قال هذا الدكتور أمالب دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحقيقتها في ثابتة واضحة فيما تركه صاحب الدعوة من كتب ورسائل وهذه الكتب والرسائل هي التي يحتكم إليها ولا يحتكم إلى سواها في معرفة حقيقة الدعوة مجردة من المبالغات ومن ردود الأفعال، وقد ترك صاحب الدعوة مجموعة من الرسائل التي بعث بها إلى الزعماء والعلماء من أهل عصره يبصرهم بحقيقة دعوته ويرد على ما أثير حولها
[ ١١٠ ]
من تهم وشبهات وما أشاعه خصومها من اعتراضات.
وهذه الرسائل تقدم صورة واضحة لفساد الحال في المجتمع النجدي الذي نزل به الجهل إلى تقديس لحجر والشجر والقعود عن الأخذ بالأسباب حين استبدلوا بها التعلق بأوهام لا تمت إلى الدين بسبب، مع ارتداد الحياة الجاهلية الأولى في البغي والظلم والنهب والسلب والسطو على الأموال والأعراض وقطع الطريق على حجاج بيت الله.
ثم إن هذه الرسائل تقدم إلى جانب ذلك صورة واضحة لحقيقة الدعوة بما نفته عن نفسها من تهم أعدائها، الذين يزعمون أن صاحبها مبتدع يدعي الاجتهاد ويبطل كتب المذاهب الأربعة، وأنه يصم بالكفر من ليس على مذهبه من المسلمين ويكفر من لم يهاجر إليه ممن يرى رأيه ويستبيح قتاله، وأنه ينكر شفاعة رسول الله ﷺ، وينهى عن الصلاة عليه، ويعتبر المرحلة إلى زيارته شركًا وينكر على المسلمين توقير أهل بيته.
ورسائل محمد بن عبد الوهاب ومناظراته لأهل الحجاز في اجتماع رسله بعلمائهم كما وردت في تاريخ ابن غنام معاصر محمد بن عبد الوهاب تكذب ذلك كله، وتقرر أنه متبع غير مبتدع على مذهب أحمد بن حنبل لا يدعي الاجتهاد، يقر بشفاعة رسول الله ويصلي عليه كما أمر الله في كتابه، ولا ينهى عن الرحلة إلى مسجده ولا ينكر كرامات الأولياء ولا ينهى عن توقيرهم وعن توقير أهل بيت رسول الله ﷺ، ولكنه ينكر ما يفعله الجهال من سؤالهم جلب النفع ودفع الضرّ، ومن نذر النذور والذبائح لهم، وينكر ابتداعات المبتدعين، وينصح من يقبل النصيحة من إخوانه ألا يصير في قلب أحدهم شيء من الأدعية والأوراد يظن أن قراءته أجل من قراءة القرآن أو تعدلها.
ذلك إلى أن دعوة محمد بن عبد الوهاب قد أسيء فهمها في بعض الأحيان من الخصوم والأولياء على السواء، ومن أبرز ما أسيء فهمها فيه عداوتها للصوفية
[ ١١١ ]
التي بدت عند بعض أتباعها والمتأثرين بها كأنها مقصد من أهم مقاصدها، والواقع أن الصوفية لم تكن مستهدفة لذاتها، ولكن الذي استهدفته الدعوة هو انحرافات التصوف لا التصوف نفسه، الذي يقوم في لبه وأصله الأول على الزهد وعلى مغالبة الشهوات. فمهاجمة التصوف مسألة فرعية جاءت ضمن محاربة ابتداعات المبتدعة فيما يعارض التوحيد، ولم تهاجم إلا في هذه الحدود.
والواقع أن الصوفية يجب أن يفرق فيها بين منهجين:
أحدهما: منهج في السلوك يأخذ بيد المنحرفين البعيدين عن الصراط المستقيم يتدرج بهم حتى يضعهم على المحجة البيضاء، ويتدرج بالمستقيمين على طريق الدين في رياضات روحية تسمو بهم حتى تخلصهم من سلطان الشهوات على اختلافها، شهوة البطن وشهوة الفرج وشهوة الجاه والسلطان وحب المال وهذا المنهج مفيد لا بأس في أكثره.
والمنهج الآخر: منهج في الفكر والمعرفة، يخوض في عالم الغيب ويقول فيه بغير دليل، ويغامر في اقتحام مجاهيل محجوبة عن علم الناس يضر الخوض فيها ولا يفيد، وأكثره مفسد للعقيدة يشوبه خلطٌ كثير، يزعزع الإيمان١.
_________________
(١) ١ يؤسفني أن يقول الأخ الدكتور محمد محمد حسين هذا الكلام في الثناء على التصوف متأثرًا بتربيته الأولى، وهو صاحب الفكر السديد، وليس هنا مجال الردّ عليه وبيان أخطار هذا التصوف وضلالاته ومفاسده المدمرة، حتى هذا النوع المزعوم الذي أشار إليه في إصلاح النفوس.. كأن الإسلام هذا الدين العظيم خلا مما يصلح هذه النفوس.. حتى نلجأ إلى التصوف، وهو من أصل نصراني وثني، وقد كان من أعظم أسباب هدم المجد الإسلاميّ وانحطاط المسلمين والتعاون مع المستعمرين لاحتلال كثير من أقطار العالم الإسلاميّ، يراجع للتحقق من ذلك كتاب "التصوف بين الحق والخلق" الذي قمت بتعديله، وقال الدكتور زكي مبارك في كتابه التصوف الإسلامي والأخلاق "٢/٢٠٨" أن مشيخة الأزهر فكرت في مقاومة التصوف مقاومة رسمية وكتب شيخ جامع الأزهر محمد مصطفى المراغي كتابًا في ذلك إلى وزير الأوقاف.. وأود أن أسائل هذا الدكتور، وقد ذكر بعض آثار التصوف لمدمرة: كيف السبيل إلى الفصل بين ما زعمه صالحًا من هذا التصوف وبين الفاسد منه.
[ ١١٢ ]