قال في رسالته: "الوهابية حركة الفكر والدولة": ولئن كان لابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية فضل السبق، والتوعية والدراسة، فمن العدل أن نقول: أن لابن عبد الوهاب فضل الإنجاز والإخراج والزيادة، وأنه كان أجمع لصفات الزعامة وموهبة التحدث والقيادة من غيره، لذا ظلت دعوته بعثًا متجددًا في حياة مسلمي عرب الجزيرة وغيرهم من آسيا وإفريقيا وأقاصي الهند، كما كان كفاحه ونضاله ضد الشرك بجميع أشكاله وألوانه وضد البدع والخرافات والانحطاط الخلقي –أمرًا مشهودًا يعرف عن قدرته وتفوقه العلميّ والنفسيّ. ولقد تجاوزت دعوته حدود الدعوات التقليدية ذات الطابع الوعظيّ والإرشاديّ إلى آفاق وأبعاد الشمول الحياتيّ حيث شملت الدعوة هزّ الركائز السياسية والاجتماعية والنظرة الكلية إلى الركائز الثلاث من زاوية واحدة تتمثل الكيان الواحد والمجال الأرحب لبثّ أفكار الدعوة وإبداعها، لذا تضافرت الجهود المشتركة بين مؤسسي الدعوة وبين حامليها والمشاركين في تأسيسها عل غقامة كيانٍ إسلاميّ يستوعب نظريات الدولة الإسلاميّة ويحمي أنظمتها ويؤجج نشاطها لتكون أقدر على المواجهة وتحمل العبء، بما اعتبر بحقّ البند الأول في بدء تاريخ الجزيرة العربية وفق المنهج الإسلامي بل تاريخ الشرق الأوسط بعد انقضاء حكم الخلفاء الراشدين، وذلك بان تلك الحركة قد غيرت وجه الأحداث في الجزيرة العربية تغييرًا أساسيًا مذهلًا.
لذا يقول "فيليلب حتي" في كتابه تاريخ العرب: "إن تاريخ الجزيرة العربية الحديث يبتدئ منذ منتصف القرن الثاني عشر الهجري حين ظهور حركة الموحدين في الجزيرة العربية وحين شاركت قوة الدين وسلطة الحكم".
[ ٦٠ ]
فلسفة الدعوة:
ليس الإمام الشيخ فيلسوفًا قابعًا في غرفة مكتبه، أو صوفيًا منزويًا في خلوته أو كاتبًا نظريًا يعتصر شوارد أفكاره ويستوحي سوانح أخيلته ليمتع نفسه بتحقيق رغائبه المادية أو أشواقه الروحية، وإنما كان رائد منهج وخطة عمل مترجمة إلى عقد جلساتٍ وندوات للحديث والمناقشة حول المعتقد وأحوال المجتمع ويصحب ذلك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ودعوة دائبة إلى الله بالحسنى، تتمثل في بعث رسائل وقورة ومهذبة إلى جماعة العلماء والزعماء والرؤساء. وإذا كان لا بد من نخبة تنظّم أبعاد مسيرة الدعوة وتحديد إطار أهدافها مما يحلوا للكثير من الناس أن يدَعوه فلسفةً أو "أيديولوجية١" فإن ذلك ميسر لمن يريده، متمثل في أسلوب الدعوة وفي ظلال الكلمات الوادعة النابضة بأسمى المعاني في رسائله ومؤلفاته، حيث تبرز تلك الأديولوجية في ظاهرتين متميزتين هما:
الوضوح الإيجابي فيم يدعوا إليه، واعتماد الأصالة في استمداده وورده ومن هذين المنطلقين المثابرين كانت دعوته مبنية على أساسين كبيرين هما:
أولًا: الدعوة إلى التوحيد ومحاربة مظاهر الشرك بجميع أشكاله وألوانه
_________________
(١) ١ لا يصح أن نسمي دعوة الشيخ فلسفة أو "أيديولوجية" لأنه رحمه الله تعالى وأجزل ثوابه، لم يأتنا بشيء جديد في التشريع، إنما جاءنا بأسلوب حديث في الإنجاز والإخراج كما قال الكاتب نفسه ومهما كان من حركة هذا الإمام وقوتها وعظيم أثرها، فهي حركة قديمة لم يخل منها زمان ومكان، فتارة تسمى "دعوة أهل الحديث"، وتارة تسمى "الدعوة السلفية" وسميت في العصور الأخيرة "الوهابية على اختلاف حقيقتها" وقد تحدث عنها الرسول ﷺ في الحديث الصحيح وبشرها بالنصر في مثل قوله: "لا تزال طائفة من أمتي، قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس" رواه البخاري وأحمد، وذكر البخاري وغيره أن هذه الطائفة هي: " أهل الحديث" رحم الله ميتهم وبارك في أحيائهم وجعلنا منهم والهم الدعاة والمصلحين والمسؤولين التقرب منهم والاستفادة من علومهم "م. م"
[ ٦١ ]
سواء كانت منافية للتوحيد بالكلية أو منافية لكمال التوحيد الواجب، وكذلك ما ادخل في صلب العقيدة السلفية من بدع وخرافات ووسائل وذرائع تؤدي إلى الشرك مما يقدح في توحيد المسلم والتزامه، وكذلك النهي عن المنكر، وأنواع المعاصي التي من شأنها تنقيص ثواب التوحيد وإصابة القلب بالمرض والزيغ.
ثانيًا: الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد الذي أغلقه الجهلة وعوام العلماء منذ زمن طويل فأوصدوا بذلك بابًا من أبواب الخير وسدوا الطرق المشروعة للفهم الذكي المخلص، وقد أسبغ ابن عبد الوهاب ﵀ بهذين المبدأين على عالم السلفية روحًا متألقة جديدة.
[ ٦٢ ]