قال في كتابه "زعماء الإصلاح الإسلامي"١: رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أثناء إقامته في الحجاز ورحلاته إلى كثير من بلاد العالم الإسلاميّ أن هذا التوحيد الذي هو مزيّة الإسلام الكبرى قد ضاع ودخله الكثير من الفساد، فالتوحيد أساسه الاعتقاد بأنّ الله وحده، هو خالق هذا العالم وهو المسيطر عليه.. وواضع قوانينه التي يسير عليا. والمشرّع له، وليس في الخلق من يشاركه في خلقه ولا في حكمه ولا من يعينه على تصريف أموره، لأنه تعالى ليس في حاجة إلى عون أحد مهما كان من المقربين إليه. هذا الذي بيده الحكم وحده وهو الذي بيده النفع والضر وحده لا شريك له فمعنى لا إله إلا الله، ليس في الوجود ذو سلطة حقيقية تسير العالم وفقًا لما وضع من القوانين إلا هو، وليس في الوجود من يستحق العبادة والتعظيم إلا هو وهذا هو محور القرآن ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ إذن فما بال العالم الإسلامي اليوم يعدل عن هذا التوحيد المطلق الخالص من كل شائبة إلى أن يشرك مع الله كثيرًا من خلقه. فهذه الأولياء يحج إليها وتقدم لها النذور ويعتقد أنها قادرة على النفع والضرّ، وهذه
_________________
(١) ١كنت منذ خمسة عشر عاما تقريبا، اطلعت على كتاب "زعماء الإصلاح" للدكتور أحمد أمين وما كتبه عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فسارعت إلى اقتطاف شذرات قيمة وقوية نشرتها في كراسة صغيرة بلغ عددها "٥" آلاف نسخة دفاعا عن هذا الإمام العظيم وردا على خصومه، وقد قدمت له بكلمة ربما ذكرتها في خاتمة المطاف.
[ ٤٦ ]
الأضرحة التي لا عداد لها تقام في جميع أقطاره يشد الناس إليها رحالهم ويتمسحون بها ويتذللون لها ويطلبون جلب الخير لهم ودفع الشرّ عنهم. ففي كلّ بلدة ولي أو أولياء. وفي كل بلدة ضريح أو أضرحة تشترك مع الله تعالى في تصريف الأمور، ودفع الأذى وجلب الخير وكأن الله سلطان من سلاطين الدنيا يتقرب إليه بذوي الجاه وأهل الزلفى لديه. ويرجون في تغيير القوانين وقضاء الحاجات. أليس هذا كما كان يقول مشركو العرب ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقولهم ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾؟ بل واأسفاه لم يكتف المسلمون بذلك. بل أشركوا مع الله حتى النبات والجماد فهؤلاء أهل بلدة منفوحة باليمامة يعتقدون في نخلة هناك، أن لها قدرة عجيبة من قصدها من العرائس تزوجت لعامها. وهذا الغار في الدرعية يحج إليه الناس للتبرك وفي كلّ بلدةٍ من البلاد الإسلاميّة مثل هذا، ففي مصر شجرة الحنفي. ونعل الكلشني. وبوابه المتولي١.
وفي كل قطر حجر وشجر فكيف يخلص التوحيد من هذه العقائد؟ إنها تصد الناس عن الله الواحد وتشرك معه غيره وتسيء إلى النفوس وتجعلها ذليلة وضيعة مخرفة وتجردها من فكرة التوحيد وتفقدها التسامي.
هكذا شغلت ذهنه فكرة التوحيد في العقيدة مجردة من كل شريك وفكرة التوحيد في التشريع الإسلامي فلا مصدر له إلا الكتاب والسنة.
_________________
(١) ١ شجرة الحنفي: شجرة قديمة كانت في جامع الحنفي بالقاهرة يتبرك بها. ونعل الكلشني: نعل قديمة في تكية الكلشني يزعمون أن الماء إذا شرب منها ينفع للتداوي من العشق، وبوابة المتولي بالقاهرة: أيضًا مملوءة بالمسامير يتعلق فيها الشعور والخيوط لقضاء حاجة من علقها.
[ ٤٧ ]