قال هذا المحدث الكبير ردًا على المحتجين بالحديث التالي على ذم الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب.
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: صلى رسول الله ﷺ الفجر ثم أقبل على القوم فقال: "اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا وصاعنا اللهم بارك لنا في حرمنا، وبارك لنا في شامنا" فقال رجل: وفي العراق؟ فسكت.
[ ٨٨ ]
ثم أعاد. قال الرجل: وفي عراقنا. فسكت. ثم قال: "اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم اجعل مع البركة بركة والذي نفسي بيده ما من المدينة من شعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها" وذكر الحديث١.
قلت: حديث صحيح، وإن كنت لم أقف عليه بهذا التمام فيما عندي من كتب السنة، وإنما وقفت عليه مفرقًاُ من حديث ابن عمر دون قوله في آخره "اللهم اجعل مع البركة بركة " فإنما هو من حديث أبي سعيد الخدري في حديث له أخرجه مسلم "٤: ١١٧" لكنه قال: "بركتين".
وأما حديث ابن عمر فأخرجه أبو نعيم "٦: ١٣٣" وابن عساكر إلى قوله "وفي العراق" وزاد: فاعرض عنه فقال: "فيها الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان". وإسناده صحيح. ورواه الطبراني في الكبير من طريق أخرى عن ابن عمر وسنده صحيح أيضًا. وقد أورده في المجمع "٣: ٣٠٥" وقال: "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات". وأخرجه أحمد "٢: ١٤٣" ومختصرًا بلفظ قال: رأيت رسول الله ﵌ يشير بيده يؤم العراق ها إن الفتنة هاهنا، ثلاث مرات من حين يطلع قرن الشيطان. وإسناده صحيح على شرط مسلم وقد أخرجه في صحيحه "٨: ١٨١" نحوه. وفي رواية له من وجه آخر عن سالم بن عبد الله قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم الكبيرة؟! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: فذكره. وأخرجه البخاري ومسلم أيضًا من وجه آخر عن سالم به مرفوعًا وأخرجه البخاري "١٣: ٣٨ – بشرح العسقلاني"، وأحمد "٢: ١١٨"، وابن عساكر من طريق نافع عن ابن عمر موقوفًا "اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: وفي نجدنا؟ قال: هناك الزلازل" الحديث. وأخرجه الترمذي وصححه وعزاه المنذري في "الترغيب" "٤: ٦١" للترمذي وحده، فوهم. وله عند أحمد "٢: ١٢٦" طريق أخرى عن
_________________
(١) ١ زاد ابن عساكر "قال رجل والعراق يا رسول الله؟ قال من ثم يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن".
[ ٨٩ ]
ابن عمر ولحديثه الأول عند أبي نعيم شاهد من حديث ابن عباس ساق لفظه الهيثمي وقال: "رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات" وروى بعضه الخطيب في تاريخه"١: ٢٤ و٢٥". ومن طريقه ابن عساكر من حديث معاذ بن جبل.
فيستفاد من مجموع طرق الحديث أن المراد من "نجد" في رواية البخاري ليس هو الإقليم المعروف اليوم بهذا الاسم، وإنما هو العراق وبذلك فسره الإمام الخطابي والحافظ ابن حجر العسقلاني، وتجد كلامهما في ذلك في "شرح كتاب الفتن الكبر" من صحيح البخاري للحافظ. وقد تحقق ما أبنأ به ﵇ فإن كثيرًا من الفتن الكبرى كان مصدرها العراق، كالقتال بين سيدنا علي ومعاوية، وبين علي والخوارج، وبين علي وعائشة، وغيرها مما هو مذكور في كتب التاريخ، فالحديث من معجزاته ﵌ وأعلام نبوته١. ومن ذلك تعلم أن الأستاذ صلاح الدين المنجد أخطأ في حشر هذا الحديث في الأحاديث الموضوعة في المقدمة.
_________________
(١) ١ ومما سبق ندرك مبلغ الحقد الدفين والبغض الحقير والافتراء الأثيم الذي يكنه جماعة السوء لهذا الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وأجزل ثوابه الذي أخرج الناس من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد الخالص، وقد اعتبروا ذلك من الفتن، ونسجوا حوله الأكاذيب والإشاعات المغرضة، ليصرفوا الناس عن هذه الدعوة. "وفي كلام بعض العلماء ما يبين حال كثير من هذه الأمة قبل الدعوة من الشرك القبيح، فمن ذلك قول عالم صنعاء الأمير محمد بن إسماعيل رحمه الله تعالى عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب جزاه سبحانه عن المسلمين خير الجزاء: وقد جاءت الأخبار عنه بأنّه يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي وينشر جهرًا ما طوى كلّ جاهل ومبتدع منه، فوافق ما عندي ويعمر أركان الشريعة هادمًا مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد أعادوا بها معنى سواع مثله يغوث وود، بئس ذلك من ود وقد هتفوا عند الشدائد باسمها كما يهتف المضطر بالصمد الفرد وكم عقروا في سوحها من عقيرة أهلت لغير الله جهرًا على عمد وكم طائف حول القبور مقبّلٌ ومستلم الأركان منهن باليد.
[ ٩٠ ]