من شرائط الإيمان ولا الإسلام، واعلم أنه لو كان الأمر كما ذكر عنه لكان المسلمون الذين في زمن النبي ﷺ الناءون عنه لا يصح إسلامهم فإنهم ما كانوا يعرفون كل وقت حقيقة موضعه لأنهم كانوا يفارقونه في موضع وينتقل إلى آخر، أفكانوا بجهالة المواضع يكفرون؟ فإذا ثبت أن الموضع لا يحتاج إليه في حال الحياة فلأن لا يضر مع الوفاة أجدر.
وقال: في سياق الحديث قال الحارث بن عمير: وسمعته يقول: لو أن شاهدين شهدا عند قاضى أن فلانا طلق امرأته وعلما جميعا أنهما شهدا بالزور ففرق بينهما، ثم لقيها أحد الشاهدين فله أن يتزوج بها؟ قال نعم.
الجواب: إن القاضي ما سمى قاضيا إلا مشتقا من القضاء والقضاء القطع كأنه مأخوذ من قطع الخصومات أو مأخوذ من القطع بالشيء عن أحدهما للآخر وهذا أولى لأن النبي ﷺ يقول: «قضيت له شيئا» أى من قطعت له شيئا فثبت ما ذكرت فإذا فسخ القاضي بينهما أيحل لأجنبى أن يتزوج بهذه المرأة أم لا فإن قال لا فقد افترى، وإن قال نعم فكذلك يحل لأحد الشاهدين لأن فعل القاضي حجة من حجج الشرع لا تندفع في حق بعض دون بعض وإن كانت لا تحل لأحد الشاهدين فهي على نكاحها الأول فلا تحل لغيره أيضا وليس في سياق الخبر ما يضر ما قلت لأن
قول النبي ﷺ «فإنما أقطع له قطعة من النار»
فنحن نقول كذا أيضا لأن هذا فعل حرام إنما اتصل بقضاء القاضي غير مدفوع كقضاء النبي ﷺ وإن كان النبي ﷺ بين تحريمه، وما قلت فهو جواب لما أسنده إلى حمزة بن الحارث بن عمير وعن عباد بن كثير.
وأما ما نقله عن محمد بن الحسين بن الفضل القطان إلى يحيى بن حمزة أن أبا حنيفة قال: لو أن رجلا عبده هذه النعل يتقرب بها إلى الله لم أر بذلك بأسا. فقال سعيد: هذا الكفر صراحا.
[ ٢٢ / ٤٦ ]
فهذا لم ينقله أحد من أصحاب أبى حنيفة واعلم أن أصحاب الإنسان أعرف به من الأجنبى، ثم اعلم أن مذهب أبى حنيفة له أصول وقواعد وشروط لا يخرج عنها، فأما أصول مذهبه ﵁ فإنه يرى الأخذ بالقرآن والآثار ما وجد وقواعده أن لا يفرق بين الخبرين أو الآي والخبر مهما أمكن الجمع بينهما إلا إن ثبت ناسخا أو منسوخا وشروطه أن لا يعدل عنهما إلا أن لا يجد فيهما شيئا فيعدل إلى أقوال الصحابة الملائمة للقرآن والسنة وإن اختلفوا تخير ما كان أقرب إلى الكتاب والسنة. فهذا عليه إجماع أصحاب أبى حنيفة وهو إذا عددت المدرسين منهم في عصر واحد وجدتهم أكثر من إسناد الخطيب منه إلى أبى حنيفة ﵀.
واعلم أن أخبار الآحاد المروية عن النبي ﷺ توجب العمل لأجل الاحتياط في الدين ولا توجب العلم. وأخبار التواتر توجب العلم والعمل معا فكيف بك عن أخبار الخطيب هذه التي لا تكاد تنفك عن قائل يقول فيها، فإذا نازلنا الأمر وساوينا قلنا أخباره أخبار آحاد وأخبار أصحاب أبى حنيفة متواترة والعمل بالمتواترة أولى؛ وقد ثبت مذهب أبى حنيفة وأصوله وقواعده فإذا ثبت أن هذه أصول أبى حنيفة فكيف يسوغ له أن يقول هذا مع علمه بقوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾ فهذا لا يصح عن أبى حنيفة.
قال: أخبرنا أبو سعيد بإسناده إلى إسماعيل بن عيسى بن على قال قال لي شريك: كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ وزعم أبو حنيفة أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وزعم أن الصلاة ليست من دين الله. قد قلت فيما مضى: إن الإيمان هو المعرفة والمعرفة لا يدخلها جهل وإذا لم يدخلها جهل فمن أين تكون الزيادة والنقصان إنما الزيادة بأن يرتفع الجهل والنقص بأن تذهب المعرفة، وأما قوله عنه إن الصلاة ليست من دين الله تعالى فلم يرو هذا عن أبى حنيفة لكن نقول إذ لو روى هذا إن الصلاة لا يكون تاركها كافرا إنما الكافر جاحدها، فإذا لم يفرق القائل والناقل بين هذين كيف يعرف كلام أبى حنيفة ومن أين يأخذ عليه. إنما الصلاة دين إلى الله لا دين الله؟ وأصل الديانة الذلة والتعبد فإن قلنا إنها من عبدنا الله صح وإن قلنا إنها من ذلتنا إلى الله وطاعتنا له فهي دين لنا. قالوا دنته فدان وفي الحديث «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت».
[ ٢٢ / ٤٧ ]
قال الأعشى:
هو دان الرباب أذكر هو الدين … دراكا بغزوة وارتحال
ثم دانت بعد الرباب وكانت … كعذاب عقوبة الأقوال
قال: هو دان الرباب يعنى أذلها. ثم دانت بعد الرباب أى ذلت له وأطاعت، والدين الجزاء والمكافأة يقال دانه دينا أى جازاه كما قالوا كما تدين تدان قال:
ولم يبق سوى العدوا … ن دناهم كما دانوا
ومنه الدين قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ أى لمجزيون محاسبون، ومنه الديان في صفة الله ﷿. والمدين العبد والمدينة الأمة كأنهما من أذلهما العمل قال الأخطل:
ربت وربا في كرمها ابن مدينة … يظل على مسحاته يتركل
فلو كانت الصلاة من جزاء الله لكانت دين الله، وانما هي من ديننا دينا الله بها أى عبدنا فهي ديننا لا دين الله. وأجمع أهل السنة أن الصلاة ليست داخلة في الإيمان لأنها من الأعمال وإنما يرد على أبى حنيفة من عرف وجه الكلام واشتقاقه.
قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله السراج بإسناده إلى أبى إسحاق الفزاري يقول سمعت أبا حنيفة يقول: إيمان أبى بكر مثل ايمان إبليس. فهذا أيضا لم ينقل عن أبى حنيفة لكن لو نقل كان على ما ذكرت لك من الأصل أن معرفة أبى بكر الصديق بالله كمعرفة إبليس وهذالا ينكره عالم لأنا قد أصلنا أن الإيمان هو المعرفة ولا يشك أن إبليس رأى صنع الله تعالى عيانا وأبو بكر انما ثبت هذا عنده بقول النبي صلّى الله تعالى وسلم والنقل، ولا شك أن ثبوت العلم في القلب بالرؤية أكثر من ثبوته بالنقل، ويدل على هذا أنه من وصف له طريق حتى حفظ صفاتها كالماء الجاري ثم أراد أن يسلكها فإنه لا يقدر على ذلك، ومن سلكها دفعة بعد أخرى قدر على سلوكها وإن لم يصفها. ويدلك على ما ذكرت أن أكابر الفقهاء إذا حجوا احتاجوا من يعرفهم. فإذا عرفت هذا كان القياس أن يقول إن إيمان إبليس أقوى من إيمان أبى بكر، إلا أن العلم لما استوى قلنا إنه مثله. ثم قال: قال أبو إسحاق: ومن كان من المرجئة ثم لم يقل هذا أنكر عليه قوله. أما قوله إنه من المرجئة فيجيء الجواب إن شاء الله في موضعه. وقوله حدثنا الفضل بإسناده عن إيمان إبليس وآدم فهو يخرج على ما ذكرت.
[ ٢٢ / ٤٨ ]
وقال حدثنا أبو طالب بإسناده إلى القاسم بن عثمان يقول مر أبو حنيفة بسكران يبول قائما قال لو بلت جالسا: قال فنظر في وجهه فقال ألا تمر يا مرجئ قال له أبو حنيفة: هذا جزائي منك صيرت إيمانك كإيمان جبريل. فإن كان أراد الإيمان وحديثه فقد مر، وإن كان يحتج بقول السكران فهذا مما تثبت به الروايات عند المحدثين؟
أتراه ما عرف شروط أهل الحديث أم تعامى.
أخبرنا ابن رزق بإسناده إلى القاسم بن حبيب. قال وضعت نعلى في الحصا ثم قلت لأبى حنيفة أرأيت رجلا صلّى لهذه النعل حتى مات إلا أنه كان يعرف الله بقلبه فقال مؤمن قال لا أكملك أبدا. فهذا قد ذهب الجواب عنه عند أصول أبى حنيفة.
قال الخلال بإسناده إلى وكيع. قال اجتمع سفيان الثوري وشريك والحسن بن صالح وابن أبى ليلى فبعثوا إلى أبى حنيفة فأتاهم فقالوا له: ما تقول في رجل قتل أباه ونكح أمه وشرب الخمر في رأس أبيه؟ قال مؤمن فقال له ابن أبى ليلى لا قبلت لك شهادة أبدا، وقال له سفيان لا كلمتك أبدا، وقال له شريك لو كان لي من الأمر شيء لضربت عنقك، قال له الحسن بن صالح وجهى من وجهك حرام أن انظر إليه أبدا. فأبصر إلى هذا الراوي إنه لا يفرق بين رجل وبين مؤمن. فأما رجل فإنه نكرة من الرجال فلو كان كافرا وعبد الله مائة سنة لم يكن مؤمنا، وأما المؤمن لو فعل هذا لم تذهب معرفته.
وقال بروايته عن جماعة عن أبى يوسف وغيره إن أبا حنيفة كان مرجئا جهميا أفنظرت لكثرة كلامه في ذلك؟ أما الجواب فإن أبا حنيفة لا يرى الصلاة خلف المرجئ والجهمى ولا صاحب بدعة ولا هوى فكيف يكون منهم؟ وهذا القول في جميع كتب أصحاب أبى حنيفة ورواياتهم حفظا كما يحفظ الكتاب العزيز أفيكون هذا متروكا ويكون المحفوظ ما جاء به آحاد الناس. وأما روايته عن أبى يوسف فالمروى عن أبى يوسف أنه قال لما حج: اللهم إنك تعلم أنى ما قلت قولا إلا ما ثبت عندي من كتابك وسنة نبيك، وما لا أعرفه منهما جعلت أبا حنيفة فيه بيني وبينك.
وقد روى عنه هذا القول عند الموت أيضا، فكيف يصح عن من يقول هذا عند الموت أن يقول بمثل ذلك؟ ثم إن جميع كتب أبى حنيفة مشحونة برواية أبى يوسف عنه ولم يكن فيها شيء من ذلك.
[ ٢٢ / ٤٩ ]
وقال بإسناده إلى ابن المقرئ عن أبيه أن رجلا سأل أبا حنيفة- أحمر كأنه من رجال الشام- فقال: رجل لزم غريما له فحلف له بالطلاق أن يعطيه حقه غدا إلا أن يحول بينه وبينه قضاء الله، فلما كان من الغد جلس على الزنا وشرب الخمر؟ قال:
لم يحنث ولم تطلق امرأته. وهذا لم يرو عن أبى حنيفة كما ذكر، ولكن الرواية عنه قريب من هذا، إذا قال الرجل امرأته طالق إن شاء الله لم تطلق، وهذا أظنه إجماعا.
وكذلك لو قال إن شاء الإنس أو الجن أو الملائكة فهذا المروي وهذا استثناء والاستثناء لا يوجب إيقاع اليمين. وأما قوله قعد على شرب الخمر والزنا فهذا مما لا يدخل في اليمين ولا في شيء منه بإجماع الفقهاء، لكن قصده الشناعة.
وقال: أما القول بخلق القرآن فقد قيل إن أبا حنيفة لم يكن يذهب إليه، والمشهور عنه أنه كان يقوله واستتيب منه وهذا دليل على كذب الخطيب لأن المشهور ما نفى الجهل عن عامة الناس وهو إنما روى ما ذكر عن أبى حنيفة عن واحد واحد من كل عصر وأصحاب أبى حنيفة تفردوا بأكثر بلاد المسلمين وفقهاؤهم في كل عصر أكثر من أن يحصوا وكلهم يروى عن أبى حنيفة أنه لا يصلى خلف من يقول بخلق القرآن فترى أى شهرةأوجبت له ما ذكر لأنه روى عن أناس أن أبا حنيفة كان يقول القرآن مخلوق، وروى عن أناس أنه لم يكن يقول القرآن مخلوق، وجميع أصحاب أبى حنيفة على أن أبا حنيفة لم يكن يقول بخلق القرآن إلا بعضهم وهم أناس من أصحاب أبى حنيفة والشافعي وهو المعتزلة مخالفون أبا حنيفة وهم معترفون بأن هذا القول لم يكن أبو حنيفة قاله، ولا شك أن أبا حنيفة ناظر المعتزلي في خلق أفعال العباد فقال له: إن كان فعلك بأمرك فأخرج البول من موضع الغائط والغائط من موضع البول. فانقطع فضحك أبو حنيفة، فقال له المعتزلي: أتناظرني في العلم وتضحك والله لا كلمتك بعد اليوم فلم ير أبو حنيفة بعد ذلك اليوم ضاحكا. وهذا المسألة أخذها أبو حنيفة من قول الله ﷿: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ والمعتزلي إنما اعتزل حلقة الحسن البصري فكيف لقائل أن يقول إن أبا حنيفة أول من تكلم بهذا؟ وهذه الروايات التي تخالف أصحاب أبى حنيفة ومن قد روى عنه لا تصح لان أصحاب أبى حنيفة مجمعون على خلاف ما نقله عنه الخطيب. وهما كتب أصحاب أبى حنيفة بخلاف ما ذكر فكيف له أن يقول والمشهور خلاف ذلك، إنما المشهور مأخوذ من الشهرة وهي ما يلبسه الرجل عند القتال، والشهرة مشتقة من الشهر وهو الهلال سمى بذلك لشهرة الناس
[ ٢٢ / ٥٠ ]
له، ومنه سمى الشهر للأيام. وقال الخطيب: بإسناده إلى أبى بكر بن أبى داود السجستاني يقول لأصحابه ما تقولون في مسألة اتفق عليها مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، والأوزاعى وأصحابه، والحسن بن صالح وأصحابه، وسفيان الثوري وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه؟ فقال أصحابه: يا أبا بكر لا تكون مسألة أصح من هذه. فقال: هؤلاء كلهم اتفقوا على تضليل أبى حنيفة.
الجواب: اعلم وفقك الله أن الصحابة جميعهم اختلفوا في عدة مسائل ولكن ليس كل من خولف فقد ضل، فإن هؤلاء المسلمين جميعهم خالف بعضهم بعضا كما خالفوا أبا حنيفة فهذا لا يعد من التضليل أما المنقول عن الشافعي في كتاب الأم أنه قال من أراد خمسا فعليه بخمس، من أراد الفقه فعليه بأبى حنيفة، ومن أراد النحو فعليه بالكسائى. وما ذكرت مسطور عن الشافعي. ومن يقول عنه هذا مثل الشافعي كيف يقول مثل ذلك وانظر بين الروايتين ما قلت في كتاب الأم لأصحاب الشافعي ينقله فقهاء أهل عصر إلى فقهاء أهل عصر إلى ما روى الخطيب عن آحاد الناس.
وأما غير الشافعي فسيأتى الجواب عنه إن شاء الله.