أصل هذه المسألة: تدور على حرف «أو»، و«أو» تكون على وجهين: أحدهما للشك، وهي لأحد ما تدخل عليه. والآخر أن تكون بمعنى الإباحة، كما تقول:
(جالس الحسن أو ابن سيرين) لا تريد مجالسة أحدهما. قال الشاعر:
إذا ما مات ميت من تميم … فسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بلحم أو بتمر … أو الشيء الملفف في البجاد
وقال في الوجه الآخر:
وكنت إذا غمزت قناة قوم … كسرت كعوبها أو تستقيما
والطبيب إذا كان يعالج مريضا يقول له: (كل فروجا أو دراجا) - يعنى: كل أحدهما. والمسألة تنقسم على أربعة أوجه: إما أن يضع حرف (أو) بين منع ومنع، أو بين إثبات وإثبات، أو بين منع وإثبات، أو بين إثبات ومنع. رجل قال: (والله لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار) فأى الدارين دخل حنث لأنه عطف منعا على منع بحرف التخيير فكان ممنوعا عن دخول كل دار على حدة، فإذا دخل إحداهما فقد وجد شرط الحنث. وأما إذا وضع بين إثبات وإثبات كما لو قال:
والله لأدخلن هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار الأخرى. فأيهما دخل بر في يمينه فأو هاهنا للتخيير كما تقول خذ هذا أو هذا كأنك قلت خذ أحدهما، وأما إذا وضع بين منع وإثبات كما إذا قال والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار اليوم فإن دخل الدار الأولى حنث وإن دخل الثانية بر لوجود الشرط لأنه جعل حرف أو بين
[ ٢٢ / ٣٩ ]
المنع والإثبات ووقت فقال اليوم. دخل الدار الأولى بعد ذلك أو لم يدخل لأنه كان مخيرا فيه وإن مضى اليوم قبل أن يدخل حنث في اليمين الثانية لأنه أوجب على نفسه الدخول ولم يوجد وأما إذا وضعها بين إثبات ومنع كما إذا قال والله لأدخلن هذه الدار أولا أدخل هذه الدار أبدا إن دخل الدار الأولى بر وسقطت اليمين لأنه كان مخيرا فيه وإن مضى اليوم ولم يدخل حنث في يمينه لأنه أوجب على نفسه الدخول في الدار الأولى في اليوم ولم يوجد وما إذا أدخل كلمة الشك بين منع وإثبات ولم يوقت كما إذا قال: والله لا أدخل هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار فإن دخل الدار الأولى حنث لأنه وجد الدخول بعد المنع وإن دخل الثانية بر لأنه عقد على الإثبات وقد وجد. وإن مات ولم يدخل إحداهما بر لأن قوله أو أدخل للغاية وتقديره حتى أدخل. قال الله تعالى: ﴿تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ كأنه قال حتى يسلموا كما
ورد عن النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس كافة حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها»
فقد جاء في الكتاب بأو، وفي الأثر بحتى لأن المعنى واحد كما لو قال: والله لا أدخل هذه الدار وهذه الدار وهذه الدار. ولو قال والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار وهذه الدار صارت هاتين الدارين الآخرتين غاية ليمينه فأيهما دخل بر ولو دخل الأولى أولا حنث لأن اليمين لم ينته غايتها ولو مات قبل أن يدخل الأولى بر لأنه الغاية وحقيقة هذا أنه متى ذكر كلمة أو بعد كلمة النفي وبعده مثبت تكون للغاية.