ذكر ما حكى عن أبى حنيفة في الخروج على السلطان بأسانيده إلى جماعة ينقلون عن أبى جماعة ينقلون عن أبى حنيفة منه ما أسنده إلى الأوزاعى أنه قال جاءوني فقالوا قد أخذنا عن أبى حنيفة شيئا فانظر فيه فلم يبرح بى وبهم حتى أريتهم. فما جاءوني به عنه أنه قد أحل لهم الخروج على الأئمة. وهذه الرواية لا تصح عن أبى حنيفة لأنه يقول: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا علينا وندعوا لهم. ثم إجماع أصحاب أبى حنيفة على ما قلت، ثم أبو حنيفة جعل قتال على ﵁ مع البغاة والخوارج حجة، كما جعل قتال النبي ﷺ مع الكفار. قال وإذا سمع الإمام أن قوما يدعون إلى الخروج فعليه أن ينبذ إليهم ويمسكهم حتى يظهروا توبة، فإذا صار فئة يرجعون إليها يقتل مقاتلهم ويجهز على جريحهم، ويقتل أسراهم كما يقتل الكفار. فمن يكون هذا رأيه كيف يرى الخروج على الأئمة؟ قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ وقال: لا يمض قضاء قاضى أهل البغي ولا تقبل شهادتهم.
ثم روى بإسناده إلى ابن المبارك قال ذكرت أبا حنيفة يوما عند الأوزاعى فأعرض
[ ٢٢ / ٥١ ]
عنى فعاتبته في ذلك فقال: تجيء إلى رجل يرى السيف في أمة محمد فتذكره عندنا ألا ترى إلى الخطيب لم يعرف الفرق بين الخروج على الأئمة وبين من يرى السيف في الأمة! اعلم وفقك الله أن القتل ليس مشروعا بمجرد الكفر إذ لو كان لكان يحل لنا قتالهم من غير نبذ، ولما كان يجوز لنا أخذ الجزية منهم وتركهم وما يعبدون ويكونون كالمسلمين في أموالهم ودمائهم، وإنما القتل مشروع للفساد في الأرض والتعدي على الدين. ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ فأمر بقتال البغاة كما أمر بقتال أهل الحرب. وقال ﷿ في قصة أهل الحرب ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ فأراد إعلاء كلمة الإسلام وأمر بالقتال للفريقين جميعا لاكتفاء شرهم وقمع المفسدين وإصلاح الرعية وأمن الطرق فاستويا، فمن لا يعرف وجوه القرآن كيف يجوز له الرد على من يعرف؟
ثم ذكر عن الأبار لإسناده إلى أبى إسحاق الفزاري.
قال: جاءني نعى أخى من العراق- وخرج مع إبراهيم بن عبد الله الطالبي- فقدمت الكوفة فأخبرونى أنه قتل وأنه قد استشار سفيان الثوري وأبا حنيفة. فأتيت سفيان فقلت أنبئت بمصيبتى بأخى وأخبرت أنه استفتاك؟ قال نعم قد جاءني فاستفتانى. فقلت ما أفتيته قال قلت لا آمرك بالخروج ولا أنهاك. قال فأتيت أبا حنيفة فقلت له بلغني أن أخى أتاك فاستفتاك؟ قال قد أتانى واستفتانى، قال قلت وما أفتيته بالخروج، قال فأقبلت عليه فقلت لا جزاك الله خيرا.
قال: هذا رأيى قال فحدثته بحديث عن رسول الله ﷺ في الرد لهذا قال هذه خرافة. قال الخطيب: يعنى حديث النبي ﷺ.
الخطيب ذكر هذا الخبر عن هذا الرجل أعنى أبا إسحاق ثم اختلف فيه فتارة قال ما ذكرت. ثم روى عنه أنه قال قتل أخى مع إبراهيم بالبصرة فركبت لنظر في تركته فلقيت أبا حنيفة فقال لي من أين أقبلت وأين أردت؟ فأخبرته الحديث فقال لي لو أنك قتلت مع أخيك لكان خيرا لك. فهذا حديث قد تقدم الجواب عنه. إلا أنى
[ ٢٢ / ٥٢ ]
أردت أن أذكر شيئا يعرفه الناس كما يعرفون أن أبا إسحاق الفزاري روى لأبى حنيفة حديثا عن النبي ﷺ، والناس يعرفون أن أبا إسحاق لم يكن فقيها ولا محدثا يؤخذ بقوله، ثم يرجح قول مثل هذا يكون أراد به الحق، ثم قول الخطيب أنه عنى قول النبي ﷺ. أترى ما علم أنه لو ثبت مثل هذا القول عند أبى حنيفة إنه يحمل على أن هذا حديث مشكوك فيه أو مطعون في ناقله، وأن أبا إسحاق لم يهتد إلى نقله على الوجه، وأنه لم يعرف الوجه في الحديث. ثم إن الخطيب قال عنى بقوله حديث النبي ﷺ. فما أدرى الخطيب أنه عنى حديث النبي ﷺ دون حديث الفزاري؟ ثم إن الخطيب جعل رأى سفيان في هذا الأمر حجة حيث قال لم آمر أخاك ولم أنهه. فإن المتفقهة إذا سئلوا عن مثل هذا لا بد أن يقولوا حلال أو حرام أو واجب أو محظور فإن كان واجبا لزم العمل به وإن كان محظورا وجب التجنب عنه.
فنقول: سفيان في هذه الفتيا لا يخلو إما إن كان الطالبي على الحق أو على الباطل ولا يخلو المستفتى إما إن كان ذا قدرة على الخروج أو عاجز وإن كان طالب فضيلة أولا. إن كان قادرا على الخروج طالبا للفضيلة ووجد إمام حق فالأولى له اتباعه، وان كان إمام باطل وجب عليه قتاله مع إمام الحق إذا دعى. أما السوقة وآحاد الناس فيقدرون على أن يفتوا بما أفتى به سفيان بأن لا يأمروا ولا ينهوا، فمن لا يفرق بين هذا وهذا ليت شعري كيف يجوز له الطعن على الأئمة، وفي قوله حدثته بحديث عن رسول الله صلّى الله وسلّم في الرد لهذا. كان الواجب أن يبين الحديث الذي في الرد. وأما إسناده إلى محمد بن على عن سعيد بن سالم أنه قال قلت لقاضى القضاة أبى يوسف سمعت أهل خراسان يقولون: إن أبا حنيفة جهمي مرجئ؟ فقال لي صدقوا ويرى السيف أيضا. قال له فأين أنت منه؟ قال إنما كنا نأتيه يدرسنا الفقه ولم نكن نقلده ديننا.
اعلم أن المشهور عن أبى يوسف خلاف ما ذكره عنه لأنه ذكر هذا الحديث عن محمد وحده وجميع أصحاب أبى حنيفة يقولون عن أبى يوسف عن- أبى حنيفة خلاف ما ذكر. وأما قول أبى يوسف كان يدرسنا الفقه وما كنا نقلده ديننا فالمشهور عن أبى يوسف أنه لما حج. قال اللهم إنك تعلم أننى لم أعمل إلا بما عرفته من كتابك وسنة نبيك، وما لم أعرفه منهما جعلت بيني وبينك فيه أبا حنيفة لعلمي به. وروى عنه أيضا هذا القول عند الموت، فمن يكون هذا قوله أما يكون قد قلده في دينه؟
[ ٢٢ / ٥٣ ]
قال الخطيب: ذكر ما حكى عنه من مستشنعات الألفاظ والأفعال، روى بإسناده عن الحسن بن على الجوهري إلى أبى مطيع أن أبا حنيفة ﵁ قال: إن كانت الجنة والنار مخلوقتين فإنهما يفنيان وبإسناده عن محمد بن الحسين عن أبى مطيع أنه سمع أبا حنيفة يقول إن كانت الجنة والنار خلقتا فإنهما يفنيان والرواية المشهورة عن أبى حنيفة التي عليها جملة أصحابه أنه قال: إن الجنة والنار مخلوقتان لا تبيدان أبدا. وكذلك روى عنه أبو جعفر الطحاوي في عقيدته.
وبإسناده عن ابن رزق عن أسباط أن أبا حنيفة. قال: لو أدركنى رسول الله ﷺ وأدركته لأخذ بكثير من قولي.
وبإسناده عن على بن أحمد الرزاز عن يوسف بن أسباط. قال قال أبو حنيفة: لو أدركنى رسول الله ﷺ وأدركته لأخذ بكثير من قولي. المروي عن أبى حنيفة ﵁ وعليه فتاوى كل أصحابه أنه قال في
المروي عن العباس ﵁ لما خطب النبي صلّى عليه وسلّم وقال: «ألا إن مكة حرام من حرمات الله» الخبر بطوله. فقال العباس إلا الإذخر يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ: «إلا الإذخر»
قال أبو حنيفة في هذا أن النبي ﷺ أراد أن يستثنى هذا فسبقه العباس إليه، فأبو حنيفة لم يجعل النبي ﷺ آخذا برأى العباس، فكيف يجعله أخذا برأى نفسه.
وقد روى عن عمر ﵁ مثل هذا أنه قال وافقنى ربى في ثلاث ولم يرد بالموافقة أنه كان على الخلاف ثم وافق، إنما كانت شهوته تقتضي هذا، وأنزل الله ذلك على وفاق ما أراده فسماه موافقة، ومذهب أبى حنيفة خلاف ما نقل الناقل لأنه يرى الأخذ بالكتاب والسنة ما وجد، فإن لم يجد أخذ بقول الصحابي فإن اختلفوا أخذ بقول أقربهم إلى الكتاب والسنة لا يعدل عن ذلك.
وروى بإسناده عن عبد الله بن محمد بن الحارث عن أبى إسحاق الفزاري.
قال: كنت آتى أبا حنيفة أسأله عن الشيء من أمر الغزو فسألته عن مسألة فأجاب، فقلت له إنه يروى فيها عن النبي ﷺ كذا وكذا. فقال دعنا من هذا. قال وسألته يوما آخر عن مسألة فأجاب فيها، فقلت له إن هذا يروى عن النبي ﷺ فيه كذا وكذا. فقال حك هذا بذنب خنزير. هذا النقل يخالف مذهب أبى حنيفة وقد تقدم الجواب عنه.
[ ٢٢ / ٥٤ ]
ثم إن الخطيب لم يعن المسألة التي ذكر الراوي أنه سأل أبا حنيفة عنها ولا الخبر الذي أورده الفزاري، وإذا لم يعين لم يثبت ما اشترطه الخطيب من أن التثبت عند أهل الحديث غير هذا لأن المعلوم لا ينقض بالمجهول وهذا قد روى عن آحاد الناس لا شيء. لأنه قال حدثنا فلان عن الفزاري أنه قال سالت أبا حنيفة عن مسألة فأجاب. فقلت: روى عن النبي ﷺ كذا وكذا في هذا. فقال له أبو حنيفة: حك هذا بذنب خنزير. وهذا كما حكى
الخطيب في كتابه في ترجمة أشعب عن أشعب أنه قال لما سئل هل تروى شيئا من الحديث النبوي؟ فقال نعم سمعت عكرمة يقول سمعت ابن عباس يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلتان لا يجتمعان في مؤمن».
ثم سكت فقالوا له وما الخلتان؟ قال: نسى عكرمة واحدة ونسيت أنا الأخرى.
قال أخبرنا ابن دوما ثم أسنده إلى الفزارى قال حدثت أبا حنيفة حديثا في رد السيف فقال: هذا حديث خرافة أترى أى شيء هو رد السيف؟ وإنما اشتراط الخطيب أن هذا ثبت هو العجب، لأنه قال والثبت عند أصحاب الحديث غير هذا، أترى الثبت ما يعلم وما لا يعلم؟ فإن كان الثبت ما يعلم كان [ينبغي] نقل ما قال وما قيل عنه ليكون الجواب. وأما قوله حدثت أبا حنيفة في رد السيف حديثا فهذا لا يثبت مثله، لأنه إنما يثبت الشيء، أما غير شيء لا يثبت أصلا وهذا كقول المتنبي:
إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
وهذا غير شيء، أترى غير شيء أى شيء يكون: وروى عن الأبار إلى أن قال سمعت على بن عاصم يقول: حدثنا أبا حنيفة بحديث عن النبي ﷺ. فقال: لا آخذ به، ثم قلت عن النبي ﷺ فقال: لا آخذ به. إنما يجاب عن هذا لو ذكر الحديث، فمن المعلوم أن كلما روى عن النبي ﷺ لا يؤخذ به لأن فيه منسوخا والمنسوخ فبالإجماع لا يؤخذ به.
اعلم وفقك الله أن أخبار النبي ﷺ فيها ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وإفراد وتركيب، وحقيقة ومجاز. ثم بعد ذلك صنفت على النبي ﷺ أحاديث، [و] نقل عن النبي ﷺ ثقات وغير ثقات، وبعض هذا مما يرد به الحديث بإجماع الأمة.
قال أخبرنا محمد بن أبى نصر الزينبي إلى بشر بن مفضل.
قال قلت لأبى حنيفة:
روى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ. قال «البيعان بالخيار
[ ٢٢ / ٥٥ ]
ما لم يفترقا»
قال هذا رجز. أترى الناقل عن أبى حنيفة مثل هذا ما استحيا أن ينقل ما لا يسمع، فإن أراد به الرجز الذي هو الشعر فليس كذلك ومثل أبى حنيفة يعرف هذا المقدار، ولو أنه عرض على أدنى عامي لعرف هذا فكيف ينقل عن أبى حنيفة ﵀ ما لو قيل لعامى لعرف أنه خلاف ذلك ويدعى أنه الثبت؟ وأما أبو حنيفة فإنه لا يأخذ بهذا الحديث على هذا الوجه الذي ذهب إليه غيره أن قول النبي ﷺ إذا اختلف لفظا الواجب أن يوفق بينهما معنى. وهذا مذهب أبى حنيفة والبيع عقد من عقود الشرع، وجميع عقود الشرع بعد صحتها لا تحتمل النقض، مثل أن تقول بعت ويقول اشتريت، ومثل أن تقول أنكحتك على صداق مبلغه كذا وكذا، فيقول قبلت. فكما أنه ليس خيار في النكاح فكذلك ليس له خيار في البيع. وكذلك إلا جارة وغيرها من عقود الشرع، وإنما كلام النبي ﷺ مثل القرآن والقرآن جاء على العرب، تقول بئست الرمية الأرنب وإن كانت لم ترم إلا أنها من شأنها أن ترمى فسميت رمية بذلك. كما قال تعالى ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ والمائع لا ينعصر وإنما كان يعصر عنبا ليجعله خمرا. فلما كان من شأنه أن يكون خمرا نطلق اسم الخمر على العنب، لأنه اسم ما يؤول إليه.
وقد روى أنه ﵇. قال لأبى سفيان يوم الفتح: «كل الصيد في جوف الفرا»
سماه صيدا وان لم يصد. فكذلك سماهما بيعين وإن يبيعا بعد، وتقديره البيعان بالخيار إذا شاءا تبايعا، وإن شاءا لا.
كما قال ﷺ: «المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» فلما عرض عليه الحكم وهو أن النبي ﷺ حضر عند رجل من الأنصار وكان معه رجل صائم فقال: «أجب أخاك وأفطر واقض يوما مكانه»
فلما أثبت الوجوب أوجب العوض، فهذا ومثله كثير عن النبي ﷺ.
قال قلت: روى قتادة عن أنس أن يهوديا رضخ رأس جارية بين حجرين فرضخ النبي ﷺ رأسه. قال. هذيان. فأبو حنيفة ﵀ لا يقول عن كلام النبي ﷺ هذا، ولو كان كما قال عنه الخطيب لما ترك، فضلا عن أن يتبعه الناس ويقتادون إليه وقد تقدم أن رواية جماعة خير من رواية آحاد الناس. ثم هذا الخبر مجمع على ترك العمل به بقول النبي ﷺ عن جابر بن عبد الله. قال: كان النبي ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية. قال: «اغزوابسم الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تمثلوا». ألا تراه ﷺ نهى عن المثلة. ونهى في الخبر عن قتل النساء والصبيان فهذا ناسخ لما تقدم.
[ ٢٢ / ٥٦ ]
ثم قال
أخبرنا أبو بكر البرقاني إلى عبد الصمد عن أبيه قال:
ذكر لأبى حنيفة قول النبي ﷺ «أفطر الحاجم والمحجوم» فقال هذا سجع.
وهذا مثل قول الله ﷿: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ والثاني لا يكون متعديا بل مستوفيا. ثم هذا الحديث منسوخ بقول النبي ﷺ «الفطر مما دخل، والوضوء مما خرج» والحاجم والمحجوم لم يدخل إلى بطنيهما شيء فيفطرهما. قال: وذكر له قول من قول عمر- أو قضاء من قضاء عمر- فقال: هذا قول شيطان. فهذا مثل ما ذكرت من خبر أشعب، الواحد أنسيه هو، والآخر أنسيه الخطيب.
وكذلك ما رواه عن ابن رزق إلى عبد الوارث، وقال أخبرنا محمد بن عبد الملك القرشي إلى إسحاق قال سمعت يحيى بن آدم ذكر لأبى حنيفة هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: «الوضوء نصف الإيمان» قال لتتوضأ مرتين حتى تستكمل الإيمان. قال إسحاق وقال يحيى بن آدم الوضوء نصف الإيمان- يعنى نصف الصلاة- لأن الله تعالى سمى الصلاة إيمانا فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أى صلاتكم. قال النبي ﷺ «لا تقبل صلاة إلا بطهور» فالطهور نصف الإيمان على هذا المعنى إذا كانت الصلاة لا تتم إلا به. ومثل هذا لم ينقل عن أحد من الأئمة المعروفين وكيف ينبغي أن يقال في قوله تعالى: ﴿وَمَا كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ويعنى بها الصلاة لأنه يقول في أثناء الآية ﴿أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ﴾ وليس الهداية الصلاة وحدها وإنما الهداية إلى جميع الدين والصلاة فرع من فروعه. فقد قال النبي ﷺ: «لا يكمل إيمان المؤمن حتى يريد لأخيه المؤمن ما يريد لنفسه».
أفكان يعنى بهذا الصلاة وحدها؟ وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فيحمل هذا الخطاب على من هو في الصلاة لا من هو خارج عنها، ومثل هذا كثير.
وإنما [لا] يتبين المختلف فيه إلا على العلماء، أما مثل هذا فلا.
وقد نقل عن يحيى أيضا أنه ذكر لأبى حنيفة قول من قال لا أدرى نصف العلم. قال: فليقل مرتين لا أدرى حتى يستكمل العلم. قال يحيى وتفسير قوله لا أدرى نصف العلم، لأن العلم إنما هو أدرى ولا أدرى، فأحدهما نصف الآخر. فانظر ما أحسن هذا الكلام أترى أيش يقال فيمن لا يعرف هذا الكلام؟ حتى أنه يجعل قول من قال حجة حتى يرد به على أبى حنيفة. والعلم إنما هو إثبات حكم أو نسخ حكم.
[ ٢٢ / ٥٧ ]
قال أخبرنا أبو القاسم إلى سفيان بن عيينة ثم أعاد حديث «البيعان بالخيار ما لم يفترقا»، وهذا تقدم الجواب عنه. وروى عن ابن دوما إلى الفضل بن موسى قال سمعت أبا حنيفة يقول: من أصحابى من يبول قلتين، يرد على النبي ﷺ. أترى أين الرد على النبي ﷺ وإنما القلتان العامتان، والقلتان الجرتان، والقلتان الكوزان، والقلتان قلتا الجبلين فهذا كله ينطلق عليه اسم القلتين، وقول أبى حنيفة هذا إن ثبت أنه قاله أين الرد فيه على النبي ﷺ؟ وانما أردت أن أبين بهذا ومثله قول الخطيب. والمحفوظ غير ذلك فانظر إلى هذا المحفوظ ما أحسنه، إلا أنه يشبه ذاك الحافظ الذي جعله ثبتا فأخبر عن الخلال إلى وكيع يقول سأل ابن المبارك أبا حنيفة عن رفع اليدين في الركوع فقال أبو حنيفة: يريد أن يطير. أترى أى شيء في هذا من الفقه أو العلم حتى يجعله ثبتا وروى عن ابن رزق إلى سفيان يقول: كنت في جنازة أم خصيب بالكوفة فسأل رجل أبا حنيفة عن مسألة في الصرف فأفتاه، فقلت: يا أبا حنيفة إن أصحاب محمد ﷺ قد اختلفوا في هذه، فغضب وقال للذي استفتاه: اذهب فأعمل بها فما كان فيها من إثم فهو على. افتراه لم لا عرف المسألة كما عرف أم خصيب؟
أفهذا ومثله الثبت.
وحدث عن أبى القاسم عبد الواحد إلى يوسف بن أسباط يقول: رد أبو حنيفة على رسول الله ﷺ أربعمائة حديث- أو أكثر- قلت له يا أبا محمد تعرفها؟ قال نعم قلت أخبرنى بشيء منها فقال قال: رسول الله ﷺ: «للفرس سهمان وللراجل سهم»
فقال أبو حنيفة إنا لا نجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن. فهذا اللفظ لم يثبت عن أبى حنيفة وإنما مذهبه أن يكون للفارس سهمان وللراجل سهم. وأما لفظ النبي ﷺ للفرس سهمان فمحمول على أمثاله مما ورد عنه ﷺ وعن أصحابه. فأما ما روى عنه ﷺ فإنه لما جاء الرجل إليه وقال إنّي جعلت لأصحابى إبلا ليسلموا فلما أسلموا رجعت نفسي في الإبل؟ فقال ﷺ «لا تعطهم شيئا إن أقاموا وإلا سيرنا إليهم الخيل» فلم يرد النبي ﷺ أن يسير إليهم الخيل وإنما أراد أن يسير الخيالة. وقد تقدم مثل هذا القول. وأما روى عن أصحابه ﵃ فإنه كان ينادى فيهم بحضرة النبي ﷺ وبعده إذا استفزعوا يا خيل الله اركبي، فما كانت الخيل تركب الناس عادة، وإنما تقديره يا خيالة الله اركبي، فكنى عن الخيالة بالبعض كما ورد العرب كثير من هذا، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وإنما كان يعصر العنب ليكون خمرا، فمن لا يفهم هذا أيش يكون جوابه؟ وقال قال أبو حنيفة: الأشعار مثله.
[ ٢٢ / ٥٨ ]
صدق إلا أن يكون في الحج. وقال قال البيعان بالخيار، وقد تقدم الجواب. وقال كان النبي ﷺ يقرع بين نسائه إذا أراد أن يخرج في السفر. وأقرع أصحابه. وقال أبو حنيفة: القرعة قمار. فأقول إن القمار ما كان فيه أخذ وعطاء، وأما مذهب أبى حنيفة ﵀ في السفر بالنساء إن شاء أخرج إحداهن، وإن شاء أقرع بينهن تطيبا لأنفسهن كان حسنا. وقال لو أدركنى رسول الله صلّى الله ﷺ وأدركته لأخذ بكثير من قولي. قد تقدم الجواب عنه.
وحدث عن ابن رزق إلى إسماعيل البطلانى. وأخبرنا البرقاني قال قرأت على أبى حفص إلى أبى السائب يقول سمعت وكيعا يقول: وجدنا أبا حنيفة خالف مائتي حديث. هذه كانت أربعمائة صارت مائتين ولم يذكر من الأربعمائة والمائتين إلا حديثا واحدا، ولو أراد الخطيب صحة الثبت كما زعم لذكر الأحاديث. وحدث عن على بن أحمد الزاذ إلى حماد بن سلمة قال وسمعته يقول: أبو حنيفة استقبل الآثار واستدبرها. فهذا قول قالهحماد. والجواب عنه فيما مضى وعن غيره من أمثاله الذين قالوا مثل هذه الأقوال في أبى حنيفة وقد روى عنه أن أبا حنيفة يستقبل السنة يردها برأيه. وأخبرنى عن محمد بن الحسين بن محمد المتوثى إلى بشر بن السرى قال أتيت أبا عوانة فقلت بلغني أن عندك كتابا لأبى حنيفة أخرجه فقال: يا بنى ذكرتني فقام إلى صندوق فاستخرج كتابا فقطعه قطعة [قطعة] ثم رمى به، فقلت له ما حملك على ما صنعت؟ قال: كنت عند أبى حنيفة جالسا فأتاه رسول بعجلة من قبل السلطان كأنما قد حموا الحديد وأرادوا أن يقلدوه الأمر. فقال: يقول الأمير رجل سرق وديا فما ترى؟ فقال- غير متعتع- إن كانت قيمته عشرة دراهم فاقطعوه: فذهب الرجل فقلت يا أبا حنيفة ألا تتقى الله،
حدثني يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن رافع بن خديج. أن رسول الله ﷺ قال: «لا قطع في ثمر ولا كثر»
أدرك الرجل فإنه يقطع. فقال- غير متعتع- ذاك حكم قد مضى فانتهى وقد قطع الرجل فهذا ما يكون له عندي كتاب.
هذا مذهب أبى حنيفة ﵁. وذلك لما
روى عن النبي ﷺ قال: «لا قطع في ثمر ولا كثر» وقال: «فإذا جمعها الجرين فاقطعوا فيما بلغ قيمة المجن»
فأبو حنيفة ﵀ اعتبر الأصل، وذلك أن اللص إذا سرق قمحا أو تمرا أو شيئا إلا أنه أصل في نفسه مقصود بالمالية قطع، وإن سرق طعاما أو شرابا ليس بمقصود بالمالية مثل
[ ٢٢ / ٥٩ ]
طعام مطبوخ أو شراب لم يقطع لأنه ليس بمقصود بالمالية في نفسه، وإنما المقصود منه دفع ضرر الجوع حتى أنه لو سرقه في إناء فضة أو ذهب لا قطع عليه لأن مقصوده دفع الضر وسد الجوع وذلك مباح بالمحرم فصار فيه شبهة والحدود عنده تدرأ بالشبهات لما روى عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يقولون. ادرءوا الحدود بالشبهات. والنبي ﷺ تارة أمر بالقطع وتارة منع منه. وقد ذكرت فيما مضى مذهب أبى حنيفة في أنه لا يخالف بين الخبرين ما وجد وجه التوفيق. فلما بين النبي ﷺ الكثير بقوله «جمعه الجرين» تبين أنه المقصود بنفسه للمالية. ولما أبهم كان لسد الجوعة.
وكذلك ما حدث عن ابن دوما إلى أبى عوانة. قال وقال الحلواني إلى حماد.
قال سمعت أبا حنيفة سئل عن محرم لم يجد إزارا فلبس سراويل، قال عليه فدية.
قلت: سبحان الله
سمعت عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ. قال: «السراويل لمن لم يجد الإزار».
هذا الخبر لم يعمل به أحد من الأئمة فيحتج بصحته، فإن من لم يجد الإزار يلبس السراويل، كذلك من لم يجد الرداء يلبس القميص ومحال أن يجد السراويل ولم يجد إزارا، فإن السراويل يصير منه إزار، فهذا ومثله لا يدفع قول الخصم، فإن
أعرابيا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما تقول فيمن أحرم في جبته هذه بعد ما ضمخها بالطيب؟ فقال النبي ﷺ «أما الجبة فانزعها وأما الطيب فاغسله وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك»
وإجماع الناس ان المحرم يلزم المخيط فإن المخيط لا يراد به ما دخلته الإبرة مطلقا إنما المراد به ما يتلف على الإنسان مثل الثوب المخيط على البدن وعلى اليدين حتى يصير كهيئة الإنسان. فكذلك أيضا السراويل والخف. وحديثه عن بن دوما إلى حماد يدخل فيما ذكرت.
ثم قال: أخبرنا ابن دوما إلى سفيان بن عيينة قال قدمت الكوفة فحدثتهم عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد- يعنى حديث ابن عباس- فقالوا: إن أبا حنيفة يذكر هذا عن جابر بن عبد الله. قال قلت لا إنما هو جابر بن زيد. فذكروا ذلك لأبى حنيفة فقال: لا تبالوا إن شئتم صيروه عن جابر بن عبد الله، وإن شئتم صيروه عن جابر بن زيد. إنما قال أبو حنيفة ذلك- إن صح عنه- لأن هذا الخبر لم يعمل به أحد من الفقهاء فتقديره صيروه عمن شئتم فإنه غير معمول به. فقد أجمع القوم على أنه من لبس المخيط كان عليه الفدية سواء كان سراويل أو غيره.
[ ٢٢ / ٦٠ ]
ثم قال أخبرنا القاضي أبو عبد الله الصيمري إلى أبى عبد الله قال أنشدنى أبو عبد الله محمد بن زيد الوسطى لمحمد بن المعدل:
إن كنت كاذبة التي حدثتني … فعليك إثم أبى حنيفة أو زفر
المائلين إلى القياس تعمدا … والراغبين عن التمسك بالأثر
أما من هجا فقد هجا مثله خيرا من أبى حنيفة ولم يصر ذلك حجة. وهذا قال عن أبى حنيفة ﵀ ما ليس من مذهبه، وقد تقدم القول في مذهب أبى حنيفة وأخذه بالأحاديث ما وجد حتى أنه إذا جاءه الحديث الواحد خلاف القياس يعمل به في الواقعة وحدها ولا يترك أحد الحديثين. مثاله: إن الله تعالى فرض الصلاة في أوقات مخصوصة ففرض لكل وقت صلاة، ثم إن النبي ﷺ صلّى الظهر مع العصر بعرفة في وقت الظهر، والمغرب مع العشاء بالمزدلفة في وقت العشاء. فعمل بذلك أبو حنيفة في يوم عرفة خاصة، ولم يقسه على باقى الصلوات، ولا قاس باقى الصلوات عليه. وهذا إذا كان المصلى مع الإمام، وأما إذا صلّى وحده صلاها كسائر الصلوات في أوقاتها لأن النبي ﷺ إنما فعل ذلك بالجماعة ولم يثبت أنه صلاها وحده على ما ذكرت فمن يكون نظره في الجمع بين الأحاديث كذا كيف يقدح فيه بقول من لا يعرف الفقه ولا العربية ولا يفرق بين الأحاديث.
ثم قال أخبرنا عبد الله بن يحيى السكرى والحسن بن أبى بكر ومحمد بن عمر النرسي إلى أبى عوانة. قال سمعت أبا حنيفة وسئل عن الأشربة، قال: فما سئل عن شيء منها إلا قال هو حلال، حتى سئل عن السّكر- أو السّكر شك أبو جعفر- فقال: حلال. قال قلت يا هؤلاء إنها زلة عالم لا تأخذوا عنه. أما مذهب أبى حنيفة ﵀ في الأشربة فمعروف، ولو لم يشك أبو جعفر لرددت الجواب. وإنما الشاك لا يصدق لأن كذبه من نفسه إذا قال شككت فقد عرف أن قوله ليس بحجة فهو شك فيما نقله عن أبى حنيفة، ولم يشك في علم أبى حنيفة فكيف استحل الخطيب أن يجعل ما شك فيه ثبتا ينفى به ما جعله يقينا.
فأما السّكر فحرام على مذهب أبى حنيفة، والسكر حلال إذا طبخ أدنى طبخ لقول الله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ وليس قول من قال خلاف أبى حنيفة بحجة لأنه قد نقل عن بعض الناس أنه قال الكلام محمول على أنك تقول تتخذون منه سكرا وتتخذون رزقا حسنا. وليس هذا حجة لأن الصحابة رضى الله
[ ٢٢ / ٦١ ]
عنهم اتخذوا من السكر ومن التمر ومن الزبيب ومن العسل الأنبذة، والنبي ﷺ شرب من السقاية بعد ما قال له العباس يا رسول الله إنه منذ أيام، وقد مرسته أيدى الناس، ألا تصبر حتى نأتيك بشراب من البيت؟ يقول ذلك له ثلاثا والنبي ﷺ يرد قوله.
حتى أتاه بشيء منه فشربه وقطب وجهه ثم بماء من زمزم فصبه فيه وشربه. ثم قال:
«إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاكسروا متونها بالماء» وأضاف على ﵇ قوما فأطعمهم وسقاهم، فسكر بعضهم فحده. فقال: تسقينا، ثم تحدنا؟ فقال: إنما أحدكم للسكر لا للشرب. وروى أن رجلا من المسلمين شرب من سطيحة عمر فسكر، فأراد أن يحده فقال إنما شربت من سطيحتك. فقال: إنّي أحدك للسكر لا للشرب فمثل هذه الأحاديث قد روى عن النبي ﷺ وعن أصحابه فلأن يحمل أحد وجهى الآية على ما يوافق هذه الآثار مع أن هذا الوجه في القرآن أو لا خير من أن يحمل على أبعد الوجهين مع مضاد هذه الآثار وأولى.
ثم قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن حسنون الترسى إلى أبى حمزة السكرى يقول: سمعت أبا حنيفة يقول لو أن ميتا مات فدفن ثم احتاج أهله إلى الكفن فلهم أن ينبشوه ويبيعوه. هذا لم ينقل عن أبى حنيفة ولو فعل ذلك أحد لما كان به بأس.
فإن حيا يحتاج إلى كفن الميت مع أنه لم يزل عن ملكه بدفنه إياه لأحق من ميت لا يحتاج إلى شيء من أمور الدنيا.
ثم قال أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز والبزاز بهمذان إلى سفيان بن عيينة يقول: ما رأيت أحدا أجرا على الله من أبى حنيفة، ولقد أتاه يوما رجل من أهل خراسان فقال يا أبا حنيفة قد أتيتك بمائة ألف مسألة أريد أن أسألك عنها. فقال هاتها، فهل سمعتم أحدا أجرا على الله تعالى من هذا؟
وأخبرنا عطاء بن السائب عن ابن أبى ليلى.
قال: لقد أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار إن كان أحدهم ليسأل عن المسألة فيردها إلى غيره فيرد هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وإن كان أحدهم ليقول في شيء وإنه ليرتعد، وهذا يقول هات مائة ألف مسألة.
وأنا أقول: هل رأيتم أو سمعتم بأحد أكذب من هذا، من يحفظ مائة ألف مسألة
[ ٢٢ / ٦٢ ]
يكون رجلا لا يعرف له اسم؟ فهل رأيتم كذا بل أقول إن جميع المجتهدين من كان فيهم من يحفظ مائة ألف مسألة على قلبه، ولو كان الأمر كما زعم فليس بأكثر من كتب الفقه فلو أخذ رجل كتابا من كتب الفقه وجاء إلى رجل من أوساط الفقهاء وقال له: أريد أن أسألك عن جميع ما في هذا الكتاب لقال له نعم وما كان يعجز عنه إذا كان من مذهبه فكيف يعجز أبو حنيفة عن ما يسأل عنه، وقد نقل عن أبى حنيفة ما شاء الله من المسائل. وأما قوله عن الصحابة: فمن المعلوم أن جميع الصحابة لم يكونوا فقهاء وما كان الفقهاء منهم إلا قليل، بل لو كان هذا السائل سأل أحد فقهاء الصحابة لقال كما قال أبو حنيفة. وقد روى عن ابن عباس أنه كان قاعدا بحرم مكة والناس حوله يسألون عن القرآن وهو يجيب، فقال له نافع بن الأزرق: يا ابن عباس ما أجرأك على كتاب الله أتفسره من عندك؟ فقال: لا إنه لكلام عربي وأنا أفسره على ما تعرفه العرب. فقال له أكل هذا تعرفه العرب؟ فقال نعم ثم جعل يقص عليه شيئا فشيئا من القرآن وينشده عليه بيتا [بيتا] من أشعار العرب، وهذا الكتاب جمعه ابن السائب وهو يعرف اليوم بغريب القرآن لابن السائب
قال: