رجل قال: أن خرج فلان من هذه الدار حتى آذن له فعبدي حر. فأذن له مرة ثم خرج بغير أمره لا يحنث لأن حتى تكون للغاية فإذا قال حتى آذن له فكأنه قال غاية ذاك إذني له قال الله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ فلو كان أبوه أذن له مرة لم يحتج إلى إذن ثان. ولو كان قال إلا بإذنى احتاج إلى الإذن في كل مرة. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فيحتاج إلى الاستئذان في كل مرة.
والفرق بينهما أن المسألة الأولى جعل لها غاية بقوله حتى. فإذا انتهت غايتها سقطت كأنه قال لا أكلمك حتى يدخل رمضان فإذا دخل رمضان جاز له الكلام من غير حنث لأنه جعل رمضان غاية ليمينه. وأما الإذن فقال تعالى: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أى قبل إذنى لكم. فهذا محتاج إلى الإذن كل مرة، كأنه قال: إلا
[ ٢٢ / ١٢ ]
وقد بين أبو حنيفة ﵁ حكم الحرف الوعائى ما لم يبينه أحد. وذلك في قوله رجل قال لآخر: إن شتمتك في المسجد فعبدي حر وقال إن ضربتك في المسجد فعبدي حر. فأما الشتيمة ونحوها مما يجرى من أحدهما فجعله كون الفاعل في المسجد. وأما ما لم يعم الفاعل بنفسه جعل الفعل أن يقع على المفعول فقال إن شتمتك في المسجد. وأما ما لم يعم الفاعل بنفسه جعل الفعل أن يقع على المفعول فقال إن شتمتك في المسجد يحتاج إلى أن يكون الشاتم في المسجد إلا ترى أن الرائي لو رأى رجلا يشتم رجلا أو يكفر، ويقول: لا تشتم في المسجد أو لا تكفر في المسجد وأما الذي لم يقم بالفعل وحده فلا يحنث ما لم يكن المفعول في المسجد. ألا ترى أن رجلا لو رأى رجلا يذبح شاة والذابح بالمسجد والشاة خارج المسجد يقول لا تذبح عند باب المسجد ولو كانت الشاة بالمسجد والذابح خارج المسجد يقول لا تذبح في المسجد وكذلك لو قال إن قتلتك يوم الجمعة فضربه في غير يوم الجمعة لكنه مات يوم الجمعة حنث، ولو ضربه يوم الجمعة فمات في غير يوم الجمعة لا يحنث، لأن القتل لا يكون إلا بزهوق الروح. وقيل زهوق الروح لا يكون قاتلا. وإنما يكون ضاربا.