رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، إن كلمت فلانا. فتزوج امرأة قبل الكلام وامرأة بعد الكلام. فالتي تزوجها قبل الكلام طلقت ولا تطلق التي تزوجها بعد الكلام. لأنه أوجب الكلام من ساعته وجعل كلام فلان غاية ليمينه واليمين إذا انتهت غايتها سقطت فيكون كلام فلان غاية ليمينه وصار شرطا لانحلال اليمين ولم يكن شرطا لانعقاده لأنه أخر الشرط فصار شرطا لانحلال اليمين فدخلت المزوجة قبل الشرط تحت اليمين، وأما إذا قدم الشرط فقال إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة بعد الكلام وامرأة قبل الكلام فالتي تزوجها قبل الكلام لا تطلق، لأنه تزوجها قبل اليمين، والتي تزوجها بعد الكلام تطلق لأنه تزوجها بعد انعقاد اليمين. وهذا لأنه جعل كلام فلان شرط لانعقاد اليمين فصار كأنه قال عند كلام فلان كل امرأة أتزوجها فهي طالق، لأنه إذا علق الطلاق بالشرط يكون شرطا لانعقاد اليمين والداخلة تحت اليمين المزوجة بعد الشرط وإن أخر الشرط يكون شرطا لانحلال اليمين والداخلة تحت اليمين المزوجة قبل الشرط،
[ ٢٢ / ١٣ ]
أما إذا وسط الشرط فقال: كل امرأة أتزوجها أن كلمت فلانا فهي طالق صار كما إذا قدم الشرط لأن كلمة هي لا تستبد بنفسها، فصار كما إذا قال كل امرأة أتزوجها إن كلمت فلانا فالمرأة التي أتزوجها إن كلمت فلانا فالمرأة التي أتزوجها طالق ولو قال إن كلمت فلانا كل امرأة أتزوجها طالق صار الشرط مقدما كذلك هاهنا. وأما إذا وقت وأخر الشرط فقال كل امرأة أتزوجها فهي طالق إلى ثلاثين سنة إن كلمت فلانا. فتزوج امرأة بعد الكلام وامرأة قبل الكلام طلقتا لأنا إنما جعلنا كلام فلان غاية ليمينه من طريق الدلالة. فإذا وقت صريحا خرجت الدلالة من أن تكون للغاية لأن الصريح أقوى منها. ولو قدم الشرط فقال: إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها إلى ثلاثين سنة فهي طالق. فالتي تزوج قبل الكلام لا تطلق، لأن الكلام صار شرطا، لانعقاد اليمين على ما ذكت ومن تزوجها بعد الكلام تطلق. ولو وسط فهو كما لو قدم ثم إذا أخر الشرط يعتبر من وقت اليمين، لأنه أوجب اليمين من ساعته. ولو أخر الشرط يعتبر من وقت الكرم لأن اليمين انعقدت عند الكلام، وكذلك الجواب في الفصول كلها إذا جعل غاية ليمينه وشرطا لحنثه.
وحروف الشرط إن المكسورة الهمزة المخففة تقول إن تأتنى آتك «ومن» يقول من يمرر أمرر به فقولك إن تذهب وما أشبهه من الفعل الذي يلي إن شرط والجزاء قولك اذهب. وجزاء الشرط ثلاثة أشياء: الفعل وقد ذكرته، والآخر الفاء. في نحو إن تأتنى فأنت مكرم قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ وإذا، تقول: إذا احمر البسر أعطيتك قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ فموضع الفاء وما بعده جزم وكذلك موضع إذا وما بعدها بدلالة أنه لو وقع موضع ذلك فعل لظهر الجزم. وعلى هذا قرأ بعض القراء ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ فجزم يذرهم لحمله إياه على موضع فلا هادى له.
وقد تقع أسماء موضع إن وتلك الأسماء منها ما هو غير ظرف ومنها ما هي ظرف. فما كان غير ظرف فنحونا ومن، وأيهم، تقول من يكرم أكرم. وأيهم تعط أعط. وما تركب أركب قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ وقال تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنَى﴾ فعلامة الجزم في الفعل بعد أى حذف النون التي تثبت علامة للرفع في تفعلون قال الله تعالى: ﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ
[ ٢٢ / ١٤ ]
﴿آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ والظروف التي تجازى بها متى، وأنى وأين. وأى حين، وحيثما وإذ ما، ولا يجازى بحيث، ولا بإذ. حتى يلزم كل واحدة منهما ما يقول متى، يأتنى آته، ومتى ما تأتنى آتك. قال:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره … تجد خير نار عندها خير موقد
وأنى يقم أقم. وأين تذهب أذهب. وأى حين تركب أركب وهذه الأسماء التي جوزي بها إذا نصبت انتصبت بالفعل الذي هو شرط ولا يجوز: زيدا إن تضرب أضرب، لا يجوز أن تنصبه في قول البصريين بالشرط، ولا بالجزاء. فإن قلت: إن يضرب زيدا أضرب، كان زيد منتصبا بالفعل الذي هو شرط. فإن شغلت الشرط بالضمير قلت: إن زيدا تضربه اضرب عمرا كان زيد منتصبا بفعل مضمر، يفسره هذا الظاهر. كما أن قولك زيداضربته، كذلك وقد يحذف الشرط في مواضع، فلا يؤتى به لدلالة ما ذكر عليه وتلك المواضع: الأمر، والنهى، والاستفهام، والتمني، والعرض. تقول: أكرمنى أكرمك، والتأويل أكرمنى فإنك إن تكرمني أكرمك. والنهى لا تفعل يكن خيرا لك. والاستفهام ألا تأتنى أحدثك؟ وأين بيتك أزرك؟ والتمني ألا ماء باردا أشربه؟ والعرض إلا تنزل تصب خيرا؟ فمعنى ذلك كله إن تفعل أفعل فهو جميعه معنى الشرط ومعنى الجزاء أفعل قال محمد في «الجامع الكبير»: ألا ترى أنه إذا قال إذا جاء غد فكل امرأة أتزوجها فهي طالق فلا تطلق إلا التي تزوجها في الغد، وانما أراد ما أشكل بالأفعال فاعتبره بالأوقات لأنك إذا قدمت الشرط أو وسطته أو أخرته في الأوقات تبين لك في الأفعال. اجعل مجيء الغد بمنزلة كلام فلان. وقد تبين لك ما ذكرت.