قال هذا الدكتور١: إن النقول التي ينقلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب تدل على علم وفطنة، وهي قوية في دلالتها وحجتها، على ما يريد ذكره وبيانه
فهو يقع على ما ينطق بفكره، ويبدوا وكأن حججه وبراهينه بين أطراف أناله يديرها كيف يشاء وعمدته وذخيرته الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح، استوعبتها ذاكرته وبلغت أعماق قلبه، فهو يقتبس منها ما يلائم المقام ويقع على القضية المعروضة وقوع الحافر على الحافر وأحيانًا تأتي رسالته مقصورة على سرد آيات القرآن وأحاديث الرسول صلوات الله عليه مع إيضاح أو تعليق. كلماه معدودة محكمة٢.
_________________
(١) ١ المدرس في كلية العلوم الاجتماعية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ٢ انظر في "كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد".
[ ٨٦ ]
والشيخ في نقوله كان يختار ما يعين على صياغة "الموقف الإيجابي" الذي يريده كل من يؤمن بالدعوة السلفية.. فليس في قضية الإيمان والكفر مجال لمواربة أو مداهنة أو سلبية والباطل يصر ويتجمع وينتفخ ويستعلي، فهل يمكن أن يجابه ويغالب بالتردد والتفرق والاستخذاء!؟.. أليس التوكل على الله والاعتزاز به والرجاء فيه والخوف منه وإفراده سبحانه بذلك هي حقيقة الإيمان والتوحيد، أليس الاجتماع على الحق والجهاد في سبيله من فرائض هذا الدين؟؟.. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في "ثلاثة الأصول": اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل: الأولى: العلم –وهو معرفة الله ونبيه ودين الإسلام بالأدلة. الثانية: العمل به. الثالثة: الدعوة إليه. الرابعة: الصبر على الأذى فيه. والدليل قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، قال الشافعي رحمه الله تعالى: لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم.
متبع غير مبتدع:
وإذا كان محمد بن عبد الوهاب متميزًا في "حركته" التي كانت "نهجه" في العمل للدعوة السلفية، فإنه في "موضوع" هذه الدعوة سلفي متبع غير مبتدع، لا يفتأ يلح على ما بينه متبعو السلف الصالح جيلًا بعد جيل، ويقتفي أثر السابقين بإحسان في معالجة قضايا الصفات وتوحيد الألوهية والربوبية وعبادة الله وحده وفق ما جاء به رسوله صلوات الله عليه وسلم وإنكار البدع وما إلى ذلك.
وكتاباته من هذه الوجهة إنما تؤكد ما سبق أن قرره الطحاوي وشارح "الطحاوية" من بعده، ثم ابن تيمية وابن القيم وغيرهم ﵏ وأجزل مثوبتهم والشيخ ابن عبد الوهاب يؤكد هذا في صراحة قاطعة ودون أية مواربة، لأن اعتقاد السلف مأخوذ عن السلف من صحابة وتابعين وتابعيهم بإحسان ﵃، وأساس فهمهم جميعًا الكتاب والسنة، فالداعون إلى عقيدة السلف هم دائمًا متبعون لا مبتدعون، بل هم لا ينفكون عن الإنكار على كل ابتداع في هذا المجال يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى السويدي عالم
[ ٨٧ ]
أهل العراق "عبد الرحمن بن عبد الله": وأخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع، وعقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة.
لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذور والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق لله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل وه والذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة١
ويقول في رسالته إلى علماء مكة بشأن هدم الأبنية التي بنيت على قبور الصالحين: فنحن ولله الحمد متبعون غير مبتدعين على مذهب الإمام أحمد بن حنبل.. ومن البهتان الذي أشاعه الأعداء أني أدعي الاجتهاد ولا أتبع الأئمة وتعلمون أعزكم الله أنه في كثير من البلدان العمل بهاتين المسألتين –هدم القبور والأمر بترك دعوة الصالحين مما يكبر على العامة
_________________
(١) ١ القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب نشر جامعة محمد بن سعود الإسلامية –تحقيق صالح الفوزان ومحمد بن صالح ص٣.
[ ٨٨ ]